مبادرات الإمارات في قمة الأمن النووي

05:27 صباحا
قراءة 5 دقائق

استضافت كوريا الجنوبية نحو 50 زعيماً من أنحاء العالم في قمة الأمن النووي التي انتهت في 27 مارس/آذار . وبحثت القمة سبل تأمين المواد والمنشآت النووية ضد هجمات الجماعات الإرهابية . وهذه هي ثاني قمة من نوعها بعد قمة واشنطن عام 2010 . وتعد قمة الأمن النووي مؤتمراً عالمي المستوى، يهيئ للحكومات فرصة بناء تعاون مستدام ضد الإرهاب النووي الذي يعد أكبر خطر يهدد أمن العالم في القرن الحادي والعشرين، ويهدف المؤتمر إلى منع وصول الأسلحة النووية إلى أيدي الإرهابيين . وقد شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة في القمة بوفد رسميّ، برئاسة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأكد سموه أن حضور دولة الإمارات العربية المتحدة قمة الأمن النووي ينطلق من حرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، على الاطلاع عن كثب على تجارب بلدان العالم المختلفة، والقيام بدور إيجابي في الإسهام في توفير الحماية المطلوبة للمنشآت النووية، والمواد المرتبطة بها، لتوفير أقصى درجات الأمن والأمان لشعب دولة الإمارات والمنطقة العربية .

وأعرب سموه عن أمله في أن تسهم مشاركة الإمارات في القمة مع الدول الأخرى بشكل فاعل في رسم السياسات الدولية، ووضع الإجراءات الفنية والقانونية اللازمة لمحاربة التهديدات المحتملة للإرهاب النووي بكل أشكاله، ومنها منع سقوط المواد النووية والإشعاعية في أيدي الجماعات الإرهابية، والخارجة عن القانون، فضلاً عن منع عمليات التهريب غير المشروعة للمواد النووية .

كما أعلن سموه عن استضافة دولة الإمارات مؤتمراً دولياً بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام ،2013 يتناول استراتيجيات وتقنيات المواد المشعة، وكذلك أعلن سموه عن تبرع دولة الإمارات بمبلغ مليون دولار من أجل توسيع وترقية المختبرات الحالية التي تتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية تحديد أصل المواد النووية، واكتشاف المنشآت النووية غير القانونية، من أجل تعزيز حماية المواد والمرافق النووية .

هذه الكلمة السامية التي صرّح بها سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أثناء انعقاد المؤتمر هي عصب القانون الأخلاقي الدولي لشعور سموه بالالتزام تجاه القيم العالمية، وتجسيد السلوك الأمني المؤدي إلى تحقيق الأمن والسلم العالميين وتحقيق الغايات الأخلاقية الكبرى، ومن أجل ترسيخ الفضيلة ومنها العدل بالمعنى الدقيق الذي يعطي قيمة أخلاقية، والوفاء بالوعود والتعهدات الدولية، وكذلك احترام تطبيق القيم التي تتضمن الفعل الواقع الموضوعي، من خلال الإسهام في توفير الحماية المطلوبة للمنشآت النووية، والمواد المرتبطة بها، وتوفير الأمن والأمان لشعب الإمارات والمنطقة العربية ودول العالم . ومن هذا المنطلق جاءت تصريحات سموه بأبعادها المتعددة التي عكست سعي دولة الإمارات لترسيخ الأمن والاستقرار محلياً وعالمياً، ونصرة الحق والعدل، وتبني مواقف السلام والعدل والمساواة، والتأثير في القرارين السياسي والأمني في أنحاء العالم .

وانسجاماً مع رؤية الإمارات للأمن النووي، قال المتحدث باسم قمة الأمن النووي هان شونغ إن التناغم والتكامل بين الأمن النووي والسلامة النووية سيعزز الصناعة النووية، وكذلك موضوع الإرهاب النووي، وسبل منعه والحد من مخاطره، ذلك أن تلك المواد الخطرة يمكن أن تقع في أيدي الإرهابيين، لذا كان لابدّ من اتخاذ التدابير التي تكفل تحقيق السلامة المنشودة في هذا المجال، ومنع انتقال تلك المواد من بلد إلى آخر بطرق خارجة عن الشرعية . ويأتي انعقاد هذه القمة بعد أن أدرك العالم هول المارد الذي انطلق من قمقمه، والذي لا يهدد هذا السلاح بما له من طاقة نووية بتدمير ما حققه الإنسان، بل إنه يهدد بفناء الإنسان أيضاً، فضلاً عن تهديده لكل حياة عضوية على ظهر كوكبنا، خصوصاً بعد أن تفكك الاتحاد السوفييتي إلى دويلات ودول، يمتلك بعضها شيئاً من مخزون الرؤوس النووية الروسية .

