كان القطاع العقاري ولايزال بشقيه البيع والتأجير من محركات الاقتصاد الأساسية في إمارة دبي ضمن أمور أخرى كالتجارة والسياحة والخدمات وغيرها.
ولأهمية القطاع العقاري لإمارة دبي وحديثي في هذا المقال عن قطاع التأجير تحديداً، ونظراً لمساسه بشريحة واسعة من المجتمع فقد كانت الحكومة حريصة على تنظيمه بتشريعات تحقق توازناً عادلاً بين أطراف العلاقة الثلاثة المالك والمستأجر والحكومة. ولقد أضفت الحكومة إلى هذه العلاقة مع أن العلاقة فنياً محصورة بين طرفين هما المالك والمستأجر، لأن نمو القطاع العقاري من شأنه تنمية اقتصاد الإمارة ككل. وترك هذا القطاع دون تنظيم من شأنه أن يؤثر سلباً في الدورة الاقتصادية للإمارة. لذلك فقد كانت الحكومة هي الطرف الثالث في هذه العلاقة.
ولقد اهتمت الحكومة بتنظيم قطاع الإيجارات في الإمارة مبكراً. فمن التشريعات الأولى التي أصدرتها إمارة دبي القرار رقم 507/1974 والذي أنشأ لجنة مستقلة للفصل في المنازعات بين الملاك والمستأجرين. ولقد كانت غاية المشرع من استثناء قطاع الإيجارات من نظام التقاضي العادي واضحة. فهذا النظام يتميز غالباً بالبطء في الفصل والتعقيد في الإجراءات بينما تحتاج القضايا الإيجارية خاصة التي يكون أطرافها تجّاراً إلى سرعة الفصل وتحتاج في القضايا التي يكون أطرافها سكاناً لمنازل خاصة إلى بساطة في الإجراءات.
ثم تطورت التشريعات المنظمة للعلاقة الإيجارية وطرق الفصل فيها فصدر المرسوم رقم 92 لسنة 1993 بشأن تشكيل لجنة قضائية خاصة للفصل في المنازعات بين المؤجرين والمستأجرين، ثم القانون رقم 26 لعام 2007 بشأن تنظيم العلاقة بين مؤجري ومستأجري العقارات في إمارة دبي والمعدل بالقانون رقم 33 لسنة 2008. وهناك أخبار تداولتها الصحافة عن إنجاز مسودة لقانون الإيجارات ورفعه إلى السلطات العليا في الإمارة تمهيداً لإصداره. (حديث صحفي لسلطان بن مجرن المدير العام لدائرة الأراضي والأملاك - 27 يونيو 2018). كما أطلقت الدائرة عقد الإيجار الموحد وبدأت بتطبيقه إلزامياً في مارس 2017. وهذا التحرك التشريعي يدل على اهتمام الحكومة باعتبارها الضامن لحقوق الأطراف في السوق الإيجارية بتنظيم هذا القطاع لأهميته في الدورة الاقتصادية في الإمارة.
والمتأمل للمشهد الاقتصادي العام في إمارة دبي لا يمكن إلا أن يلحظ التطور الاقتصادي الذي شهدته الإمارة خلال العقود الثلاثة السالفة. فدبي أصبحت اليوم مدينة عالمية بكل المقاييس. واقتصادها أصبح مركباً ومتنوعاً ومعقداً ولم يعد ذلك الاقتصاد البسيط الذي كان عليه قبل ثلاثين سنة أو عشرين سنة. وهذا التطور الاقتصادي يقتضي معالجة تشريعية مختلفة تواكب التطورات الاقتصادية التي شهدتها الإمارة وتعالج بحرفية كل المتغيرات التي يعيشها الاقتصاد.
