د. رغيد الصلح

برحيل الفقيدين الكبيرين الدكتورين كلوفيس مقصود ومحمد المجذوب خسر العرب وجهين نبيلين من وجوه السياسة العربية. فطوال حياة مديدة وحافلة بالامتحانات والاختبارات والمنعطفات الحادة، حافظ الراحلان الكبيران على التزامهما بالقضية العربية، ولم يتخليا يوما عن هذه الفكرة رغم الإغراءات المادية والسياسية والمهنية الكثيرة التي كانت تغدق على كل من أدار ظهره لها.
وانطلاقا من إدراك ووعي لما تعانيه المنطقة العربية من متطلبات نهوضها، انحاز الراحلان المرموقان إلى جانب مشاريع المصالحة الوطنية والوفاق السياسي. فعندما اجتاحت لبنان موجة التعصب المذهبي، وقف الدكتور المجذوب يدين الجرائم التي غذت هذه الموجة وخاصة جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ويضيف إليها تنديده بكل من يحرض على الاقتتال المذهبي ويحذر من الآثار البعيدة لهذا التحريض.
وعندما بدأ الانقسام يعصف بالجسم الفلسطيني وخاصة بين غزة والضفة، كان الدكتور مقصود من أوائل الذين حذروا من هذا الانقسام واستغلوا رصيدهم المعنوي لدى القيادات الفلسطينية للدعوة إلى المصالحة الوطنية الفلسطينية كمدخل لمصالحات عربية أخرى ومصالحة عربية شاملة.

إلى جانب الدعوة المتكررة إلى المصالحات الوطنية العربية التي أطلقها الفقيدان الراحلان، فإنهما كانا في سلوكهما الشخصي رسولين ممتازين لهذه الدعوة. فلم يسمع عنهما أنهما شهّرا بأحد، أو أنهما استخدما سلاح التهجم كبديل عن النقد. كان الاثنان في سلوكهما الشخصي معبرين حقيقيين عن الالتزام بالديمقراطية وعن حرية المعتقد والضمير وأهمية المساواة بين البشر.بفضل هذا السلوك وبفضل صفاتهما الشخصية الرائعة كانا موضع احترام وتقدير ومحبة لدى شتى الأوساط السياسية والفكرية. وعندما يغيب شخصان في مكانة الدكتورين مقصود والمجذوب، وعندما يقترن هذا المصاب بانتشار وترسخ مشاعر التعصب والبغض والدعوات الثأرية والانتقامية والدموية، فإنه من الطبيعي أن تعم نظرات التشاؤم واليأس منتديات السياسة والثقافة العربية. ولكن ما يخفف من المصاب بفقدان الراحلين الكبيرين ومن سبقهما من دعاة الوفاق الوطني والديمقراطي، أن نجد أن هذه الدعوة، تتكرر اليوم، وأن الدعوة إلى المصالحات الوطنية في المنطقة العربية آخذة في الانتشار بين المواطنين والمواطنات.
ففي تونس اليوم، تشكل الدعوة إلى المصالحة الوطنية موضوعاً رئيسياً من مواضيع الحراك السياسي التونسي. من المرجح أن تستأثر بقسط واسع من مناقشات المؤتمر العاشر لحزب حركة النهضة الذي افتتح أعماله بالأمس. فالشيخ راشد الغنوشي، رئيس الحزب، أعلن تبنيه لهذا المشروع ومن ثم للعفو الوطني العام. واقترنت الدعوة إلى المشروع باتصالات سياسية ساهمت في تسليط الأضواء على طبيعته، وعلى حوافزه وعلى الأهداف المتوخاة منه.

إن الدعوة إلى المصالحة الوطنية تثير في المنطقة العربية بعض الاشتباه إذ إنها قد تعني معنيين متناقضين تمام التناقض. فهناك مصالحة وطنية «تضمينية». والمطلوب من هذه المصالحة هو تجميع القوى السياسية الفاعلة في البلاد حول هدف وطني عام، كما حصل خلال الحرب العالمية الثانية في بريطانيا حيث شكلت حكومة ضمت حزبي المحافظين والعمال لمحاربة ألمانيا الهتلرية خاصة بعد أن استولت على معظم دول أوروبا الوسطى والغربية.

وهناك مصالحات وطنية تؤدي إلى تشكيل حكومات تضمينية في البلدان الديمقراطية حتى ولو لم تواجه هذه البلدان تحدياً وجودياً من نوع التهديد بالغزو الخارجي، وحتى ولو كان الهدف من النموذج «التضميني» للحكم هو أن يمثل غالبية السكان والمواطنين وليس نسبة ضئيلة منهم. فالحكومات التضمينية هي أكثر فاعلية وأقدر على تلبية حاجات المواطنين وإنصافهم من حكومات الأكثرية كما هو شأن الحكومات في بريطانيا.

إن المصالحة الوطنية التضمينية والحقيقية هي تلك التي تتوخى الانتقال من حال الاحتراب الفعلي-العسكري أو شبه العسكري، إلى حال التنافس الديمقراطي حيث تكون الديمقراطية هي «اللعبة الوحيدة في البلد». والمصالحة الوطنية الحقيقية هي تلك التي تضم الجميع بلا استثناء من مكونات المجتمع وقواه الفاعلة والمؤثرة. ومثل هذه المصالحات وقعت بين الجلاد والضحية، كما حدث في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا. إن هذه المصالحة هي التي سمحت لحزب غولكار الذي مثل الديكتاتور الإندونيسي سوهارتو، أن يقرر مع حزب النضال الديمقراطي الإندونيسي الذي أسسه مؤيدو الرئيس الإندونيسي سوكارنو مستقبل البلاد. وهذه المصالحة هي التي سمحت للأحزاب المدنية بالعودة إلى الحكم في تشيلي، بالرغم من استمرار سيطرة الديكتاتور العسكري بينوشيه على الجيش. وهي التي سمحت في البلدين بتقليص تدخل القوات المسلحة في البلدين إلى أبعد حد ممكن.
مقابل ذلك هناك مصالحات وطنية ليس لها من المصالحة إلا الشكل والاسم. إن الغرض من هذه المصالحات هو إقصائي بحت. في هذا النوع من «المصالحات»، يحدد من يمسك بالسلطة الأطراف التي يريد أن تساهم في المصالحة المفترضة، وأجندة الحوار بين المساهمين في المصالحة، ويحدد سلفا صاحب السلطة النتائج التي سوف يسفر عنها هذا الحوار.

إن تاريخ حركة النهضة يدل على أنها في صدد الوصول إلى مصالحة وطنية تضمينية تشمل كل حزب أو جماعة أو تكتل تونسي سياسي يقبل بالنظام الديمقراطي ويعمل من خلاله. لقد كان الشيخ راشد الغنوشي محقاً عندما قال إن امتناع حزب النهضة عن الاستمرار في الحكم قبل عامين تقريباً قد يشكل خسارة سياسية لها ولكنه شكل ربحاً سياسياً لتونس ولشعب تونس. وفي الحياة السياسية كانت هناك لحظات كثيرة من هذا النوع التي تم فيها تجنب الوقوع في مطبات المغانم الحزبية السهلة. هل يكون ولادة «حزب إسلامي ديمقراطي عصري» حقيقي؟

[email protected]