تشهد الإمارات بشكل دائم تغييراً جذرياً في جميع جوانب الحياة . ويمكن أن يكون التغير الاجتماعي أصعب تلك المتغيرات . فما طرأ على الحياة الاجتماعية، خاصة خلال العقدين الأخيرين يعد جذرياً بكافة المقاييس . فالمتغيرات الحياتية المختلفة أثرت في الأنماط الاجتماعية وأساليب الحياة، بل وطرائق التفكير . فاختفت أنماط حياتية واستجدت أخرى . كل ذلك التغير الاجتماعي يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند رسم السياسات الاجتماعية المقبلة وإعداد الخطط التنموية المستقبلية ورسم الاستراتيجيات القادمة .
ويعد ملف الإسكان ملفاً حيوياً نظراً لارتباطه باستقرار المواطن وأمنه الاجتماعي . ولذا أولت دولة الإمارات منذ قيامها أهمية كبرى لراحة ورفاهية المواطن . فالدولة تؤكد على الدوام بأن الثروة البشرية هي أهم ما تملكه وهي رأس مالها الحقيقي . وبما أن السكن هو أهم الأولويات لتوفير الأمن الاجتماعي وبناء أسر مستقرة أو جديدة، فقد أولت دولة الإمارات أهمية قصوى لهذا القطاع بوصفه من أهم القطاعات الحيوية . ولذ لم تدخر الدولة جهداً في وضع الخطط السكنية وإيلاء الإسكان الحكومي اهتماماً خاصاً بوصفه عاملاً مؤثراً وضرورياً للأمن الاجتماعي . ولذا تخصص الدولة جزءاً كبيراً من ميزانيتها السنوية لهذا القطاع في محاولة جاهدة لتوفير السكن اللأئق لكل مواطن .
وعلى الرغم من أن الدولة حاولت التوفيق بين منح الأراضي والمنح السكنية لمن يحتاجها إلا أنها أيضاً خصصت الشباب والمقدمين على تكوين أسر جديدة باهتمام خاص، بوصفهم الفئة التي تحتاج إلى رعاية خاصة بعد أن لجأت شريحة الشباب مثلاً، إلى الإيجار لإيجاد مسكن مناسب لهم ولأسرهم الجديدة . ولذا فقد عمدت إلى تقديم المنح والأراضي والبيوت الحكومية لكل مواطن شاب، كما جعلت خطط تطوير الإسكان الحكومي من ضمن أولويات استراتيجيات التنمية المستقبلية . وعلى الرغم من كل الجهود الرسمية لحل أزمة السكن، إلا أن المشكلة مازالت تنتظر حلاً . ومما زاد الطين بلة هو أن عدداً كبيراً من المساكن التي شيدت في فترة السبعينات أصبحت الآن غير صالحة للسكن، حيث ينتظر قاطنوها إما إحلال مساكنهم أو منحاً وأراضي سكنية جديدة . وهكذا تزداد قوائم الإسكان الحكومي طولاً يوماً بعد يوم، خصوصاً أن تنفيذ أي خطة إسكانية جديدة سوف يستغرق وقتاً طويلاً، بالاضافة إلى عدم القدرة على استيعاب الأعداد الكبيرة والمتزايدة الراغبة في الاستفادة من الإسكان الحكومي .
ومما لا شك فيه أن التزايد السكاني والمتغيرات الاجتماعية، كالرغبة في الاستقلالية وظهور الأسر النووية واختفاء الأسر الممتدة، ساهمت في ارتفاع الطلب على المساكن . كما ساهم الفكر الاجتماعي المتمثل في الاعتماد على الدولة في توفير السكن في زيادة العبء الحكومي . فالكثير من المواطنين ينظرون إلى الدولة بوصفها المسؤول الأول عن توفير السكن اللائق لهم أن هم عجزوا عن ذلك . كما أن الكثير من الشباب الراغبين في تكوين أسر جديدة، ينظرون إلى الدولة بوصفها المسؤول عن توفير السكن . فهم في واقع الأمر غير قادرين على الإيفاء بمتطلبات تلك الأسر . إضافة إلى الفكر الاجتماعي السائد والمتعلق بدولة الرفاه ومسؤوليتها التامة في توفير الضروريات الأساسية من تعليم وعلاج وسكن . وهكذا طفت قضية السكن إلى السطح مسببة في الواقع أزمة سكن . فلا عجب أن تبلغ قوائم الراغبين في السكن الحكومي إلى عشرات الآلاف وأن تعجز خطط الدولة عن الإيفاء بمتطلبات السكن وأن تصل طوابير الراغبين في الاستفادة من الإسكان الحكومي إلى عشرات الآلاف وأن يستمر انتظارها سنوات طويلة .
