عزلة الكتاب

03:45 صباحا
قراءة 6 دقائق

 القاهرة: محمد زكي

منذ أوائل مارس / آذار الماضي، والعالم يعمل بنصف طاقته الذهنية، جراء جائحة «كورونا» التي ضربت في كل اتجاه، وسلّمت الجميع إلى عزلة إجبارية، وفي قلب هذا العالم المصاب بداء العزلة، تواجه صناعة الكتاب أزمات لا حد لها، منها تراجع القوة الشرائية، وارتفاع كلفة الإنتاج والطباعة، وضعف الإقبال على القراءة، وأزمة التزوير، والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، والقرصنة الإلكترونية، وإغلاق المكتبات، وإلغاء معارض الكتاب، ما تسبب بخسائر غير عادية للناشرين.

أسهمت الإجراءات التي اتخذتها الدول في تعطيل حركة المعارض، كرافعة من روافع تلك الصناعة التي تضررت أيضاً بسبب صعوبة شحن الورق، والأحبار، ومستلزمات الطباعة، ولأن الأزمة الاقتصادية طاحنة، فقد تسببت برفع تكلفة إنتاج الكتاب، وبالتالي سعره، ما جعل الكتاب غير مدرج في قائمة الأولويات.

ويرى البعض أن المسألة أكبر من ذلك، إذ إن التحدي الأكبر، يتمثل في الأزمة الاقتصادية، والاضطرابات السياسية، في بلدان ما يمكن أن نطلق عليه «الربيع العربي»، وما ارتبط به من تراجع وانهيار على كل المستويات، والكساد الذي يشهده العالم، فضلاً عن توقف السياحة وحرية التنقل، بسبب انتشار الفيروس، كل ذلك كان له تأثير مخيف في صناعة النشر، وسوق الكتاب.

أطراف ثلاثة

يرى محمد رشاد - رئيس اتحاد الناشرين العرب - أن أطراف صناعة النشر ثلاثة: المؤلف، والطابع، والموزع، ومن يدير العملية بينهم، هو الناشر، بما ينفقه من مال، ووقت وجهد، وهي مقارنة بعدد السكان صناعة ضعيفة، فالكتاب يطبع ما بين ألف إلى 2500 نسخة، وهذا لا يتناسب مع عدد الجامعات، ولا الطلاب، ولا حتى المثقفين، وأي تغيير في المجتمع تتأثر به صناعة النشر.

ويوضح قائلاً: يكفي أنها تأثرت أثناء الأزمة الاقتصادية التي تعرض لها العالم في 2009، وكذلك في سنوات «الربيع العربي» تأثرت بشكل كبير، فقد خرجت من سوق النشر دول، مثل العراق، وليبيا، واليمن، وسوريا، وبعض الدول الأخرى تأثرت بالاحتجاجات، وتراجعت بلدان مثل الجزائر، وكانت سوقاً مهمة للناشر العربي.

وقبل أزمة «كورونا» كانت هناك مشكلات، تعانيها صناعة النشر، ومن أبرز المشكلات أن عادة القراءة ليست أصيلة بالنسبة للقارئ العربي، كما أن ارتفاع نسبة الأمية أدى إلى تقليل الكميات المطبوعة، وعزوف المثقفين عن القراءة، فقد اكتفوا بما هو موجود من منتج فكري، وفاقم المشكلة أن بعض الدول ترى أن دور النشر تمارس عملاً تجارياً، ولذا فرضت عليها ضرائب باهظة.

ويضيف رشاد إلى ذلك: «عدم وجود قاعدة بيانات قرائية في العالم العربي، وقلة وجود مشاريع ثقافية، تحفز على القراءة، وقلة منافذ التوزيع، وعدم اهتمام الحكومات العربية بالمكتبات العامة والمدرسية والجامعية، وقد طالبنا بأن يتم تخفيض، أو إلغاء الرسوم الجمركية، على مستلزمات إنتاج الكتب، وأن تخصص نسب من الميزانيات لشراء الكتب».

