في مثل هذا اليوم 11 مارس من عام 2011، وعلى إثر موجات المد البحري العاتية، أو ما يسمّى ب «التسونامي» الذي أعقب الزلزال الذي ضرب اليابان في ذلك اليوم، توقف عمل مفاعلات محطة «فوكوشيما 1» لتوليد الطاقة النووية، كما تسبب ذلك الإعصار في تدمير مولدات الطوارئ المخصصة لتبريد المفاعلات، ما نجم عنه ارتفاع في درجة احترار المفاعل الرابع، وأدى انعدام التبريد إلى ذوبان وتحلل 3 مفاعلات وتطاير مواد مشعة في اليوم التالي وحدوث انفجارات هيدروجينية كيماوية استمرت حتى الخامس عشر من مارس 2011. ومع أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية اعتبرت أن حادثة فوكوشيما النووية، أكبر كارثة نووية منذ كارثة تشيرنوبل عام 1986 وصنفتها على مقياس الدرجة السابعة، إلا أنها ومعها لجنة الأمم المتحدة العلمية الخاصة بقياس آثار الإشعاعات النووية ومنظمة الصحة العالمية، منحت جميعها صك براءة تقريباً لشركة طوكيو للطاقة الكهربائية، بالجزم بأنه لن تكون هناك زيادة في أعداد حالات الإجهاض ولا في حالات موت الأجنة داخل الأرحام ولا إعاقات جسمانية أو نفسية للولادات التي ستعقب كارثة فوكوشيما. ولم يتم إغلاق المحطة بعد الحادثة.
في 25 أكتوبر 2016 كتب مارتن فاكلر مقالاً في «كولومبيا جورناليزم ريفيو» عنونه «غرق صحيفة تحقيقات جريئة في اليابان»، كشف فيه عن جوانب مخيفة في كارثة محطة فوكوشيما النووية، والتي حاولت الصحيفة اليابانية الشهيرة بتحقيقاتها الجريئة، وإحدى أعرق الصحف اليابانية الأكثر ليبرالية وثقافةً، وهي صحيفة «أساهي شيمبون» التي توزع 6.6 مليون نسخة يومياً - حاولت كشف مستورها، فإذا بأحد أقسامها المتخصص في إجراء التحقيقات الجريئة، يقع تحت ضغط مراكز القوى النافذة، على شفير الإفلاس والإغلاق. الرواية التي أوردها الكاتب مخيفة، خصوصا مع التعتيم الاعلامي الذي حظيت به الحادثة والتستر على خفاياها.
ما حدث لمحطة فوكوشيما دياتشي النووية هو انصهار وذوبان تام للمفاعلات الثلاثة في المحطة إلى درجة تسمّى «كوريوم» (Corium)، تتحول فيها نواة المفاعلات إلى كتلة كبيرة من النويدات المشعة الفتاكة لدرجة إذابة واختفاء كاميرات الروبوت، وإن النشاط الإشعاعي الناتج عن هذه العملية سوف يستمر لمئات السنين، في الوقت الذي لا تعلم فيه شركة طوكيو للطاقة الكهربائية المشغلة للمحطة عن مصير هذه الكتلة الإشعاعية القاتلة التي ستعاني منها أعداد لا حصر لها من البشر على مدى عقود. الشركة نفسها أقرت بأن عملية تنظيف المنطقة من الإشعاعات ستستغرق عقوداً قبل اكتمالها بشكل كامل، وأن لا أحد يعلم حتى اليوم عن مصير تلك الكتلة الهلامية الجهنمية من الإشعاعات القاتلة.
مع ذلك لم تجد حكومة شنزو آبي غضاضة في الإعلان عن أنها ستنظم بعض فعاليات أولمبياد طوكيو 2020 في فوكوشيما، بادعاء أن المنطقة صارت خالية من الإشعاعات. علماً بأن الذي حدث في محطة شيرنوبل النووية قبل 30 عاماً هو انصهار مفاعل نووي واحد فقط، لكنه كان كافياً لأن يجعل الحادثة أكبر كارثة نووية في التاريخ، اتُخذ على إثرها قرار مازال سارياً حتى اليوم بعزل المنطقة لمسافة 1000 ميل. بينما في منطقة محطة فوكوشيما التي انصهر فيها 3 مفاعلات كل واحد منها أقوى من مفاعلات شيرنوبل، تجري عملية إعادة توطين السكان فيها. هذا ما حاول قسم التحقيقات «أساهي» في صحيفة «أساهي شيمبون» إماطة اللثام عنه في أحد تحقيقاتها المثيرة، والتي كشفت عن إجبار العلماء على التكتم على حقيقة الكارثة وتورط الحكومة في حجب معلومات عن الإشعاعات في منطقة وقوع الكارثة، وتم منحها لقاء تلك التحقيقات أكبر جائزة للصحافة في اليابان في عام 2012. ولكن «أساهي» الليبرالية ذات ال 137 سنة وطاقمها البالغ 2400 صحفي، لم ترُق تحقيقاتها لرئيس الوزراء شنزو آبي الذي يطمح لاستعادة مكانة اليابان ونزعتها الباسيفيكية وإعادة تدوير صناعتها النووية. فكان إغلاقها المفاجئ وغير المعلن.
ولكن هذا لا يغير الحقيقة التي يوثقها أولئك العاملون في منظمات مستقلة، الذين انتقلوا إلى فوكوشيما للوقوف على حجم الكارثة، وقرروا، بناءً على قياساتهم، أن مستوى الانبعاثات في المنطقة التي زعمت الحكومة أنه تم تنظيفها من الإشعاعات، مازال خطيراً.
ما لم يُكشف عنه في كارثة فوكوشيما
18 مارس 2017 01:57 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 مارس 01:57 2017
شارك
د. محمد الصياد