تصنف السينما بأنها وسيلة من الوسائل الإعلامية كالجريدة والتلفزيون والمسرح والمنابر، لكنها تحوّلت في جامعة «الجنان» الطرابلسية في شمالي لبنان، إلى مادة إعلامية بصورة مباشرة، دمجت النظري منها بالتطبيق، فأنتج الطلاب سلسلة من أفلام وثائقية قصيرة متنوعة الموضوعات، تنوعت بين القضايا الإنسانية والإقليمية والمحلية، وأدرجتها الجامعة تحت عنوان «مهارات».
تقول د. غادة صبيح عميدة الكلية: «مهارات واحدة من مواد التدريس وليست أفلام التخرج، فكل مهارات الإعلام حالياً باتت تتخطى الورق والقلم، وصرنا في مجال الإلكترونيات، والتطورات المتعلقة بها، ومن هذا المنطلق، دخلنا بمروحة واسعة من الموضوعات بمواد تطبيقية أثمرت أفلاماً وثائقية».
وعلى الرغم من أن الكلية أوصت بأن تولي الموضوعات المحلية ومدينة طرابلس الاهتمام الأول، فإن بعض الطلاب خرجوا عن التوصية، وتابعوا ما هو متعلق بهم من قضايا تلقي بظلال كثيفة عليهم، خصوصاً السوريين والفلسطينيين منهم، الذين لم يستطيعوا الإفلات من واقعهم القاسي.
وتؤكد د. صبيح التزام «مهارات» بقضايا المجتمع اللبناني من دون تغييب للقضايا الإنسانية العامة، تقول: «رسالتنا أن نخدم المجتمع الذي نعمل فيه، ولذلك نوجه الطلاب بالتدرج باهتماماتهم من المحلي إلى العربي فالعالمي». وتضيف: «نعلمهم كيف يجب أن يكونوا عين الشعب، وقدوته، وكيف يمكن مساعدته. وتمنيت أن نضيء على بعض الأمور الحساسة المهمة في شمالي لبنان، لكننا لا نقتصر عليها، فعندنا طلبة من جنسيات مختلفة لهم هواجسهم وقضاياهم، وفي ظل هذا التنوع، لا يمكن إلا أن نوسع خيارات الطلاب، ونترك لهم حرية الاختيار، ويمكن أن يكون المشروع الذي يختاره الطالب متعلقاً به شخصياً».
كل طالب غنّى فيلمه على هواه وإيقاع وجعه وحلمه وأمنيته، من التراثي إلى الاجتماعي إلى الإنساني، ومن المحلي إلى الإقليمي، فالإنساني الشامل، ووُضعت الأفلام بإشراف المخرج غسان خوجة.
«سجناء أولادهم» فيلم يقارع الخمس دقائق لتيريزا الدويهي، يتناول معاناة أسرة تتابع محاكمة ابنها المسجون بحزن ولهفة بانتظار خروجه، ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الموضوع على هوية مواطنية محددة، ويتعداها إلى الإنساني الشامل.
ويعرض فيلم «أمل وألم» للسورية آلاء التلي، ومدته 9 دقائق، معاناة الطلاب السوريين النازحين إلى لبنان، وواقعهم في المدارس التي أقيمت لهم في لبنان، ويتبين عند وصول الطالب إلى مرحلة الشهادات الرسمية أنه في مأزق عدم الاعتراف بالشهادة.
الفيلم السوري الثاني «خلصتو؟ بدي ألعب»، يعالج نتيجة من نتائج الأحداث السورية للطالب وائل جراش من 7 دقائق، عن طفل سوري، ألحقه أهله بميتم بسبب فقرهم الشديد، وضعف إمكاناتهم المالية، وتعذر إعالته بسبب الواقع الصعب. وينعكس إبقاء الطفل في الميتم سلباً على شخصيته، ويتألم لأن أهله تخلوا عنه. الفيلم يعالج موضوع التيتم المنتشر بين أطفال سوريين من منطلق إنساني. ولم تستطع الفلسطينية زهراء أبو حليوة الخروج من القضايا الفلسطينية، وما يتعرض له أبناء وطنها كل يوم، وفي نفس الوقت يظهر شبان يقاومون المشهد الدموي العام، بأعمال فنية ملتزمة، فيعرض الفيلم طموح شاب فلسطيني ضرير يصر على الاستمرار في تعلم الموسيقى، وعزفها، إضافة إلى مجموعات شبابية أخرى تكرس الفن خدمة لقضيتها.
