في البداية سنتعرف إلى شخصية هوفر، والأسباب التي رشحته ليتقلد منصب الرئيس، ثم نتحدث عن مواجهته للأزمة .
سنوات هوفر: برز نجم هيربرت هوفر للمرة الأولى عندما اجتاحت الأمطار ولاية الينوي الأمريكية في بداية عام ،1927 وانهارت سدود عدة، واختفت مئات الآلاف من الهكتارات تحت المياه، وتم تعيين هوفر كرئيس للجنة الطوارئ، وكان مهندساً ناجحاً، وسبق أن تم تعيينه رئيسا للجنة المختصة بتوفير الغذاء والمساعدات الأخرى للمتضررين من الحرب العالمية الأولى، وقام بأداء جيد لفت له الأنظار، واستطاع هوفر أثناء أداء مهمته لاحتواء فيضانات عام ،1927 أن يظهر المزيد من المواهب . فأدار ونظم عمليات الاخلاء وانقاذ الأرواح، واشرف على اقامة مخيمات الاغاثة، وبعد ذلك استطاع أن يجمع 13 مليون دولار لغرض تمويل اعادة اعمار المناطق المنكوبة، وكان تلك القدرات كافية لفوزه في انتخابات عام ،1928 ولكن لسوء حظه، بدأت الأزمة الاقتصادية في أمريكا قبل أن يكمل سنته الأولى، وأصبح هذا البطل الأمريكي الذي أنقذ الأرواح أثناء فيضانات عام ،1927 مطلوبا منه أن يثبت بطولته مرة أخرى في هذه المحنة الجديدة والكبيرة والتي لا تقاس مطلقاً بفيضان أو غيره . . وكان هوفر قد استخدم نفس أسلوب الرؤساء السابقين الذين اعتمدوا على جذب القلوب إليهم من خلال الخطب الجميلة والمؤثرة والاسلوب السلس والعبارات المختارة بعناية، والوعود التي تدغدغ قلوب الناس، وهو أيضاً الأسلوب نفسه الذي استخدمه أوباما أثناء حملته الانتخابية، وقام هوفر بتكوين فريق عمل لمساعدته في مهمته، ودعا أرباب الصناعة الأمريكية والشخصيات المهمة للاجتماع، وطلب منهم أن يتباحثوا سوية، ويضعوا الخطط لمنع الأزمة التي بدأت في اكتوبر/ تشرين الأول ،1929 من أن تتحول إلى كساد، وألح على أصحاب العمل ألا يقللوا من أجور العمال، ووافقوا على التعاون، وذهب هوفر أكثر من ذلك بطلباته، فطلب من القادة السياسيين والمسؤولين في الحكومة وفي الولايات أن يقللوا صرفياتهم على الطرق والأعمال الأخرى، وخاصة الأمور الخدمية، معتقداً أن خزائن الولايات يوجد بها احتياطي ضخم سيدعم بعضها بعضاً لمواجهة الأزمة ولكن كما يحدث في كثير من الدول العربية في وقتنا الحالي، فقد استخدم معظم المسؤولين الأسلوب الدعائي أكثر من الجهد الحقيقي في العمل، ولم يقدم أي منهم أي إغاثة ملموسة للشعب الأمريكي الذي بدأ يعاني من تبعات الأزمة تدريجياً، واعتمد كل منهم على الآخر في تقديم الحلول المناسبة، وفي حين وعد رجال الأعمال بإبقاء أجور العمال على حالها دون تخفيض، إلا أنهم عوضوا ذلك بزيادة ساعات العمل، وفصل الأعداد الزائدة من العمال، وذكرت مجلة بزنس ويك الصادرة في شهر يناير/ كانون الثاني 1930 أن بعض شركات صناعة السيارات فصلت أعداداً كبيرة من الموظفين والعمال بما يوصف بأنه تصرف مستعجل ومتهور، أما بالنسبة لرجال الأعمال ذوي المصالح التجارية المتوسطة، وهم الأكثرية، فهؤلاء لم تتم دعوتهم مثل نظرائهم الكبار للاجتماع بالرئيس، وبالتالي لم يكونوا ملزمين بالتعهد بعدم خفض الأجور، ولا بالأمور الأخرى مثل الفصل التعسفي وزيادة ساعات العمل وبناء على ذلك انخفضت أجور العمال، وتم تسريح المزيد من الموظفين، ومع مرور الوقت، انفرط العقد، ولم يعد في مقدور بعض الحكومات المحلية في الولايات تنفيذ مطالب هوفر، وخاصة فيما يخص التقشف في النفقات، وقامت بصرف بعض الأموال على مشاريع انشائية، ملحة على أمل أن تتعدل الأمور خلال فترة قصيرة، ولكن الأزمة استمرت، وبقي لدى تلك الحكومات القليل من الأموال لصرفه على متطلباتها، وانخفضت