فإذا طبقنا ذلك على سوق الإيجارات في الإمارة نلاحظ أن التأجير لم يعد بالبساطة التي كان عليها سابقاً. فلم يعد المستأجر إما شخصاً يستأجر سكناً أو شركة تستأجر مكتباً أو محلاً تجارياً. فطبيعة العين المؤجرة تغيرت، فمثلاً في فئة الوحدات السكنية أصبح هناك المؤجر الفرد المالك لوحدة سكنية ضمن مشروع عقاري وهذا الشخص يلتزم من طرفه بدفع رسوم إلى المطور الرئيسي للعقار وحال هذا المالك يختلف عن مالك العقار المعد للإيجار السكني خارج نطاق المشروعات. وفي المجال التجاري هناك مراكز التسوق التي دخلت سوق الإيجارات التجارية بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين وأصبحت العلاقة بينها وبين المستأجر لوحداتها معقدة. فمركز التسوق يقوم باستثمارات كبيرة لإنشاء المركز والترويج له إضافة إلى إنفاق مستمر لجذب الزبائن إلى المركز في حين يكون المستأجر والمحال التجارية مستفيدين من هذه الخدمات دون مجهود يذكر من قبلهم. وتنظيم هذه العلاقة يختلف حتماً عن العلاقة بين مالك محل تجاري خارج مراكز التسوق. فالمالك لذلك العقار لم يتكبد ما تكبده مركز التسوق من استثمارات بل يستفيد من الإنفاق العام على تنمية تلك المنطقة التي يتواجد فيها عقاره. بل إن المستأجر في حالة المحل التجاري خارج مراكز التسوق هو الذي يضفي غالباً قيمة مضافة إلى العقار عن طريق جلب الزبائن وبالتالي يفترض أن يكون مركزه القانوني مختلفاً عن المركز القانوني للمستأجر في مركز التسوق.
وحتى في القطاع السكني فإن تأجير الشقة له عوامل وأحكام مختلفة عن تأجير الفيلا. كما أن تأجير الفيلا في مشروع سكني يختلف عن تأجير فيلا منفردة قائمة بذاتها.
كما أن تأجير الأراضي العقارية والأراضي الزراعية تختلف أحكامه جذرياً عن تأجير الوحدات السكنية أو المكتبية أو التجارية. إلا أن القانون قد شمل جميع أنواع هذه العقارات بأحكام واحدة. إذ ينص على أن العقار (المعد للتأجير) هو المال غير المنقول وما يتصل به أو يلحق به والمؤجر لأغراض السكن أو ممارسة نشاط تجاري (هكذا دون تفرقة بين أنواع النشاطات التجارية المختلفة) أو حرفة أو مهنة أو أي نشاط مشروع آخر (المادة 2 من القانون رقم 26 لسنة 2007 بشأن تنظيم العلاقة بين مؤجري ومستأجري العقارات). ولم يكتف القانون بذلك بل شمل بأحكامه حتى الأراضي الزراعية والأراضي العقارية المعدة للتأجير. وهذا الشمول في نطاق تطبيق أحكام القانون دون تفرقة بين أحكام العقارات المؤجرة للسكن الشخصي والعقارات المعدة لسكن موظفي الشركات والمحال التجارية داخل مراكز التسوق والمحال التجارية خارجها والعقارات المعدة للتأجير المكتبي لا يناسب العلاقات المتعددة والمتغيرة والمتشابكة بين كل من المؤجر والمستأجر في هذه الحالات. فالمستأجر للمنزل الشخصي للسكن الفردي والعائلي يحتاج إلى حماية من نوع خاص يختلف في طبيعته وبالتالي في أحكامه عن التاجر المحترف الذي يستأجر محلاً تجارياً. وحتى مستأجر المحل التجاري في مركز تسوق يجب أن تختلف أحكام عقد إيجاره عن مستأجر المحل خارج مراكز التسوق نظراً لاختلاف المعايير الاقتصادية في كل نوع من هذه العقود. كما أن طبيعة العلاقة في مشاريع التطوير العقاري تختلف بالكلية عن العلاقة في حالة وحدة سكنية واحدة في موقع قامت الحكومة بتجهيز كل مرافقه وخدماته. لذلك فلا يصح أن يشمل القانون جميع هذه العلاقات بأحكام واحدة دون الأخذ في الاعتبار المتغيرات الاقتصادية في هذه العلاقات المتعددة.
إن ما تحتاجه إمارة دبي هو قانون إيجارات يراعي التطور الهائل الذي شهده قطاع العقارات في الإمارة خلال العقدين الأخيرين بحيث:
- يراعي المتغيرات الاقتصادية في كل علاقة تجارية على حدة.
- يعطي للأطراف حرية واسعة في تشكيل علاقاتهم التعاقدية بما يناسب أوضاعهم الاقتصادية.
- يمنح حماية للطرف الضعيف الجدير بالحماية.
- ومن خلال آلية سريعة ومبسطة.
إن من شأن وجود مثل هذا القانون أن يحقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لكافة أطراف العلاقة التأجيرية ويساعد على زيادة الاستثمار في سوق العقار وبالتالي استقرار سوق الإيجارات ونموه.
هل تحتاج دبي إلى قانون إيجارات جديد؟
27 سبتمبر 2018 02:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 سبتمبر 02:02 2018
شارك
د. حبيب الملا