مات السلام فهل تحيا الحرب؟

05:12 صباحا
قراءة 4 دقائق

لا يمكن إلقاء اللوم على السنن الكونية في التواطؤ على المسجد الأقصى الذي يتعرض لانتهاكات يومية من الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عما يعانيه الشعب الفلسطيني في الداخل من مآسٍ سواء في الأراضي المحتلة، أو المحاصرة في الضفة والقطاع، منذ قيام هذه الدولة الغاصبة- قبل زهاء 64 عاماً- والتي احتفلت يوم الخميس السادس والعشرين من إبريل/نيسان الماضي بذكرى قيامها . وقال ناطق عسكري إسرائيلي إن الجيش الإسرائيلي قام بإنجاز، وبناء السياج الأمني الجديد على الحدود المصرية الإسرائيلية بطول 95 كيلومتراً، وإن الجيش نصب وسائل دفاعية، وأقام سياجاً ضخماً محاطاً بعدة طبقات من الأسلاك الشائكة بطولها وعرضها، ويصل ارتفاعها إلى 7 أمتار، إضافة إلى حفر قناة لمنع عبور المركبات، وإقامة أعمدة أبراج تحمل هوائيات وأنظمة، حيث عدّ سيناء مصدر الخطر الأكبر لها في المنطقة . وفي هذه الأيام يكثر الكلام عن مقامرة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، وتنازله - مرغماً- عن شبه جزيرة سيناء في كامب ديفيد، لأن طفل السلام الإسرائيلي- المصري لم يخرج إلى النور بعد، بل جرى ابتساره وتشويهه عن عمد وسابق إصرار .

فقد نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية افتتاحية بعنوان مقامرة بيغن قالت فيها: إنه قبل نحو 30 سنة، وافقت إسرائيل على التنازل عن شبه جزيرة سيناء، ومساحتها 60 ألف كيلومتر مربع أي أكبر من مساحة دولة إسرائيل بثلاث مرات، لمصر مقابل اتفاق سلام، كانت تلك مقامرة مناحيم بيغن . أكانت صفقة جيدة؟! هذا هو الوقت المناسب لننظر إلى الوراء للجواب عن هذا السؤال . أُثير آنذاك سؤالان بشأن اتفاق السلام الذي وُقعَ عليه العام 1979 ولايزالان ذوي صلة اليوم أيضاً . أكان على بيغن أن يعمل لإحراز شروط أفضل؟ ألم يكن اتفاق السلام باهظ الثمن - بهذا القدر- تسوية مؤقتة وقع عليها طاغية سيزول؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تناسب التسوية المؤقتة الثمن الذي تم دفعه؟ وكان الثمن الذي دفعته إسرائيل منقطع النظير في تاريخ العلاقات الدولية، فلم يتم تعويض مهاجم مهزوم عن هزيمته، فقد هاجمت مصر إسرائيل أربع مرات، وهُزمت مرة بعد أخرى، وها هي الأرض التي فقدتها تُعاد إليها . لا يوجد في التاريخ سابقة لتعويض كهذا عن العدوان . فأي سابقة ستكون هذه حجة للمعتدين في المستقبل؟ وكيف ستؤثر في محادثات إسرائيل في المستقبل مع جاراتها الأخر؟ لقد تنازلت إسرائيل عن عمق استراتيجي مهم ينقصها اليوم كثيراً، وعن قواعد عسكرية، وعن وجود سلاح البحرية في البحر الأحمر، وعن أراض أصبحت مواقع سياحية، إضافة إلى إخلاء المستوطنات التي أُنشئت في سيناء . أكان بيغن يستطيع أن يُصر على صفقة أفضل، دون أن يتخلى عن كل شيء؟ أم أنه كانت ستنشب آنذاك حرب أخرى مع مصر؟ . أما وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك فقد أكد في مقابلة له في صحيفة يديعوت أحرنوت، أنه لا أحد يستطيع أن يهدد إسرائيل، فهي قادرة على حماية نفسها، واعتبر الأرض العربية التي تحتلها إسرائيل حقاً عبرياً، وملكاً توراتياً عتيداً لا يمكن لأحد أن يتنازل عنها للفلسطينيين، ورفض كذلك مقارنة وضع إسرائيل النووي بوضع غيرها من دول هذا الإقليم، أو حتى بدول العالم، مقرراً أن إسرائيل لن تفكر بنزع سلاحها النووي، إلا بعد أن يبدأ العالم العربي والإسلامي من مراكش إلى بنغلاديش التصرف مثل أوروبا الغربية .