واردات الضريبة، وبنفس الوقت ارتفعت قائمة الإغاثة للفقراء، وهذان الأمران أثرا في الميزانيات المحلية، وأديا إلى إجبار الحكومات المحلية على تأخير أو ترك استحقاقات ديونهم التي حان موعدها، وهذا العجز المالي سبب ضغطاً آخر على خطة هوفر . (1) ونسينا أن نقول أن هوفر قام بخفض الضرائب بعد أن أصبح رئيساً، أي في الشهور الأولى التي تقلد فيها منصب الرئيس في بداية عام ،1929 مستنداً إلى فترات الازدهار التي مرت بها أمريكا في العشرينات، خاصة أنه تقلد منصب وزير التجارة في عهد الرئيس وارن هاردنج، وأتى وهو على اطلاع كامل بمستوى الازدهار الذي تعيشه أمريكا في ذلك الوقت، ولكن مع دخول أمريكا في الكساد العظيم بعد بدء الأزمة، زاد عجز الميزانية الفيدرالية بسبب هذا الخفض، وعمل الرئيس هوفر بنصيحة وزير الخزانة بأن يترك الاقتصاد يعمل دون تدخل الحكومة، الأمر الذي فاقم من الأزمة الاقتصادية، وفي النهاية، وبعد فوات الأوان تدخلت الدولة، وذلك بطرح مشاريع ممولة حكومياً، الأمر الذي أدى رلى الحاجة لأموال حكومية، وهذا بدوره أدى إلى قرار الرئيس هوفر عام 1932 بزياد الضرائب لتكون الأكبر في تاريخ أمريكا، ومع ذلك لم يفلح الرئيس هوفر في انتشال البلاد من الكساد (2) .
لقد وصلنا الآن إلى النقطة الأهم في الموضوع كله، وهو سؤال لم يجد إجابة حتى الآن، والسؤال هو: ما هي الأسباب التي أدت إلى انهيار سوق الأسهم؟ هل هو فقط مضاربات المساهمين التي ذكرناها سابقاً؟ يقول الدكتور هارولد جيمس استاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برنستون الأمريكية إنه لم يتمكن أي شخص على الاطلاق من تقديم تفسير مرض لانهيار السوق في أكتوبر/ تشرين الأول 1929 كسبب منطقي، وعلى هذا فإن الانهيار يعد بمثابة لغز فكري (3)، ولا شك في أن من أهم أسباب أزمة 1929 مضاربات الأسهم، ولكن رجال الاقتصاد والتاريخ طرحوا أسباباً أخرى لهذا السقوط المدوي، فلا يمكن أن ينهار اقتصاد أكبر دولة في العالم ومعها اقتصاد معظم بلدان العالم، ويدخل العالم في كساد طويل بسبب مضاربات الأسهم فقط، فما هي الأسباب الأخرى التي طرحها الاقتصاديون في كتبهم وأبحاثهم، إن أهم الأسباب التي ذكرت، تتعلق بنظام الاحتياطي الفيدرالي الذي لعب دوراً في نشوء هذه الأزمة فما هو هذا النظام؟ وكيف كان أحد أسباب الأزمة .
الاحتياطي الفيدرالي: في حلقة سابقة، ذكرنا أن من أهم الأحداث في الربع الأول من القرن العشرين، كان تأسيس مصرف الاحتياطي الفيدرالي، وقد وقع الرئيس الأمريكي وود وورد ويلسون قانون الاحتياطي الفيدرالي، في 23 ديسمبر/ كانون الأول ،1913 وهذا النظام مؤلف من 12 مصرفاً كاحتياط فيدرالي، يخدم كل منها قسماً من البلد، ولكنه يحكم ويشرف عليه من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك . وتدار هذه البنوك بمجلس من الحكام معينين من قبل الرئيس الأمريكي، ومصادق عليهم من قبل مجلس الشيوخ، ويرمز لنظام الاحتياطي الفيدرالي بالرمز Fed، وأصبح مورغان سترونغ أول حاكم لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وعين غيربول واربرغ أول رئيس لمديري مجلس نظام الاحتياطي الفيدرالي، ولم يكن هذا النظام تابعاً للحكومة الأمريكية، وإنما هو مؤسسة خاصة مملوكة من قبل البنوك الأعضاء، وهذه بدورها مملوكة من قبل مساهمين خاصين، وهؤلاء المساهمون هم مجموعة من العائلات الغنية التي ترتبط فيما بينها بعلاقات النسب ومصالح العمل، ومن هذه العائلات، روتشيلد وهي عائلة يهودية معروفة بنشاطها التجاري الكبير، وروكفلر ومورغان وواربربرغ وآخرون .
