في منطقة الخليج هناك إرث ثقافي واجتماعي تتناقله الأجيال حيث تكمن فيه قوة المجتمع وتواصله التاريخي . ويستمد ذلك الإرث قوته ومقوماته من ترسخه في بيئة المجتمع، كما يستمد استمراريته من التقاليد الاجتماعية المتوارثة . هذا عن المجتمع، أما أهل المنطقة فإنهم يستمدون منه قوة هائلة حيث إنه يحكم علاقاتهم الاجتماعية بعضهم مع بعض كما يحدد أنماط معيشتهم وطرائق حياتهم وأشكال التعامل والاتصال بينهم وبين الآخرين . ونظرة متمعنة إلى تاريخ مجتمعات الخليج الحديثة والمعاصرة نرى أن ذلك الإرث كان على الدوام عاملاً بارزاً ومؤثراً في تطور تلك المجتمعات الداخلية، حيث رمى بظلاله الكثيفة على حركة المجتمع والتاريخ، فضلاً عن الحراك الاجتماعي الذي صاحب ذلك التطور . لذا كانت تلك المجتمعات دوماً عصية على فهم الآخر، حيث إنها لم تتقبل بسهولة غير المنتمين لها اجتماعياً، ولم تسمح للحراك الاجتماعي الداخلي بأن يتطور إلا وفق أطر معينة متعارف عليها ومحكومة بتقاليد اجتماعية صارمة . هكذا تميزت الطبقية في الخليج، بأطر ثابتة، وبتقاليد راسخة متينة لم تسمح بسهولة التغلغل إليها . كل ذلك جعل الحراك الاجتماعي في الخليج في الماضي من أصعب القضايا، ولذلك سميت تلك المجتمعات بالتقليدية المحافظة . حتى عندما جاء النفط لم يكن عاملاً مؤثراً في الحراك الاجتماعي بقدر ما كان عاملاً مؤثراً في الحراك الاقتصادي .
ولكن خلال العقدين الأخيرين حدث تطور مهم في المفاهيم الاجتماعية نتج عن العديد من العوامل قد يكون أهمها الثورة المعلوماتية والتقنيات الحديثة والعولمة والانفتاح السكاني . وقد أثرت كل تلك المتغيرات في البنية الاجتماعية . فقد سمحت هذه المتغيرات لطبقات المجتمع بأن تنمو وتتحول بعيداً عن أطرها التقليدية معتمدة على أطر جديدة . وسرعان ما تغيرت النظرة الاجتماعية المرتبطة بالطبقية، حيث ظهرت طبقة جديدة لم تكن موجودة من قبل وهي التكنوقراط أي طبقة رجال الأعمال الجدد والمهنيين والسماسرة وغيرهم من ذوي النفوذ الاقتصادي والذين استطاعوا في زمن بسيط أن يكونوا ثروات وأن يتبوأوا مراكز اقتصادية متقدمة . وعلى الرغم من أن ذلك التحول كان ظاهرة عالمية وعربية عموماً، إلا أن حدوثه في منطقة الخليج سمح لبعض التساؤلات من أن تطفو على السطح خاصة تلك المتعلقة بالمفاهيم الاجتماعية المتوارثة . فمجتمعات الخليج ليست بالمجتمعات العادية بل هي مجتمعات تقليدية بطيئة التحرك الاجتماعي، بل بطيئة التقبل لأي مفهوم اجتماعي جديد .
إذ لم يكن غريباً أن يصاحب ظهور طبقة التكنوقراط أسئلة كثيرة مثيرة للجدل تركزت جميعها حول قضية اجتماعية واحدة وهي قضية تقبل المجتمع لهذه الطبقة وإعطائها مركزاً اجتماعياً يليق بوضعها الجديد، خصوصاً بعد تنامي دورها الاقتصادي ومساهمتها في رفد اقتصاد دول الخليج . ويبدو أن مجتمعات الخليج أرادت أن تثبت للآخرين أنها ليست متحيزة لبنيتها الاجتماعية التقليدية وأنها على استعداد لأن تفسح المجال فكرياً واجتماعياً لتلك البنية أن تتغير وتنمو وتتطور وأن تضيف بعداً آخر لبعدها التقليدي . وقد ساهمت حركة المجتمع الاقتصادية ونمو رؤوس الأموال وتحركها ونفوذها في أن تثبت وتبرز نفوذ وقوة طبقة التكنوقراط مفسحة لها المجال أن تكتسب نفوذاً اجتماعياً بارزاً .
