افْضلْ على من شئت تكن أميره.
واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره،
واحتج إلى من شئت تكن أسيره
(الإمام علي)
اكتفِ - يا هذا - بطمريك.
ثم استدار، مثل لفتة حلم، وتركني إزاء وجهي في المرآة، أطالع في صفحاته الزمان والحدثان والخلان، لأتذكر، وأتذكر وأذكّر.
وتذكرت قولاً عظيماً لفحل البلاغة وسيد القول والعمل، النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام: لئن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له من مسألة الناس.
وربما يتذكر أحدنا الآن قول أحد اليونانيين: الحاجة هي أقوى الأشياء لأنها تدفع صاحبها الى اقتحام الأهوال.
واذا ما أردت معرفة أحد أسباب نبوغ هذا الكاتب، أو ذاك العالم، فما عليك سوى البحث عن حاجة هذا وذاك لتعرف أنها كانت وراء إنجازات كليهما.
على ان الحاجة ليست مادية فقط.
تكفي كلمة من صديق، وتكفي أيضاً إشارة من عدو.
وتكفي كذلك حكمة منسية تجدها على صفحة من كتاب عتيق، أو على جذع شجرة معمرة، أو على جلد غزال قديم. فحاجتنا الى المعرفة والعلم مستمرة دائمة، كما هي الحياة مستمرة دائمة.
سُئل أفلاطون: كيف ينبغي للرجل أن يصنع لئلا يحتاج؟ فأجاب: إن كان غنياً فليقتصد، وإن كان فقيراً فليدمن العمل.
والعمل شرف. فعمل بالقلب، وعمل باليد. ومتى ما تطابق عمل القلب مع عمل اليد، كفّ الانسان أن يكون محتاجاً لغيره.
وهذا سنام الجمل في تعريف المحبة.
ومن أجمل ما قرأت لأفلاطون قوله: الحب يخلق جميع الفنون، وهو واضع السلام بين البشر. ولك ان تتخيل عالماً عامراً بالحب، لتجده - على الواقع - عامراً بالفنون جميعها.
والفن كامل لا نقصان فيه.
وحين تجف فينا منابع المياه، نعرف قيمة البئر. وعندما نمتحن دنيانا، نقوم بتصفيتها بالحاجة إليها، لأن الحاجة غربال الأصدقاء، كما يقول أحد العرفاء.
ورحم الله المسيري السقطي، العارف بالله، البغدادي، الذي قال ذات يوم لا تتم المحبة بين اثنين، حتى يقول أحدهما للآخر.. يا أنا.
وها أنا أراك أمامي.. يا أنا.