ويشير إلى أن جائحة كورونا تسببت بإلغاء سبعة معارض عربية، كان من المفترض أن تقام ما بين شهري مارس/ آذار، ومايو/ أيار، وطبعاً إلغاء هذه المعارض يؤثر في الناشرين، كما أن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدول أدت إلى توقف صناعة النشر، ما أثر في أصحابها، والعاملين لديهم.

يقول: «حاولنا كاتحاد ناشرين عرب، أن نحافظ على هذه الصناعة من الانهيار، وبدوري وجهت رسائل إلى عدد من رؤساء الدول العربية، والملوك، والأمراء، للمطالبة بتخصيص مبالغ مالية لصناعة النشر، ولم نتلق ما يفيد الاستجابة، وإن كان بعض الدول بدأ ينتبه للأزمة».

ولمواجهة المشكلة يقول محمد رشاد: أقمنا معارض افتراضية، من خلال منصة إلكترونية، بحيث يضع كل ناشر كتبه على هذه المنصة، وتقوم إدارات المعارض بعمل الدعاية اللازمة، لا نبحث إقامة معارض تقليدية في ظل وجود «كورونا»، لكن بعد الجائحة يمكن أن تقام هذه المعارض، على غرار معرض بولونيا لكتب الأطفال».

وطرح الاتحاد حلولاً للمساهمة في تخفيف الأزمة، منها: «تخصيص مبالغ مالية لشراء الكتب من الناشرين، من خلال وزارات التربية والتعليم ومراكز الشباب، لتعزيز المكتبات المدرسية، لكن المدارس والجامعات تعاني صعوبات اقتصادية، وقد لا تخصص أموالاً للكتب، كما أن توجه المدارس إلى التعليم عبر الإنترنت، قد يؤدي إلى تراجع الحاجة إلى الكتب».

توقف

يؤكد سعيد عبده - رئيس اتحاد الناشرين المصريين - أن تأثير أزمة كورونا في قطاع النشر سلبي، فمبيعات الكتب تراجعت بنسبة تصل إلى 80% كما أن الطباعة توقفت تماماً، وبالتالي توقف سداد مستحقات المؤلفين، والعاملين في تلك الصناعة.. لم نكن نتوقع أن يصل تأثير الأزمة إلى هذه الدرجة، كنا نعتقد أن التأثير سيستمر شهراً، أو شهرين، لكنه مستمر إلى مدى لا نعرفه».

ويتعرض هذا القطاع لخسائر كبيرة، فقد تعطلت أشياء كثيرة، مرتبطة بسوق النشر، ومنها عدم إقامة معارض الكتب في الجامعات، أو الهيئات والمؤسسات الحكومية، كما أدى ذلك الوضع إلى إغلاق بعض المكتبات، وانخفاض المبيعات في غيرها، وامتد الأمر إلى معارض الكتب الخارجية، فقد أرسل أغلب الناشرين شحنات الكتب للمشاركة في معرض تونس (على سبيل المثال)، ثم قاموا بإعادتها إلى مصر، وتحملوا كلفة الشحن، ووصلت جملة الخسائر إلى نحو 20 مليون دولار.

حركة الشحن

يرى مصطفى الشيخ - المدير المسؤول عن دار آفاق للنشر والتوزيع - أن فيروس كرونا المستجد، الذي انتشر في العالم، منذ أوائل عام 2020 ومستمر إلى الآن، أصاب صناعة النشر بأضرار بالغة، كان تأثيرها المباشر في إلغاء كال المعارض الدولية، والمحلية للكتب، وهذه المعارض تعتبر المنفذ الأهم للناشرين، لعرض وتوزيع إصداراتهم، وما زاد الأمر صعوبة هو توقيت انتشار الفيروس، حيث إنه جاء عقب معرض القاهرة الدولي للكتاب، وفي هذا التوقيت يركز معظم الناشرين المصريين، على أن يكون إنتاجهم السنوي مواكباً للمعرض، وفرص توزيع هذا الإنتاج تكون من خلال معرض القاهرة.