هذه التصريحات المتطرفة في ذكرى قيام هذا الكيان الغاصب، يقابلها وضع عربي مفكك، بكل ما يحمله من دعم لقضية العرب الأولى القضية الفلسطينية، خاصة بعدما أصبحت الكلمة الأولى، والصوت الأعلى هو صوت الشعوب التي تدفع الحكومات والقادة إلى النظر بعين الاعتبار إلى صوتها الهادر، وإرادتها الحرة في التعامل مع هذه القضية التي تحتل مكانة كبرى في قلب كل عربي حرّ، لذا فإن أي تسوية فيها هضم لحقوق الشعب الفلسطيني، وإن قبلت بعض الأنظمة من قبل بتلك التسوية، فإن الشعوب لا يمكن أن تقبل بها، لهذا فإنهم - القادة الإسرائيليين - يعلمون أن هذه التسوية والاتفاقيات لا يمكن أن تستمر إلى الأبد لأسباب كثيرة، في طليعتها عامل الديموغرافيا، ورفض شعوب المنطقة لها . ولذلك هذه الشعوب بدأت تستعيد أنفاسها، وتعيد بناء ما تهدم، لاسيما بعد زوال بعض الأنظمة العربية المستبدة ومنها من كان كنزاً استراتيجياً لإسرائيل، وبدأ النور يسحق العتمة، والإرادة الشعبية الحرة هزمت الغطرسة، أصبح الشعب العربي يمارس الديمقراطية، وبدأت الشعوب تشارك مباشرة في اتخاذ القرارات المصيرية . وهذا أسقط حجة معظم الحكومات الإسرائيلية، التي روّجت-سابقاً- لنفسها دولياً بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وحرصت منذ اتفاقية كامب ديفيد على استخدام الديمقراطية ورقة من أوراق الضغط السياسي لمصلحتها، أو لتحسين مواقفها التفاوضية أمام المفاوض العربي، وتحديداً في المنعطفات السياسية المهمة . وقد نجح الإسرائيليون، وعبر السنوات الطويلة الماضية، في تكريس تصور حقيقي لدى العالم بأن الديمقراطية الإسرائيلية هي ديمقراطية حقيقية، وليست ديمقراطية شكلية، وأنها إسرائيل واحة الديمقراطية - كما تزعم - الوحيدة في صحراء الديكتاتوريات، وتحديداً عندما يطلب منها تقديم تنازلات سياسية حيال السلام . أما الآن، فكل شيء تغير، ذلك أن المساحة الموحدة التي تشكل إطاراً لسيادة الدولة هي من العوامل الأساسية في حماية هذه الدولة من أي تهديد . ومفهوم الثورة في الواقع السياسي أصبح ينطلق من أهداف ومنطلقات الشعوب التي بدأت تملك قرارها، وتمارس سيادتها بنفسها، في ظل نظام ديمقراطي عادل، يحفظ كرامة كل مصري، ومن أجل أن تستعيد مصر مكانتها وأمنها من ركام الارتحالات للنظام السابق المتكررة في كوامن الأغوار المظلمة، والتي بدأت تذوب في وجه الفجر وانتصار الزمان عند نهايات الاستبداد والإبحار إلى الشطّ والكرامة، وتلك هي الروح التي تمارس كل التغير والتحول وفق قيم الديمقراطية والحرية، حتى بدأ يستشعر الكيان المعتدي الصهيوني ويترقب الموقف، متأهباً للدفاع عن بقائه، مع أن الجميع لا يتمنى أن يرى حرباً أخرى مع إسرائيل، ولكن المؤسسة الفكرية الإسرائيلية هي من تسعى وتخطط لهذه الحرب .

* كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"