المتأمل في إسلامنا الحنيف يجد كل مبادئ الطب النفسي، الوقائي، والطب البدني المقترن بالخلق القويم، والإيمان الراسخ، والصفاء النفسي، وطهارة القلب واليد، ويجد فيه ما يكفل الحياة الراقية، وما يدعو للنهوض والتقدم والارتقاء والازدهار والتعمير، والمنهج الإسلامي يمتاز في صنع التقدم بارتباطه بالقيم الأخلاقية، فالتقدم الإسلامي يختلف عن التقدم الغربي الذي سار بالعالم نحو المادية والأنانية حيث تكيل دول كبرى بمكيالين وتنصر الظالم، وتشجع العدوان .
وفي ربوع الإسلام يشعر الإنسان بالأمن والأمان والاستقرار، وللأمن ضروب شتى، فهناك الأمن الجسدي، والأمن الغذائي، والأمن العقلي والأمن الاقتصادي، والأمن النفسي وهو أهمها .
ويقصد بالأمن النفسي تحرر الإنسان من مشاعر الخوف، والهلع، والفزع والرهبة، وتوقع الخطر والأذى، وأن يكون مطمئناً على نفسه في حاضره وغده، متمتعاً بالتكيف النفسي، والشعور بالرضا عن ذاته، وعن المجتمع، وأن يكون على علاقة وانسجام ووئام مع نفسه، ومع المجتمع .
والأساليب التي سلكها الإسلام لتحقيق الأمن النفسي تتمثل فيما يلي:
1- البعد عن مواطن التهلكة: نهى المشرّع الحكيم سبحانه وتعالى عن الوقوع في الهلاك محذراً بقوله عزّ وجلّ: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وحذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخروج أو الدخول إلى أرض فيها الطاعون، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخولها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وفي التوعية البيئية والحماية من آثار التلوث، ونقل العدوى والجراثيم، جاء النهي عن التغوط في طريق الناس، وظلّهم، وموارد الماء، ونحوها .
قال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا اللاعنين . قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلّهم .
ولا يخفى على كل ذي بصيرة ما تعانيه اليوم بقاع كثيرة من مشكلة تلوث المياه، والهواء، وما ينجم عنه من آثار ضارة بصحة الإنسان الجسمية والعقلية والنفسية .
وفي إطار الهدي الإسلامي الخالد جاء النهي عن البصاق في المسجد، والأمر بإزالته منه - إذا وجد فيه - والحرص على نظافة وطهارة المسجد، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، وقال أيضاً: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، وإنما هي لذكر الله تعالى، وقراءة القرآن .
ويرشد الإسلام سلوك المسلم في كل مناحي حياته، ويعلّمه الحيطة والحذر، وتجنب الأخطار، كما يعلمه البعد عن الإسراف والتبذير، وقد جاء في باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه، سواء كانت في سراج أو غيره، قوله صلى الله عليه وسلم: لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون . وقال أيضاً: غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا السراج فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً، ويذكر اسم الله عليه فليضع، فإن الفويسقة (الفأر) تضرم (تحرق) عن أهل البيت بيتهم .
2- تكامل الرجل والمرأة: إن الرجل والمرأة على الرغم من اختلاف طبيعتهما، إلا أن الله تعالى خلقهما متكاملين - أي يكمل كل منهما الآخر - ومثل هذا المفهوم يبعث على الراحة النفسية، والتمتع بكمال الصحة العقلية والنفسية، ولا شك في أن الخلاف في النظر إلى حقوق الرجل والمرأة، يثور من عدم الفهم الحقيقي لطبيعة كل منهما ومن عدم النظر إليهما على أنهما متكاملان لا متعارضان، ولكل منهما وظيفته المكملة لوظيفة الآخر، والأسرة قوامها المودة والرحمة والسكينة، فالبيت مكان يسكن إليه الإنسان، - أي يجد فيه الهدوء والاستقرار، والمحبة والسكينة - وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بقول الله عز وجل: (ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) . وفي إيراد كلمة (من أنفسكم) دلالة نفسية عميقة على وحدة أصل الرجل والمرأة، وغنيّ عن البيان أن كثيراً من الأمراض النفسية والعقلية تنتج عن الجو الأسري غير الصحيح، وغير الصحي، وعن العلاقات المتأزمة بين الرجل والمرأة، أو من جراء فقدان الثقة، واحتدام الخلاف والتنافس بينهما، أو اللجوء للسيطرة والسطوة، والتسلط .
3- التحلي بمكارم الأخلاق: يدعو ديننا الإسلامي إلى حسن الخلق الذي يؤدي بدوره إلى الصحة النفسية وإلى حسن العلاقات الاجتماعية، وإلى التماسك الاجتماعي، والتعاون والأخذ والعطاء، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ويجمع هذا الحديث البر في حسن الخلق: البر بما يتضمنه من العطف والحنان، والشفقة والرحمة والكرم، ولقد وردت كلمة (البر) في القرآن الكريم بمعنى التقوى، قال تعالى: (ولكن البر من اتقى)، والتقوى بدورها كلمة جامعة، فسرها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بقوله: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل . ويشرح القرآن الكريم معاني البر، حيث يجعله أساس العقيدة والعبادة والمعاملات، والسلوك الحسن والسوي يقول تعالى (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرف والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وبالملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) .
ويحث الإسلام على التحلي بالصبر، وهو الصبر عن مشتهيات الطبع، ومقتضيات الهوى والصبر فيه معاني العزوف عن الشهوات والملذات المحرمة، وعكس حالة الصبر النفسية، حالة مَرضية هي الجزع والهلع، والصبر يحمل معاني ضبط النفس، والتحكم في الانفعالات، والعواطف، والصبر في القتال شجاعة، وفي كظم الغيظ يسمى حِلْما .
وعلى ذلك، فإن أكثر أخلاق الإيمان تدخل في الصبر .
ومن السمات الطيبة التي تحفظ على الإنسان صحته النفسية (الزهد)، ويعرّفه الإمام الغزالي بقوله: ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه، فينقادان لباعث الدين، وإشارة الإيمان .
4- التزام الاحتشام: وذلك اهتداء بقوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً) (الأحزاب: 59) فالحجاب مانع من التعرض للأذى، وفيه حماية للمرأة والرجل، وليس صحيحاً أن الاحتشام يقيد من حرية المرأة الشخصية، بل إن الفوضى، وترك الحبل على الغارب، وإطلاق غرائز الإنسان مدعاة إلى الإصابة بالأمراض النفسية .