نشر الكراهية مهنة مربحة

05:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

عائشة عبد الله تريم

صار نشر الكراهية مهنة ذات مدخول ينافس مدخول أصحاب أعلى المناصب الإدارية في عالم الأعمال، وهي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح تحارب به على كل الجبهات

إذا كانت السعادة شعوراً يبحث عنه كلُّ الناس، فيراها كلُّ واحد من وجهة نظره، فإنه من الصعب أن نقول إن السعادة في المال، أو في البنين، أو في أي شيء آخر.. ذلك أن السعادة شعور لا محدود وليس له مقياس معين.. اليوم غدت «فكرة» السعادة تباع وتشترى بعدما تُعلّب وتغلّف.. فأصبحنا نعيش في عصر تصنع فيه المشاعر ويسوَّق لها.

في عالم السياسة، يقابل السعادة مفهوم آخر يتاجر به السياسيون بمشاعر تفعل في النفوس فعلها وتستوطن فيها إلى أن تتأصل في القلوب، فرجال السياسة يتاجرون اليوم بمشاعر الكراهية. وقد استغلت الأحزاب السياسية والحكومات في بلدان كثيرة، ذلك الاندفاع الجماهيري الذي أحدثته التغيرات في المناخين؛ الاجتماعي والسياسي، فساهمت في تأجيج الكراهية مستخدمة أبواقاً مأجورة تطلق كلمات تحمل كل معاني الكراهية وتخلق التوتر في بيئة غير ثابتة في الأساس.

ولقد صار نشر الكراهية مهنة ذات مدخول ينافس مدخول أصحاب أعلى المناصب الإدارية في عالم الأعمال، وهي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح تحارب به على كل الجبهات.

الكراهية شعور خطير جداً ومعدٍ، ينتشر كالفيروس من شخص إلى آخر، وحين يستوطن في القلب، تتغذى عليه المشاعر الأخرى كالخوف والغضب والغيرة والحسد، فتنمو وتكبر، وتأكل الأخضر واليابس كما تأكل النار الهشيم، فيتحول المصاب بها إلى وحش حقيقي يدمِّر كل ما حوله. وعادة، تعظم المشاعر الخطيرة في النفوس الضعيفة، التي اتخذت اليوم من وسائل التواصل الاجتماعي بيئة حاضنة تساعدها على نشر التوتر عبر أصوات لا يمكن إسكاتها.

وبما أننا صرنا جزءاً لا يتجزأ من وسائل التواصل الاجتماعي، فقد بتنا نعيش في أعماق فجوة تزداد عمقاً بين تضارب الأفكار وتفشي الانفعالات، وتتعاظم فيها كرة الكراهية والعدوانية لتجتاح كل صوت ينادي بالسلام الحقيقي، متغلبة على العقل الذي يضطر لمواجهة نقاش يتخلله ثقب أسود تتدفق إليه تجريحات وإهانات غير مبررة يشعر معها المرء أنه يدور في الفراغ.

ولقد بتنا نعلم تماماً، أن الخطاب السياسي يُطهى على نار هادئة، ويخضع لاختبارات مكثفة ليخرج إلى الناس بمصداقية لا تتأثر بالانتقادات. ومع ذلك، يتقاذف الفريقان؛ المؤيد والمعارض، اتهامات وشتائم لا تتوقف ولا تنتهي وكأننا في ساحة معركة لا تضع الحرب فيها أوزارها إلا بالإعلان عن هدنة.

ولقد أظهرت أبحاث نفسية عديدة أن هذا النوع من الهجوم يحمل معه آثاراً سلبية على كلٍّ من المهاجم والمتلقي، والكل يعلم أن المعركة القائمة على الكراهية وما تحمله من مشاعر أخرى لا تنم إلا عن عدوانية، معركة خاسرة، ينال كل واحد فيها نصيبه من الأذى.

إذاً، هل يمكن للمناخ السياسي أن يكون معتدلاً؟ لا بالتأكيد، فإذا كان التواصل قائماً على الشك والظلم والحقد الدفين، فإننا سنبقى في دوامة تضيع فيها حقوق الناس، وتكثر فيها المظالم، ويتعرض فيها كل فرد لعواصف الانفعالات السلبية.

نقول إن التاريخ يعيد نفسه، لكن، هناك تغيرات كثيرة عرفتها اللعبة السياسية، وتبدل فيها شكل التحالفات والاتفاقات، وفهم هذا أمر بالغ الأهمية. الكراهية هادمة للجسور التي تكون ضرورية عندما ينقلب المناخ السياسي مرة أخرى.

جيل اليوم لا يعرف سوى معنى الوقوف إلى جانبٍ في مواجهة جانب آخر. إذا اعترفنا بذلك، فسندرك أنه غير قادر على فهم أن القوة تكمن في التعاضد والوحدة، ولا يستطيع أن يستوعب أن الاتحاد أكثر صعوبة من الانقسام.

لقد نشأ أبناؤنا في منطقتنا العربية على سماع لهجة البغض، فاتجهوا إلى ناحية دون ناحية أخرى، وهذه أمور مخيبة للأمل، وتثير شكوكاً بما سيحمله المستقبل. والذين يعتمدون على مشاعر الكراهية والعدوانية لتحقيق مبتغاهم ليسوا من الأمر في شيء، فهم فاقدو الأهلية والمنطق.

فلنرمِ بالمشاعر السلبية عرض الحائط، حينئذ، سنصغي لصوت العقل، ونعثر على حلول لمشكلاتنا كلها. فلا يمكن العثور على حلول من خلال توجيه أصابع الاتهام نحو بعضنا البعض، بل يتم ذلك عن طريق مدّ اليدين.

لا تسمحوا للكراهية بأن تحكم عقولكم. مدّوا الجسور، لا تحرقوها.

[email protected]

عن الكاتب

​رئيس تحرير صحيفة Gulf Today الإماراتية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"