وقد انتاب العالم بدءاً من الولايات المتحدة ومروراً بالدول الأوروبية وبقية أقطار دول القارات الأخرى الهلع من أن تصبح بعض تلك الرؤوس النووية في أيدٍ غير مسؤولة، تعمد إلى استخدامها بما يعرض الحياة على ظهر كوكب الأرض للخطر، وأهمها الأسلحة الكيميائية والجرثومية . فقد أثبتت الدراسات أن نشر 100 كغم من غاز الأعصاب، وهو من الغازات المستعملة في صناعة الأسلحة الكيميائية، كفيل بالقضاء على 8000 شخص، بينما نشر 100 كغم فقط من بكتيريا الأنثراكس، وهي أحد الميكروبات المستعملة في صناعة الأسلحة الجرثومية، كفيل بالقضاء على 3 ملايين من البشر، والسلاح الجرثومي البيولوجي، ويقصد بهذا المصطلح استخدام عوامل بيولوجية Biological Agents ميكروبات بصورة مكثفة وموجهة لإحداث موجات من الأوبئة، والأمراض الخطرة على نطاق واسع بين الجيوش والتجمعات السكانية العسكرية والمدنية، وكذلك من بين الميكروبات السامة استخلصت يد الباحثين - في مجال الأسلحة الجرثومية - أكثرها خطراً وأشدها سمية لاستعمالها في شحذ نصل السلاح البيولوجي لكي يكون أكثر مضاءً وأشد قتلاً وتدميراً من السلاح النووي أو الكيميائي . ومن أكثر هذه الميكروبات المستخدمة Bacillus Anthracis المسبب لمرض الطاعون أو الموت الأسود الذي أدى إلى القضاء على ثلاثة أرباع سكان آسيا وأوروبا في القرن الخامس عشر، والفيروسات المسببة لمرض السل والكوليرا .

إن المتفحص في هذه القائمة ليصاب بالرعب بمجرد النظر إلى مسبباتها، خاصة إذا علمنا أن تنمية وإنتاج ملايين الخلايا من هذه الميكروبات ليس بالأمر الصعب أو المكلف، حيث إن معملاً بسيطاً يمكنه في حال تجهيزه بالتجهيزات الضرورية بأن ينتج ملايين الخلايا في بيئات سائلة جاهزة للنشر في أيام قليلة . وهذا ما يجعل السلاح الجرثومي أكثر خطراً، لأن أفراداً قلائل يملكون المعلومات الميكروبيولوجية الكافية يستطيعون في مبنى بسيط في أي مكان، وفي أي مدينة أن يجهزوا كميات من هذه الميكروبات الخطرة، وتعبئتها في أدوات ووسائل بسيطة لنشرها . إن السهولة لا تكمن فقط في تنمية، وإنتاج أدوات السلاح الجرثومي؛ ولكن أيضاً في سهولة نشره وإيصاله إلى هدفه المنشود . وكان تصديق مجلس الشيوخ الأمريكي على المعاهدة التي تهدف إلى حظر إنتاج وتخزين ونقل واستخدام الأسلحة الكيميائية على مستوى العالم، والتي بدأ سريانها في العام 1997 نقطة تحول مهمة، واعتبر تنفيذ بنود هذه المعاهدة واحدة من أهم استراتيجيات الولايات المتحدة الأمريكية .

مما لا شك فيه أن الإمارات في حاجة إلى الاستناد إلى القيم الأصيلة والحكمة والسلوك الأخلاقي في التعاون فيما بين المهمومين بهذا الشأن، وحشد الإمكانات لمحاصرة هذه الأنواع من الأسلحة الفتاكة، ومنع صناعتها وانتشارها بين الأفراد، وذلك بعد تنامي الإرهاب واستمرار سيادة العوامل المخلة بأمن واستقرار العالم؛ مثل النزعة الخاصة بنشر التقانة النووية والكيماوية والبيولوجية، وذلك حتى لا يزيد من مأساة هذا العالم المملوء بالآلام والأحزان، وسط حشد هائل من الأفراد المستفيدين من نشر الفوضى، بترسيخ فعل الشر من خلال اللذة الممزوجة بينبوع الشرور والقسوة الباهظة والرغبة في الإيذاء، والسعي إلى غاية واحدة وهي الشقاء الطويل في ظلمات الإرادة الكلية الشريرة بهدف توكيد مبدأ الفردانية والنزول إلى هاوية العدم .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"