ويسيطر فرع نيويورك على الفروع الأحد عشر الأخرى من خلال ملكية الأسهم (4)، ومنذ بدء عمله عام ،1913 كان نظام الاحتياطي الفيدرالي يعمل مثل البنك المركزي للولايات المتحدة، وبعد اغتيال الرئيس الأمريكي جون كيندي في بداية الستينات من القرن العشرين، أصبح الاحتياطي الفيدرالي هو الذي يقوم بطباعة الأوراق المالية الأمريكية، واستبعدت الحكومة الفيدرالية الأمريكية من هذه الوظيفة المهمة، وهذا بحد ذاته مخالف لنص الدستور الأمريكي الذي ينص في مادته الأولى على أن الكونغرس هو صاحب السلطة المطلقة في صك العملة وتنظيم قيمتها وقياساتها، والآن، فإن كل واحد من الإثني عشر بنك احتياطي فيدرالي والموجودة في بوسطن ونيويورك وشيكاغو وسان فرانسيسكو وغيرها من المدن الكبرى، هي عبارة عن شركة خاصة، والأسهم تتم حيازتها بواسطة البنوك الأعضاء في نظام الاحتياطي الفيدرالي، ويتم اختيار مديري الفئة A والفئة B لكل فرع من هذه الاثني عشر فرعاً بواسطة حملة الأسهم من بين أصحاب البنوك، ومجتمع رجال الأعمال وغيرهم من المديرين الآخرين ممن جرى تعيينهم بواسطة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الموجود في واشنطن، أما أعضاء محافظي الاحتياطي الفيدرالي الموجود في واشنطن، فيتم اختيارهم بواسطة الرئيس الأمريكي، ولا بد أن تتم الموافقة عليهم في الكونغرس، ولكن عندما نصل الى لجنة السوق المفتوحة للاحتياطي الفيدرالي والتي تحدد أسعار الفائدة قصيرة الأجل، وتؤثر في حجم الإمداد النقدي بشراء أو بيع الأوراق المالية الحكومية، فإن الصورة تكون أكثر بشاعة، فهذه اللجنة تضم في عضويتها سبعة محافظين فيدراليين من واشنطن، إضافة الى خمسة رؤساء بنوك احتياطي فيدرالي يتم تعيينهم بواسطة مديري هذه البنوك، وفي الممارسة العملية، فإن الخمسة رؤوساء اقليميين للاحتياطي الفيدرالي ممن لم يرهم على الاطلاق لا الرئيس الأمريكي ولا الكونغرس، يتمتعون بالتصويت لتحديد سياسة الائتمان والامداد النقدي بالولايات المتحدة، إذاً فالسياسة العامة يتم وضعها بواسطة جماعة من البيروقراطيين الذين عينوا أنفسهم، وقد قبل الكونغرس الأمريكي هذا النظام الغريب للاحتياطي الفيدرالي بعد أن تم اقناعهم بأن هذا النظام هو الذي سيمنع حالات الهلع بالأسواق، ويحول دون تكرار الكساد على غرار ما حدث أعوام 1873و،1893 ويعبر عن هذه القناعة الرئيس هيربرت هوفر في مذكراته الشخصية حيث يقول لن يكون لدينا بعد الآن حالات هلع مالي، ففي ظل نظام الاحتياطي الفيدرالي سيصبح حدوث ذلك الهلع مستحيلاً، ويستطيع رجال الأعمال من الآن فصاعداً المضي وكلهم ثقة من عدم المخاطرة بأموالهم، ولكن هل استطاع الاحتياطي الفيدرالي تحقيق أمنية هوفر من منع حدوث أزمات جديدة، الاجابة هي: لا، فهذا النظام سعى الى كسب المزيد من الصلاحيات للسيطرة على السوق المالية من دون أن تكون له قدرة على منع أزمة عام ،1929 ومن هذه الصلاحيات، أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية التي سبق ذكرها لم تكن جزءاً من التشريع الأصلي الذي بموجبه قيام نظام الاحتياطي الفيدرالي، ولكن في أوائل العشرينات من القرن العشرين، أي خلال سنوات الازدهار، شكل بعض رؤساء البنوك الاقليمية للاحتياطي والذي يهيمن عليها فرع نيويورك، لجنة خارج نطاق أي قانون لتنسيق انشطتهم في تحديد الإمداد المالي وأسعار الفائدة من خلال شراء وبيع الأوراق