وبالنسبة إلينا في «آفاق للنشر والتوزيع» - الكلام للشيخ - تسبب الفيروس بانكماش إنتاج الدار السنوي إلى أكثر من 75 % من حجم الإنتاج المقرر، لتوقف الإيرادات التي كانت متوقعة من عائدات المشاركة في المعارض، أو من خلال الموزعين والمكتبات، أيضاً تم إغلاق الدار لمدة ثلاثة أشهر متواصلة، وعمل حجر صحي للعاملين فيها، إضافة إلى توقف حركة الشحن من، وإلى جميع الدول العربية.

وفي تصوري الشخصي - يقول الشيخ - أن تأثير فيروس كورونا في قطاع النشر سوف يمتد فترة طويلة، حتى يستطيع هذا القطاع أن يتعافى مرة أخرى، ويعود إلى سابق عهده، وإلى الآن لا يزال الأمر غير واضح: هل سيتم استئناف المعارض مرة أخرى؟ إلى الآن المعرض الوحيد المقرر إقامته هو معرض الشارقة الدولي للكتاب، ويعقد أوائل الشهر المقبل من 4 إلى 14 نوفمبر/ تشرين الثاني، تحت ضوابط وشروط صارمة، لتحقيق التباعد الاجتماعي.

ظاهرة التزوير

يكشف وائل الملا - المدير المسؤول عن دار مصر العربية للنشر والتوزيع - أن صناعة النشر في العالم العربي تعاني مصاعب كثيرة، ولعل بدايات هذه المعاناة، كانت في عام 2008 مع الأزمة المالية التي عصفت بالعالم ككل، وتأثرت بها المنطقة العربية، واستمرت المعاناة مع المتغيرات التي أخذت بالظهور: تقليص الميزانيات، خروج العديد من المكتبات والموزعين من الصناعة، ما أدى إلى تفاقم مشكلة التوزيع، التي يعانيها الناشر العربي منذ عقود، كذلك ظاهرة تزوير الكتب، والقرصنة على الإنترنت، خاصة مع صعود نجم الناشرين والمؤلفين، الذين يخاطبون الشريحة الأهم والأكبر من القراء العرب، ألا وهم الشباب.

ويشير وائل الملا إلى أنه في بداية هذا العام، كان معرض القاهرة الدولي للكتاب، ولظروف كثيرة، أهمها الكثافة المعتادة للحضور، وعدم وصول الوباء إلى مصر حينها، ناجحاً بكل المقاييس، بعده أقيم معرض الدار البيضاء، وكان الأمر كالمعتاد، مشاركة معقولة، لكنها ليست كبيرة، نظراً لحجم المكان المقام فيه المعرض، ونجاح مقبول للمشاركين، وإقبال من الجمهور المغربي، المعروف بثقافته وقراءاته النوعية المعتبرة.

كل هذا كان كالمعتاد، لكن التأثير بدأ مع معرض مسقط الدولي للكتاب، الذي أقيم في ظل ظروف خاصة، نظراً لرحيل السلطان قابوس بن سعيد، وبطبيعة الحال لم يكن الفيروس غائباً عن المشهد، حيث كان يقترب بسرعة من المنطقة، والإصابات بدأت بالظهور، ما أدى إلى إحجام الجمهور عن الحضور.

من يعمل في صناعة النشر - يؤكد وائل الملا - يعلم جيداً أن المعارض هي مصدر الدخل الأساسي لأغلب الناشرين، وأن إلغاءها يؤدي إلى تعسر كثير من الناشرين، وإحجامهم عن إصدار عناوين جديدة، وهذا في عالم النشر مأساة، حيث إن الناشر العربي يعتمد في الأساس، في مشاركاته وتوزيعه، على الإصدارات الجديدة.

تعويض

إن مسألة عودة الأمور لنصابها تتوقف على إرادة الحكومات في دعم صناعة من أهم الصناعات، التي من شأنها زيادة الوعي وتثقيف المواطن العربي، من ذلك تخفيض الضرائب والجمارك على خامات الورق والأحبار ومستلزمات الطباعة، بشكل واقعي، هذا الدعم لو وجد فسوف يمنح الناشر العربي بعض الوقت والاستمرار، لكن في النهاية يظل العبء الأكبر للتعويض والعودة للحالة الأولى على عاتق الناشر وحده.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y66spyr7