اختيار لم يكن متوقعاً، وكان مفاجأة للرئيس الأمريكي باراك أوباما وإلى حد ما مربكة. كما أن مناسبة الإعلان عن أن أوباما نال جائزة نوبل للسلام ترافق مع اليوم الأخير للمشاورات المكثفة التي يجريها مع القادة العسكريين في أفغانستان، ومع أعضاء مجلس الأمن القومي، ومع أعضاء الكونجرس، ومع خبراء من مختلف الاتجاهات بهدف استنباط استراتيجية عسكرية وتنموية تمكن من إنهاء الحرب الموصوفة بحرب الاختيار.
أجل لقد كان تركيز الرئيس أوباما طيلة حملته الانتخابية وبعد انتخابه، على كون الحرب في العراق غير شرعية، في حين أن التدخل العسكري في أفغانستان حيث تتواجد القاعدة واحتضان طالبان لها هو شرعي خاصة أن قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الإجماعية رسخت قانونية التدخل الأمريكي الدولي. كما أن تركيز إدارة بوش على الحرب في العراق غير الشرعية، وبالتالي إهمال التدخل في الحرب على الإرهاب في الساحة الأفغانية قد أدى إلى تنامي إمكانات طالبان، ما جعل أوباما يُسرع الانسحاب العسكري من العراق بغية احتمال زيادة الوجود العسكري الأمريكي وحلف الأطلسي في أفغانستان.
ثم إن الحرب في أفغانستان، واستمرارها بعد ثماني سنوات، أدت إلى تراجع تأييد الرأي العام الأمريكي لأي مزيد من التدخلات. وتفاقم نفوذ طالبان يجر معه تحديات الطالبان والعمليات الانتحارية في ولايتي وزيرستان وسوات الباكستانيتين، وما يزيد في التعقيدات المستمرة في تفاقمها هو كون انتخاب الرئيس قرضاي مطعوناً في شرعيته. كما أن الفساد المستشري في حكومته آل إلى حال تتسم بفقدان الثقة بنشر مزيد من قوات جديدة قد يقررها الرئيس أوباما.
إذن، لماذا منحت لجنة نوبل للسلام جائزتها للرئيس أوباما وهي مدركة أنه ورث حربين من سلفه وأنه لا مفر له إلا بإدارتهما ومعالجتهما؟ كما أنه يواجه ضغوطاً متزايدة بشأن الوضع الاقتصادي والمالي الذي يقوم بإيقاف تداعياته أولاً حتى يتاح له أخذ الإجراءات اللازمة للأهداف التقدمية التي رسمها ووعد بتنفيذها أثناء حملة الانتخابات الرئاسية. وبرغم ترحيبه الخجول بالجائزة، والتي قال خصومه إنه لا يستحقها كونه لم ينجز أو يحقق أية وعود قدمها دولياً أو في الداخل الأمريكي، إلا أن أوباما استبق خصومه بأن قال في كلمته أمام الصحافة إن نيله الجائزة هي بمثابة انعكاس لطموحات شعوب العالم لإنجاز السلام والعدالة وحاجات الإنسان للعلم ومحاربة الأمراض وضمان الكرامة.
يدرك أوباما أن جائزة نوبل للسلام منحت له لا لما أنجزه، بل لما هو عملياً متوقعٌ منه وللثقة التي تميز معظم قطاعات الرأي العام العالمي. وبرغم أن جائزة نوبل فقدت الكثير من بريق نجاعتها نظراً لكونها منحت أحياناً لمن قاموا بما وصف بإسهامات باتجاه تحقيق السلام والذي برهنت الأحداث في ما بعد أن ما أنجز كان مردوده عكسياً، كما حصل إثر معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل، أو كان الترجيح بعض الأحيان مكافأة لمن رسخوا ثقافة الحرب الباردة. إلا أنه في الوقت نفسه كان من نالوا جوائز نوبل للسلام أمثال مانديلا وجور وقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام والبرادعي وغيرهم جديرون بها.
يبقى السؤال قائماً: لماذا منح الرئيس أوباما هذه الجائزة وليس من إنجاز خارق حققه؟ سيبقى هذا السؤال قائماً وإلى حد ما محيراً، وعلينا بالتالي محاولة الإجابة عنه على مستويين: المستوى العام وعلى مستوى ما نتوقعه بالنسبة لقضايا العرب القومية وحقوق شعوب الأمة، وكذلك في ما يتعلق بقدرته على إنجاز حقوق الشعب الفلسطيني وجعل إسرائيل تمتثل لمستلزمات القانون الدولي، وما يستتبع هذا الامتثال من تنفيذ لقرارات الشرعية الدولية.