المالية الحكومية، أي عمليات سوق مفتوحة، وكان ذلك بمثابة قبض ناجح على مقاليد السلطة في النظام بواسطة قادة بنوك الاحتياطي الاقليمية، وهم من يتم اختيارهم مباشرة بواسطة أصحاب بنوك وقطاع خاص، ولا يخضع ذلك لموافقة أي شخص في واشنطن . (5) ويبدو واضحاً من اجراءات بنك الاحتياطي الفيدرالي قبل حدوث الأزمة أن هذا النظام كان يعمل افراده على كل ما يعزز مصالح شبكتهم العائلية دون الاهتمام بمصالح النظام المالي لأمريكا، ويتجلى هذا بوضوح فيما ذكرناه في الحلقة السابقة، وخاصة عندما غض الطرف عما كان يحدث من خلال نافذة الخصم Discaunt Window، أو من خلال ابتداع انظمة جديدة لخدمة مصالح تلك العائلات مثل لجنة السوق المفتوحة التي سبق ذكرها، وحتى بعد حدوث الانهيار، كان هناك تخبط واضح، ومحاولة لانقاذ الموقف من خلال تفعيل هذه الأنظمة الجديدة، فعلى سبيل المثال اقترح جورج هاريسون الذي أصبح حاكماً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خلفاً لسترونغ، وبعد أيام من حدوث الانهيار، تقوم مصارف الاحتياطي الفيدرالي بشراء أوراق مالية حكومية في السوق المفتوحة Open Market وذلك لضخ بعض السيولة في النظام، وكان يعتقد بأن تلك الاستراتيجية ضرورية لارضاء الطلب على النقود، وهي الموجودات الوحيدة التي كانت البيوت والشركات والمؤسسات المالية تسعى للحصول عليها في ظل بيئة يسودها الهلع، وكان الاقراض المصرفي قد توقف تماماً مما أدى الى انهيار أسعار السلع، الأمر الذي أدى بدوره الى تكاثر حوادث الإفلاس وانهيار المصارف، واخذت ملايين فرص العمل بالتلاشي، وقام هاريسون ببذل بعض الجهود القصيرة الأمد المؤدية لعمليات شراء في السوق المفتوحة في مصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ولكن السلطات في واشنطن ورؤساء مصارف الاحتياطي الفيدرالي اوقفوا تصرفات هاريسون بعدما اخذت الولايات المتحدة تفقد الذهب في خريف عام ،1931 ووافق هاريسون على رأي متخبط آخر اقره زملاؤه رؤساء المصارف وعلى رأسهم يوجين ماير رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن برفع معدلات الفائدة الى معدلات كبيرة عام ،1931 وفي تلك اللحظة، كانت أسعار مبيعات الجملة في الولايات المتحدة قد انخفضت بنسبة 24% عما كانت عليه عام ،1929 ووصل معدل البطالة الى ما يزيد على 15% من القوة العاملة، كما افلس 3000 مصرف، وفي تلك الأيام، لم يكن هناك ما يدعى بتأمين الودائع، ويعني ذلك أن المودعين قد خسروا كل دولار موجود في ايداعاتهم في كل بنك اصيب بالإفلاس، لقد تبخر ذلك المال في الهواء بكل بساطة، ولدى قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع معدلات الفائدة، هبطت الأسعار بنسبة 10% أخرى، ووصل معدل البطالة الى 25% من القوة العاملة، كما اغلق ما يزيد على 3000 مصرف أبوابه . (6)
هوامش
(1) Eric Raunch way, The Great Depression Thee New Deal . pp .23
(2) د . ظافر مقدادي، انظر
www .diwanalarab .com/spip . php? Article 16512
(3) انظر مقال د . هارولد جيمس على الموقع الآتي:
http://isegs .com/ forum, showthread . php?t=3800
(4)جيم مارس، الحكم بالسر، ص 100 - 111
(5) Webster G . Tarpley, The Crash of 1929, British Financial War fare: 1929, 1931 - 1933, See
http://www . Tarpley . net/ 29 crash . htm
(6) بيتر برنشتاين، سطوة الذهب، ص 458 - 460