الخطط الاستراتيجية منذ قيام الدولة يبدو أنها تأخذ في الاعتبار عناصر كثيرة أهمها أن شريحة الشباب تنمو سنوياً بمعدل كبير، وأن الدولة بحاجة إلى أعداد متزايدة من المساكن الحكومية أو قروض تمويل الإسكان وأن الإسكان الحكومي يجب أن ينمو مع تزايد الطلب . ولكن هل أخذت أيضاً في الاعتبار بعض المتغيرات الاجتماعية والحضرية الأخرى التي حدثت في الآونة الأخيرة وسوف تظهر تأثيراتها مستقبلا؟ المتغيرات التي حصلت خلال العقود الثلاثة الماضية أثرت بلا شك على أنماط التفكير الاجتماعي ولذا من الضروري أن يؤخذ هذا العنصر في الاعتبار حين رسم السياسات السكانية القادمة . فاختفاء الأسر الكبيرة الممتدة وظهور الأسر النووية، والرغبة في الاستقلالية بين صفوف الشباب، وتغير مكان العمل من إمارة إلى أخرى وإيقاعات الحياة السريعة قد خلقت أنماطاً اجتماعية جديدة لا بد أن تؤخذ في الحسبان عند وضع السياسات الإسكانية القادمة . فالمتغيرات الحالية سوف تفرز ظواهر جديدة نراها الآن بسيطة لكنها قد تكون كبيرة مستقبلاً . فمثلا ظاهرة مراكز إيواء المسنين سوف تكون نتاجاً أميناً لوضعنا الاجتماعي الحالي، ونتيجة منطقية للتطورات الاجتماعية والديمغرافية والحضرية الحاصلة . ومهما تحدثنا عن ظاهرة الترابط الأسرى وبقاء المسنين بين أهلهم وأبنائهم إلا أن التطورات الحضرية قد تكون أقوى من مشاعرنا الاجتماعية وقد تجبرنا على مراجعة سياستنا الإسكانية . فوضع الخطط لإنشاء مراكز للمسنين يجب أن يوضع في الاعتبار منذ الآن، ولا يجب أن ننتظر إلى أن تمتلئ مراكز المسنين وتكون هناك طوابير طويلة في قوائم الانتظار، لأن هذه الفئة ليست كشريحة الشباب، تمتلك الوقت أو الجهد للانتظار ويجب احترامهم في خريف عمرهم . إذن يجب البدء في وضع الخطط والدراسات لمعرفة التطور الحضرى في الإمارات ودراسته بصورة جدية والبدء في وضع الخطط الإسكانية منذ الآن ومواجهتها بكل صراحة وعقلانية، ولا نخفي رأسنا في التراب . الظاهرة الموجودة الآن هي ظاهرة بسيطة ولكن بالوتيرة الحالية للتغير في مجتمعنا قد تكون ظاهرة كبيرة خلال العقدين القادين . لذا فاستراحات كبار السن يجب أن تكون ضمن خططنا الإسكانية المستقبلية حتى لا نتفاجأ بواقع لم نستعد له . فكما انتشرت ظاهرة الأسر النووية فسوف تظهر لدينا ظاهرة مراكز المسنين ومراكز الإيواء، وكما ظهرت في الغرب فسوف تظهر عندنا أيضاً . ولذا يجب أن نضع في خططنا المستقبلية هذه الحقيقة حتى لا نتفاجأ بوضع غير مستعدين له . فالوتيرة التي تتحرك بها مجتمعاتنا اليوم تنبئ بما سوف يؤول إليه واقعنا مستقبلاً .