حافظ البرغوثي

يغفل الصهاينة حالياً فقرات مهمة من التاريخ المعاصر من منطلق أيديولوجية عنصرية ضد العرب، ولعل أفضل الردود على ترهات بنيامين نتنياهو ضد المفتي الحاج أمين الحسيني التي جاءت في مؤتمر يهودي في القدس قبل أسبوع كانت من مؤرخين يهود ليس دفاعاً عن الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين واتهام نتنياهو له بأنه وراء إقناع هتلر بما يسمى المحرقة اليهودية، لكن لأن نتنياهو يقوض الرواية عن هتلر وإن برأت الردود الحاج أمين من تهمة حث هتلر على إحراق اليهود.
إلا أن المؤرخين اليهود والسياسيين ما زالوا يعتبرون الحسيني عدوهم اللدود بعد هتلر لأنه قاوم مشروع إقامة كيان يهودي في فلسطين وحارب ضد البريطانيين الذين ظلوا يلاحقونه في منفاه في لبنان ثم العراق ثم أوروبا ثم مصر.
اليهود الصهاينة تجاهلوا حقبة الاحتلال النازي والفاشي لشمال إفريقيا إبان الحرب العالمية الثانية، وكيف أن العرب قاموا بحماية مئات الألوف من اليهود من الاعتقال والنقل إلى معسكرات في أوروبا.
وهناك كتاب موثق ألفه الباحث اليهودي الأمريكي المؤيد للكيان روبرت ستالوف العام 2006 سماه «من بين الشرفاء» ويعني به الشرفاء الذين انقذوا اليهود في شمال إفريقيا، وهم أناس عاديون مغاربة وتونسيون وجزائريون وليبيون، ومنهم أيضاً ملك المغرب محمد الخامس وقادة الثورة في الجزائر مثل بن باديس وفرحات عباس والشيخ طيب العقبي.
ويذكر ستالوف أن الشيخ العقبي خاطر بحياته وهو يحض الجنود العرب في جيش حكومة فيشي الفرنسية بعدم المس باليهود عندما سمع أن هناك فرنسيين يعدون لخطة لذبح اليهود في الجزائر.
وكان خطباء المساجد في الجزائر يدعون المصلين إلى عدم استغلال محنة اليهود لتحقيق مكاسب مادية.
ولاحظ المؤلف أن ملك المغرب عندما طلب منه الفرنسيون إحصاء أملاك اليهود وأموالهم لم يقدم أي تقرير حتى لا تصادر وكذلك اخفى قادة يهوداً في قصره.
وعندما فرضت حكومة فيشي تعيين أوصياء على أملاك اليهود لإدارتها والتصرف بها رفض الجزائريون بناء على خطب الأئمة في المساجد هذه الوظائف رغم ما فيها من مكاسب مادية، ورفض الجزائريون شراء أملاك اليهود عندما عرضت في المزاد العلني.
ويسرد المؤلف الكثير من الوقائع التي حمت يهود شمال إفريقيا من الانتهاء في معسكرات اعتقال، بل إن الثوار الجزائريين والمعتقلين اليهود في صحراء الجزائر كانوا يعانون المعاناة نفسها في الاعتقال الفرنسي من قبل حكومة فيشي العميلة للألمان.
ويذكر أيضاً كيف أن حاكم تونس منصف باي بعد احتلال بلاده من الألمان عمل على حماية بلاده ككل ووفر الحماية لليهود إما بإخفائهم أو بمساعدة بعضهم على الهرب من تونس، وكذلك إخفاء اليهود الفارين من معسكرات العمل النازية، ووصل تقاسمهم منازل التونسيين إلى حد قيام امرأة تونسية بإرضاع طفلة يهودية في تونس بعد عدم عثور أمها على حليب ماعز لإرضاعها.
وقال الزعيم الجزائري فرحات عباس رداً على تعليمات حكومة فيشي ضد اليهود «عنصريتهم تضرب في كل الاتجاهات اليوم ضد اليهود ودائما ضد العرب» كل هذه الروايات الموثقة رغم أنها تغص بالمواقف الإنسانية للعرب وزعمائهم في شمال إفريقيا لم تقابل بأي مديح من قبل الصهاينة قط.
والتقديرات تقول إن قرابة نصف مليون يهودي استفادوا من الحماية الشعبية والرسمية العربية في شمال إفريقيا، لكن الحركة الصهيونية لم تعترف أبداً بفضل العرب في إنقاذ اليهود حتى يبرروا مذابحهم ضد العرب.
ففي أواخر الأربعينات والخمسينات بعد قيام الكيان «الإسرائيلي» نفذ الكيان عمليات إرهابية ضد الجاليات اليهودية في المغرب والجزائر وتونس وليبيا لإجبار اليهود على الهجرة إلى فلسطين، وقد اعتقل ثلاثة من هؤلاء وماتوا في السجن المغربي في مطلع الستينات فيما كرم نتنياهو الاثنين الآخرين مع أن عملياتهم قتلت يهودا..
لكن بن غوريون عندما أقر خطة إرسالهم إلى المغرب لتهجير اليهود قال لا بد من ضحايا يهود من أجل «إسرائيل».
في حالة المفتي الحاج أمين فهو لم يذهب إلى موسوليني وهتلر مختاراً بل مضطراً ومن موقع المفاوض كما قال وليس المتعاون أو العميل، ولم يتلق أية مساعدة مالية من هتلر كما يزعم بعض الصهاينة.
ولم يتحدث عن إبادة اليهود في لقائه مع موسوليني بل تحدث عن ضرورة دعم دول المحور لاستقلال البلاد العربية بعد أن خانتهم بريطانيا في الحرب العالمية الأولى.
وفي لقائه مع هتلر لم يتحدث عن إبادة أحد بل عن دعم الشعب العربي في بلاد الشام والعراق ومصر والسودان لنيل استقلاله من بريطانيا وفرنسا.
وكانت عمليات إبادة اليهود وغيرهم من شعوب شرق أوروبا بدأت في عام 1939 أي قبل لقاء المفتي مع هتلر في نهاية 1941، ولم يصدر أي بيان مشترك عن لقاء المفتي وهتلر وإنما هناك محضر اجتماع سجله ألماني صار قيد الاطلاع لاحقا، فترهات نتنياهو جاءت في خضم معركته الإعلامية لتبرير الإعدام الميداني للشبان والأطفال الفلسطينيين وربما كتمهيد لمذابح وتطهير عرقي ضد الفلسطينيين.

[email protected]