ما الذي يجري في الشارع المصري؟

23:22 مساء
قراءة 5 دقائق
من حسن الظن، أن يحظى ما يجري في الشارع المصري الآن، بنظرة تستوعب ظاهرة الإضرابات والاحتجاجات التي عمت مدن وقرى مصر، ومدلولاتها وألا يقتصر الأمر على صياغة ردود فعل من الوزارات والسلطات المختصة تجاه كل حالة على حدة، بل من خلال رؤية أوسع للظاهرة بصورة شاملة كاملة، تتعامل معها على أنها حلقات في سلسلة متصلة.وقد يكون كلام الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الحزبية والخاصة، ضوءاً كاشفاً، حين قال: أوافق على أنه توجد أزمة ثقة بين المواطن والحكومة.. المواطن لايثق في الحكومة، وتوجد حالة احتقان.واللافت للنظر أن حلقات التظاهر والاعتصامات والاحتجاجات، التي شملت قطاعات مختلفة من العمال إلى الأطباء وحتى أساتذة الجامعات، تتكلم تقريبا نفس اللغة، ولها نفس المطالب.وعدم الثقة والاحتقان كما أقر بوجودهما رئيس الوزراء هما انعكاس لفجوة موجودة بين الحكومة من ناحية، وبين الرأي العام والنخبة من ناحية أخرى.وكان من المهم والضروري التوسع عبر السنوات القليلة الماضية، في نظام قياسات الرأي العام، حتى تكون عملية صنع السياسات واتخاذ القرارات، قائمة على القدر المطلوب من رضا الرأي العام واقتناعه، إضافة إلى اقتناع السلطة التنفيذية، وذلك درءاً لاتساع الفجوة.وكان إحجام الرأي العام في الانتخابات التشريعية عام ،2004 بامتناع 75% ممن لهم حق التصويت، عن الإدلاء بأصواتهم، وكثير منهم من المتعلمين والمثقفين، بمثابة مؤشر على وجود هذه الفجوة، والتي لم يكن من الحكمة المرور عليها مر الكرام، بل دراسة مدلولاتها والخروج منها بالدروس المستفادة، ثم استيعاب أسبابها وعلاجها، وهي أسباب عامة ومتنوعة، وعندئذ كان يمكن أن تسد الفجوة أو على الأقل تضيق.والنخبة ذاتها، وعلى الأخص تيار كبير منها، مشارك في ظاهرة الاحتجاجات الراهنة، يفترض النظر إلى مطالبهم ليس فقط المادية والمهنية، بل أيضا وبشكل عام، وجهات نظرهم في الحياة العامة بما في ذلك حال التعليم، والاقتصاد، والأوضاع الاجتماعية، وغيرها، اعترافا بما يتمتعون به من درجة عالية من الوعي والمتابعة والإحاطة بالشأن العام وما يملكونه من أفق واسع، يدرك حجم المشاكل ومدى تداعياتها والخيارات المتاحة لحلها وهم في النهاية رصيد ليس من المصلحة تبديده أو تجميده.وهم من ناحية أخرى ليسوا منفصلين عن الحركة المجتمعية للرأي العام، ما كان منها تحت السطح، وماظهر فوقه، وليس خافيا ما كشف عنه ظهور آثار جانبية غير مرغوب فيها لمشروعات نفذت، بعد أن كان يمكن تفاديها لو رجعت الجهة التنفيذية إلى أهل العلم والخبرة والاختصاص منهم.والجانبان النخبة والرأي العام - ليسا منفصلين عن بعضهما، ونستطيع أن نرصد من خلال مناقشات مفتوحة جرت في إطار مراكز النخبة، عن تصورات للمشكلات القائمة واحتمالاتها، طرحت قبل أن تخرج الظاهرة الاجتماعية إلى السطح.إن وجود أسباب عدم الثقة والاحتقان، قد لا يكفي وحده لخروج حركة الاحتجاج المجتمعية من تحت السطح، ودفعة واحدة على هذا النحو، لكن الشعور الموجع بها هو الذي يدفعها إلى السطح. وهو شعور أصبح متاحا وجوده حتى لأقل الناس تعليما، عن طريق اتصال بالعالم وما يجري فيه عبر الفضائيات في عصر ثورة المعلومات، والمشاهدة والتأمل، وقوة الإحساس بما هم محرومون منه مقارنة بأوضاع شعوب أخرى.. ويتفق علماء السياسة في الغرب في دراسات معاصرة، على أن حلقات الاحتجاج المحدودة، حين تنتشر وتتتابع حاملة نفس الشعارات ونفس المطالب في أي مجتمع، فإنها تصل إلى نقطة تتكون فيها موجات كموج البحر، تتدافع كل موجة وهي متصلة بالأخرى، لتشكل معاً تياراً متصلاً.