نجاحات دبي لا تثنيها الحملات

01:40 صباحا
قراءة 4 دقائق

في عام ،1968 وطبقاً للتقارير البريطانية، فإن دبي كانت تواجه أزمة سيولة . وكان من الطبيعي أن تلجأ للاقتراض من الخارج لتمويل تلك المشاريع البنيوية المهمة والتي يأتي على رأسها الميناء والمطار بوصفهما مشاريع حيوية للإمارة التي تعيش على التجارة وإعادة التصدير . وصفت مشاريع دبي آنذاك بأنها طموحة للغاية وكبيرة قد تعجز الإمارة عن الوفاء بالتزاماتها المادية والبشرية وهي مشاريع ليست ذات عائد مجز متى ما تم الانتهاء منها . ولكن دبي كانت مصممة على المضي قدماً في تنفيذ تلك المشاريع التي اعتبرت مهمة لاقتصادها الوطني .

كانت توسعة الميناء قضية أساسية لاقتصاد دبي . فقد كان الميناء يمتلئ بالطين بين الآونة والأخرى وكان لا بد من حفره حتى يتسنى للسفن الكبيرة دخول الميناء مباشرة وإنزال بضاعتها على الأرصفة . كانت السفن الكبيرة ترسو على مسافة بعيدة وكانت حمولتها تنقل بواسطة سفن صغيرة إلى داخل الميناء، الأمر الذي يؤدي إلى إعاقة وتأخر وصول البضائع التجارية . لقد كانت عملية التحميل والنقل هذه مكلفة، وبالتالي كان لا بد من توسعة الميناء وبناء مرسى قريب حتى يتسنى للسفن الكبيرة الدخول وإنزال بضائعها على الرصيف مباشرة، وهكذا نمت فكرة ميناء راشد . كانت كلفة ذلك الميناء هي 5،27 مليون دينار بحريني (وهي العملة المستخدمة آنذاك)، وكان هذا المبلغ يعني أنه سوف يستهلك حوالي 40% من دخل النفط المتوقع حتى عام 1973 . وكانت تغطية مصاريف المشروع سوف توزع على سنوات، وكان هناك تنسيق مع بنوك في لندن بأن تتحمل حوالي 70% من تكلفة المشروع، وسوف يغطي البنك البريطاني للشرق الأوسط نسبة 30% المتبقية . ورغم موافقة الممولين على تمديد فترة السداد لسنوات، وهو الأمر الذي سوف يضاعف من معدل الفائدة، إلا أن حيوية المشروع جعلت منه أمراً لا مناص منه . وهكذا جاء المشروع إلى الوجود ليصبح بعد ذلك مشروعاً حيوياً ليس لدبي فقط، وإنما لمنطقة الخليج والشرق الأوسط بأسرها . كانت مشاريع دبي جميعها تبنى بهذه الطريقة حيث كان التمويل يأتي من الخارج بحسب جدوى المشروع . وكان حاكم الإمارة الشيخ، راشد بن سعيد، طيب الله ثراه، ذا رؤية وطموح بأن يرى إمارته تضع قدمها على سلم التطور والحداثة أسوة مع إمارات الخليج الأخرى التي بدأت المدنية تدخلها . ولذا لم يحل عدم وجود التمويل الكافي دون وضع الخطط التنموية والتي أثبتت جميعها في وقت لاحق جدواها الاقتصادي .

حلم آخر لم يكن ليرى النور لو وقف التمويل عقبة في طريقه . ففي عام 1959 بدأ الشيخ راشد يفكر في إنشاء مطار يربط دبي بالعالم . فقد كانت الحاجة ماسة إلى ذلك المطار نظراً لنشاط شركات البترول العاملة في المنطقة . وكان إنشاء المطار في نظر السلطات البريطانية خطة طموحة للغاية . وحين عرض الشيخ راشد فكرته على المقيم البريطاني ظل الأخير يماطل حتى يغير الشيخ راشد رأيه أو يؤجل فكرته، فلم تكن الحكومة البريطانية ترى فائدة في إنشاء مطار خاص بدبي مع وجود مطار آخر في المنطقة . ولكن الشيخ راشد أصر على رأيه، واستطاع أن يجد مصادر التمويل، وهكذا في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1960 تم افتتاح مطار دبي وبدأت الطائرات التجارية تستخدمه . وكان المطار يفتح بداية من الساعة 7 صباحاً حتى الواحدة ظهراً . وفي إبريل/ نيسان 1961 تم تمديد خدمات المطار لمدة 18 ساعة يومياً قبل أن يصبح العمل به على مدار الساعة . وما ان جاء عام 1966 حتى أصبحت الحاجة ماسة إلى المزيد من التوسعة في المطار لتلبية الحاجة المتزايدة على النقل التجاري والمواصلات الجوية .

من هنا يتضح أن جميع مشاريع إمارة دبي عند إنشائها جاءت تلبية لحاجة ماسة، وجميعها كانت تعد في حينها طموحة وأكبر من قدرة دبي على احتضانها . ولكان التاريخ أثبت أن دبي كانت دوماً عند ثقة المستثمرين ومشاريعها ذات جدوى على المديين القصير والبعيد . ولذا فإن أزمة دبي الحالية لا تخرج عن نطاق ما تعرضت له في العقود السابقة من أزمات مالية خانقة نجحت ليس فقط في احتوائها بل في تحويلها لصالحها .

دبي اليوم، وهي تواجه هذه الضجة المفتعلة، هي غير دبي الخمسينات والستينات . لقد كانت دبي آنذاك تقف وحيدة معتمدة على إيراداتها البسيطة وحكمة شيخها، راشد بن سعيد، الذي صمم على قهر المستحيل والذي اسمه قلة الإمكانات المادية . ولكن دبي اليوم لا تقف وحيدة بل تقف في وحدة سياسية متميزة بين إمارات تلتف حولها، دبي اليوم تقف قوية على أكتاف من آمن بوجودها وبمصيرها القومي وبدورها الإقليمي في منطقة الخليج والشرق الأوسط، دبي اليوم قوية بحكمة ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وبسواعد أبنائها وبناتها الذين آمنوا بدورها العالمي وبقدرها الذي اختط الله لها منذ تكوينها السياسي الأول . دبي الألفية الثالثة هي غير دبي الخمسينات والستينات عندما بدأت أولى خطواتها نحو الحداثة والتمدن، إنها اليوم أنموذج رائع في الاقتصاد الممنهج، القائم على تنويع مصادر الدخل والتخطيط لما يجب عليها أن تكون .

الحملة التي تشن على دبي بالتأكيد لها أهداف وغايات أخرى، فهي تخرج عن كونها أزمة سيولة . إنها أزمة سببها عدم قدرة البعض على رؤية أنموذج ناجح في منطقة كانت إلى عهد قريب منطقة تمد العالم بالنفط فقط . ولذا يريد البعض حصرها في هذا المجال، لكي يظل الاعتماد على الخارج مصيرها .

تاريخ دبي القريب يقف شاهداً على نجاحاتها الكثيرة في تنويع مصادر دخلها، فلن تثنيها الحملات الاعلامية عن متابعة مشاريعها الحيوية . هذه الحملات خرجت عن نطاق الحياد إلى نطاق الهجوم، كأن البعض كان ينتظر هذه الفرصة منذ زمن . ولكن من يريد النيل من منجزات دبي لن يرى فيها إلا المزيد من العمل والبناء والتقدم .

إنه أقوى رد على هذه الحملة الشرسة .

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"