للبنانيين اهتمامات محلية متوافقة مع توصية الجامعة، فاختار يحي الصديق محطة القطار التراثية كما صنفت، في فيلم عنوانه «المحطة التالية» يروي في 10 دقائق حكاية كنز لبناني مهمل هو القطار الذي تحوّل في دول العالم إلى متحف، لكنه يتآكل من الصدأ والسرقة أمام أعين المسؤولين، من دون أية خطوة لإنقاذه مع أنه يعد بنظر العالم كنزاً ثميناً ونادراً، فمقطوراته تعود للعصور الغابرة، بينما لا تزال قائمة في محطاتها المتداعية كما كان عند توقفه أواسط السبعينات.
بلال مجيد تناول التكية المولوية في طرابلس وأسماها «الكنز الموجود»، فيلم من 9 دقائق عن التكية ومعناها وتطوراتها. أما الطالبة ياسمين صبيح فوضعت فيلم «عبق» من 8 دقائق، عن قهوة موسى، إحدى أشهر المقاهي الشعبية، في رمضان حيث يعم جو من الألفة بين الناس، ويؤم المقهى رواد من مختلف المناطق للسهر الرمضاني، ومنهم من يأتي من هجرته لقضاء بعض السهرات في المقهى، حيث الحنين لماض جميل لا يزال مكرساً بين أبناء المحلة.
و«دقوا الطبول» فيلم لتماضر محمود من 8 دقائق عن الأعراس، وما تتضمنه من جدل عن معاني طقوسها، وأبعادها. وريتا الأبيض ركزت على تعلق الصائمين بالحلو المنتج محلياً في فيلمها «حلو ومر» من 5 دقائق، ويعرض صناعة الحلو الطرابلسية الشهيرة.
«حبل الوصول» لنجوى إبراهيم من 6 دقائق وفيه حكاية أسرة فقدت أحد أبنائها في البحر وهو يلاحق مصدر عيشه في صيد السمك، أما «جيل ورا جيل» لأواب الحارث من 6 دقائق فيتحدث عن صناعة الصابون الطرابلسي، وتطوراته، وتوارثه من الجد للابن للحفيد.
«قصة الرغيف» لفاطمة زهرمان من 5 دقائق تتعرض لصناعة الخبز التقليدي على التنور، يوازيها الإيراني محمد رحمن بور في فيلم «قصة التراب» من ١٧ دقيقة، وهو الأطول بين الأفلام، وتابع بور موضوعه مع أستاذه عبر الهاتف، والإنترنت، وصُور في إيران كيف يتحول الحجر إلى تراب، ومنه إلى صاج يستخدم لصناعة الخبز الذي هو القوت اليومي لسكان الأرياف الإيرانية.
صقل لمهارات البحث والكتابة
تقول د. غادة صبيح عميدة الكلية: «مشروع الأفلام وضعه طلاب يتابعون تخصصهم في الإعلام، وفي إحدى المواد يتعلمون صياغة وكتابة الخبر حتى يتخرجوا صحفيين، وعندنا، يتم التخرج في كل مادة من المواد التي ينجزها الطالب».
وتضيف: «من هنا نعتمد مشروع تخرج خاص بالمادة، ومادة (مهارات) تقدم طريقة كتابة موضوع، وكيفية البحث عن فكرة، أي يتعلم الطالب أركان الوثائقي بكل احتياجاته من الألف إلى الياء. الفصل الأول، ينجز القسم النظري، وفي الفصل الثاني، يطبق الطالب ما تعلمه بمشروع عملي، وكانت المناسبة إنتاج وثائقيات جمعت بين الاستطلاع الصحفي والسينما».
وترى صبيح أن الأعمال السينمائية جعلت كل طالب يصنع فيلمه بنفسه من الألف للياء، معربة عن تقديرها لكل طلابها لما قاموا به خصوصاً أنهم ليسوا طلاب سينما ولم يدرسوا الإخراج، أو الإضاءة، ومع ذلك كانت النتيجة جيدة، وأضافت: «أتمنى أن يتطور إنجاز الطلاب هذا العام إلى مهرجان أوسع وأكثر شمولاً».