وقد شهدت مصر في تاريخها الحديث حالات من هذا النوع، يمكن الاستشهاد بإحداها وهي الرفض الجماعي ابتداء من عام ،1930 لإلغاء حكومة إسماعيل صدقي دستور ،1923 وتواصلت حالات الرفض على امتداد خمس سنوات، ليتكون منها تيار متصل في كل مدن وقرى مصر، فرض على الحكومة إلغاءه وإعادة دستور 1923.واتصالا بكل أسباب الاحتجاج من الخلل بين الأجور والأسعار، وعدم القدرة على السيطرة على انفلاتها الجنوني، إلى ما وراء الظاهرة المؤسفة والمرفوضة لدى البعض لمن ظهر عليهم ضعف الشعور بالانتماء للوطن، إلى إعطاء الغالبية ظهرها للحياة السياسية، وهو ما كانت شاهدة عليه، النسب الضعيفة للمشاركة في الانتخابات، فقد أضيف إلى ذلك، غياب الأحزاب عن الوجود الفعلي في الشارع، فلم يكن لها بما في ذلك الحزب الحاكم وجود يصل إلى المشاركين في الاعتصامات والاحتجاجات، يقترب منهم، ويقيم معهم جسور اتصال وحوار، ويكون حلقة صلة بينهم وبين الحكومة. وبالطبع فالوجود المفاجئ لا يفيد، إذا لم يكن له أساس مستمر من قبل بين الناس.وهذا الغياب الحزبي، وإن كان قضية لوحظت في مناخ ما يجري في الشارع المصري، فهي في نفس الوقت قضية قائمة بذاتها، ساهم في إيجادها غياب التنافسية الحقيقية بين الأحزاب، والتي تتوافر في حالة إتاحة الفرص لحزب أو أكثر، ليدخل أمام الحزب الحاكم حلبة التنافسية من موقع الندية، وذلك من أول شروط الديمقراطية.وإذا انفرد حزب واحد بمقومات الوجود والقوة والنفوذ، فهذا يضعف الأحزاب المنافسة، وينقل بالتبعية عوامل الضعف إلى الحزب الحاكم، لأن قدراته لاتكتسب إلا من المنافسة، ووسط ساحة الجماهير وفي حالة عدم توافر هذه الظروف يصاب النظام الحزبي برمته بالوهن.وإجمالاً فإن المشكلة لا تخرج عن كونها عملية إدارة، تتحرك في إطار رؤية شاملة لكل الأوضاع القائمة في المجتمع، ولا تخلو من نظرة تستوعب منظومة متكاملة لقفزة اقتصادية يتم من خلالها معالجة مشاكل الأجور، والأسعار، والبطالة، والإنتاج، والتصدير، والتعليم، والتدريب، والكشوف العلمية، ولا خلاف على أن مقومات حدوث ذلك متوافرة في مصر، إذا كانت في ثراء العقول والخبرات، فهي موجودة، كذلك في موارد، ومناطق، ومشروعات لم تتم، ولم تستغل للآن، وهي كثيرة وهذا موضوع آخر.إن الظاهرة التي انتشرت في كل أرجاء مصر، حتى في أصغر قراها، ليس لها سبب واحد، أو أنها تنطلق من الاحتياجات المادية وحدها وان كانت لها أهميتها البالغة لكنها وليدة مزاج اجتماعي عام قد تغير، بفعل أوضاع يلمس الجميع الضرورة الحيوية لتغييرها، لكن التغيير لايطولها، ولا يقترب منها، وكان أكثر ما يضغط على هذا المزاج، الإدراك بأن مقومات القدرة على بلوغ الأهداف الملحة، للناس والدولة، موجودة ومتوافرة، بينما الأداء قاصر عن شحذ هذه المقومات، وبلوغ الهدف.ولو أننا التقطنا نموذجاً وحيداً من قلب خريطة الأوضاع، وهو التعليم، فسنلاحظ أن كل أوجاع العملية التعليمية ظاهرة للعيان، لكل المتصلين بالنظام التعليمي، من بسطاء الناس إلى الخبراء والمختصين، بل من وزراء للتعليم، لم يستطيعوا إنكار شكواهم منها، لكنهم ويا لغرابة الأمر لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا.وهو ماقد يعني أن عملية تغيير الأوضاع محل الشكوى تبدو كمنظومة منسقة ومتكاملة تتكاتف خطاها، ولا يصلح لها عملياً أن تتحرك في قطاع وتتباطأ أو تفتقد الحركة في قطاعات أخرى.ولهذا بدأت هذا الحديث بأهمية وجود رؤية أوسع وأشمل لظاهرة الاحتجاجات والاعتصامات والاضرابات، تلم بالشأن المصري بكامله.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"