وما ساهم في ترسيخ نفوذ هذه الطبقة هو أولاً تزايد الدور المجتمعي لذوي النفوذ الاقتصادي عموماً، حيث إنه طغى على أصحاب الدور الاجتماعي، وثانياً وهو العامل الأكثر تأثيراً، تحالف هذه الطبقة مع أصحاب القرار السياسي الذي يعد نقطة مفصلية في تاريخ مجتمعات الخليج بشكل عام وفي تاريخ الحراك الاجتماعي الذي تشهده تلك المجتمعات بشكل خاص . فقد أولى صناع القرار السياسي أهمية كبيرة لأفراد تلك الطبقة وأوكلوا لهم دوراً رئيساً عند رسم الاستراتيجيات العامة ووضع الخطط التطويرية المستقبلية . وكان ذلك القرار معتمداً على رغبة قوية من قبل صناع القرار في المزيد من النمو الاقتصادي لمجتمعاتهم وإدراكهم أن اللحظة القادمة هي لحظة هذه الطبقة الجديدة . لقد كانت تلك بحق لحظة مفصلية في تاريخ الحراك الاجتماعي في الخليج .
لم يكن غريباً أبداً أن تتطور المجتمعات بعيداً عن أطرها التقليدية بل الغريب ألا تتطور، ولكن الغريب في لحظة الحراك الاجتماعي الخليجي هو أنه استمد أطره من قيم اقتصادية خالصة، حيث إنه شمل أصحاب النفوذ الاقتصادي من دون الاجتماعي . وذلك يعني أن وجود هذه الطبقة بل بقاءها ضمن إطارها الاجتماعي مشفوع أيضاً ببقائها ضمن إطارها الاقتصادي . هذا النوع من التفكير كان إيجابياً وقت الطفرة الاقتصادية، حيث إنه أدى دوراً مؤثراً في إحداث خلخلة اجتماعية كبيرة، وأسهم في إحداث تغير قيمي كبير وأبرز مجتمعات الخليج على أنها مجتمعات منفتحة مستعدة للتغير الاجتماعي بل متقبلة له كما تقبلت التغير الاقتصادي الجذري . ولكن ما إن بدأت الطفرة الاقتصادية في التباطؤ وأصبح الركود الاقتصادي واقعاً حتى حدث تخلخل اقتصادي ملموس تلاه تخلخل اجتماعي متوقع . الآثار الاقتصادية درسها الخبراء ووضعوا لها الحلول مشفوعة ببعض التوصيات، ولكن المتغيرات الاجتماعية ستظل تبحث عن حلول .
لم يكن هذا الوضع حالة نادرة أو غريبة في تاريخ الخليج ومدنه التجارية، بل إن ما حدث مؤخراً له سابقة في التاريخ وبالتحديد في فترة نهاية الثلاثينات، حين خسر تجار اللؤلؤ أدوارهم القيادية بعد خسارتهم لمراكزهم الاقتصادية . ولكن الفرق يكمن في أن ما حصل في الثلاثينات لم يؤثر اجتماعياً في التجار، حيث ظل هؤلاء يتمتعون بثقلهم الاجتماعي نظراً لطبيعة المجتمع وتركيبته وتجانسه آنذاك . ولكن ما حدث مؤخراً سوف يكون حالة فريدة في تاريخ مجتمعات الخليج، فهي المرة الأولى التي تطفو على السطح إفرازات طبقية مؤثرة جراء المتغيرات الاقتصادية، كما أنها المرة الأولى التي يحدث فيها ما يمكن أن يسمى بالردة الفكرية والاجتماعية في ما يتعلق بالحراك الاجتماعي .
إن ما حدث في مجتمعات الخليج مؤخراً من تغيرات اقتصادية مؤثرة لن تكون لها آثار اجتماعية طويلة الأمد فحسب، بل تأثيرات جذرية في طرائق التفكير السياسي والاجتماعي، وعلى أنماط التفكير المجتمعي ككل . فمن المؤكد أن التباطؤ الاقتصادي الذي حصل لن تشمل تأثيراته الاقتصاد فحسب، بل المجتمع أيضاً . فهذا التباطؤ سوف يكون واضحاً في ما يختص بالحراك الاجتماعي القادم وسوف ينعكس على التخطيط والاستراتيجيات العامة مستقبلاً . إذا لم نكن مستعدين له بإنشاء مراصد اجتماعية وعمل دراسات اجتماعية جادة فلن نستطيع سبر أغواره ومعرفة خفاياه والاستعداد له . إن الأحداث المؤثرة والأزمات ما هي إلا مفاصل تاريخية أو وقفات تحتاجها مجتمعات الخليج لالتقاط الأنفاس قبل مواصلة رحلتها التنموية، وقفات يجب ألا تجزع منها، بل تستعد لها لأنها بداية لمرحلة تاريخية جديدة . إنها حركة المجتمع ودوران التاريخ .