يستنتج أن منح الجائزة هو بمثابة مكافأة وتحريض بنفس الوقت..مكافأة لكون الرئيس الأمريكي أوباما حوّل التعاطي الدبلوماسي مع العالم من مناهج الإملاء إلى ترجيح الحوار واستعداد إدارته للاستماع وحتى المشاركة في القرارات ذات التأثير العالمي. بمعنى آخر، التركيز على أولوية تنفيس الاحتقان القائم قبل أية إجراءات عقابية محقة أو مطلوبة أو متسرعة، كما كان قائماً في التعامل الغربي مع المنظومة النووية لإيران. صحيح أن هذا لا يعني تخليه عن احتمال فرض عقوبات، لكن أوباما استمر في تأكيد استمراره في الحوار رغم التحريض الإسرائيلي المتزايد وضغوط دول أوروبا المتحالفة مع الولايات المتحدة.
كما أن أولوية أوباما في تنفيس التوترات واحتواء تفاقمها والتي أدت إلى التزام أمريكي في تعزيز ودعم دور الأمم المتحدة وتفعيل صلاحياتها، خاصة في معالجة القضايا الإنسانية، من تنمية وتقليص أخطار التغييرات المناخية، ومعالجة الأمراض المتفشية وغيرها، لتلبية الطموحات المشروعة للشعوب والتزامه العمل بصيرورتها، كما دعوته لنزع السلاح النووي والالتزام بمعاهدة عدم نشر السلاح النووي. كل هذه التوجهات التي تم الالتزام بها أدت إلى أن تمنح جائزة نوبل للرئيس أوباما تحريضاً له في ربط نواياه والتزاماته المنبثقة عن قناعاته المبدئية الثابتة مع ما يرسمه من سياسات، وتمكينه من تجاوز المعوقات الحائلة دون إنجازها دولياً وعلى الساحة الأمريكية ذاتها. وفي تعليقه الخجول على نيله جائزة نوبل ظل القلق يساوره على أن التوقعات منه-وإن كان يبرهن على صلابة تصميم إنجاز ما وعد به-إلا أن تعاظم المعوقات قد تعيق ما بوسعه إنجازه. جائزة نوبل جاءت محاولة تجسير بين إرث التزاماته المبدئية مع دفعها إلى سياسات قابلة للتحقيق وفي طليعتها السلام.
إذا كان خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر الماضي يشكل أي دليل، فهناك الممارسات التي تقوم بها إسرائيل في تهويد القدس والبناء في أرض الحرم الشريف في القدس وغيرها من الغارات على غزة وممارسات القمع في الضفة الغربية.. أجل إن تعامل الإدارة الأمريكية مع تقرير غولدستون وضغوطها على السلطة الفلسطينية أدى إلى مقاربة إن لم يكن إسقاط الشرعية عن السلطة الفلسطينية ورئيسها، كون استجابة السلطة للضغوط الأمريكية كان من شأنه أن يفجر غضباً عارماً وانفجاراً للكثير من الوعود الزائفة التي سادت منذ اتفاقات أوسلو. كان الأمر الجديد الواعد هو في التزام أوباما بقيام الدولتين إسرائيل وفلسطين وتجميد الاستيطان دون استيعاب أهداف المشروع الصهيوني وخاصة الجناح اليميني العنصري منه.
كانت النية المعلنة مكتفية في إيفاد المبعوث الخاص. وكان بالتزامن مع المجهود الدبلوماسي مناورات مشتركة، كما توريد أجهزة عسكرية متقدمة إلى إسرائيل استناداً إلى التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل والذي يبقى مرافقاً لخطاب الرئيس أوباما كحاجة لإقناع إسرائيل بصيغة الدولتين والتي يفرغها محور نتنياهو ليبرمان من أي مضمون وأي معنى.
إذن، يمكننا القول إن استحقاق أوباما لجائزة نوبل مشروعة بشكل إجمالي ومنقوصة الشرعية إلى حد ما. كما ونرجو أن تكون موقفاً، فلسطينياً وبالتالي عربياً، كون الرئيس أوباما يبقى رئيساً واعداً قابلاً للنقد والحوار، وبالتالي الاستماع وحتى الإقناع هذا إذا استقام الخطاب العربي القومي وكان جاداً وواضحاً وبالتالي صادقاً في التزامه.
مدير مركز عالم الجنوب بالجامعة الأمريكية في واشنطن