يحقق التعلم النشط (التعاوني) فوائد جمة حيث يحصل المتعلمون خلاله على تعزيزات كافية خلال عملية التعلم، كما أنه يجبرهم على استرجاع معلومات من الذاكرة ربما من أكثر من موضوع ثم ربطها ببعضها بعضاً، وهذا يشابه المواقف الحقيقية التي سيستخدم فيها المتعلم المعرفة، كما يبين التعلم النشط للمتعلمين قدرتهم على التعلم من دون مساعدة سلطة خارجية، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم والاعتماد على الذات، ويساعدهم على تغيير صورة المعلم بأنه المصدر الوحيد للمعرفة، ويتعلمون من خلاله مهارات التفكير العليا والإبداع، فضلاً عن تعلمهم كيف يعملون مع آخرين يختلفون عنهم، كما يتعلمون استراتيجيات التعلم وطرق الحصول على المعرفة .
يطبق عدد كبير من مدارس أبوظبي الحكومية والخاصة أسلوب التعلم التعاوني الذي يعرف بأنه استراتيجية تدريس تتمحور حول الطالب، حيث يعمل الطلاب ضمن مجموعات غير متجانسة لتحقيق هدف تعليمي مشترك بحيث يسمح لهم العمل سوياً والتعاون بفاعلية ومساعدة بعضهم بعضاً لرفع مستوى كل طالب منهم لتحقيق الهدف التعليمي المشترك .
ويولي مجلس أبوظبي للتعليم المدارس مسؤولية مساعدة الطلاب على متابعة التعلم، والاهتمام بتشجيعهم على الإقبال على الدراسة وعلى أمور حياتهم بأساليب أكثر إبداعاً، حيث وجه الجهود التربوية إلى أهمية تتبع البيئة في إذكاء روح الابتكار والإبداع والقيادة والتواصل وبناء الثقة، لجعل المجموعات التعليمية مجموعات فاعلة .
كما اهتم بتدريب المعلمين وتطوير مهاراتهم من خلال وضع برامج تدريبية تساهم في ارتقاء المعلم بأدائه وفق المعايير التربوية العالمية، وكذلك توفير البيئة التعليمية بهدف تنمية الإنسان وزيادة الإنتاجية داخل الفصول الدراسية .
ثقافة التعلم
في البداية يقول الدكتور صالح الجرمي مدرب مهارات التفكير، المحاضر في الأساليب التربوية والمهارات الحياتية: أصبح من الواضح اليوم أن على المدرسة أن تكون مؤسسة تُعلم وَتَتعلم، فهي تعلم عندما توفر فرص التعلم للمتعلمين، وَتَتعلم عندما يقوم فيها الإداريون والمعلمون بمتابعة الجديد في مجالهم، أو دراسة ما يواجههم من مشكلات وقضايا ومعالجتها في سبيل تحسين تعلم المتعلمين، مع تأكيد أهمية التعلم التعاوني من قبل المعلمين، كونه مفهوماً يعتمد على استراتيجية تستهدف تطوير العمل التربوي من خلال تحسين أداء المعلم المهني والقيادي .
إن التركيز على مفهوم التعلم التعاوني نظريّاً وتطبيقيّاً يساهم في الارتقاء ببرامج النمو المهني للمعلمين، إضافة إلى محاولة ترسيخ اقتناع المعلمين بأهمية ممارسة التعلم التعاوني كمدخل في تطوير أسلوب إدارة الفصل .
والبيئة المدرسية، وكذلك البيئة الصفية التي تشجع على بناء ثقافة التعلم تتطلب تعديلاً جوهرياً في النموذج التربوي الذي يسود في مدارسنا اليوم، ففي النموذج التقليدي يتم التأكيد على التعليم حيث يكون الدور الرئيس فيه للمعلم، أما في النموذج المعاصر فيكون الدور الرئيس في التعليم للمتعلم، وهناك مفهوم شامل يسمى بالتعلم النشط الذي يقابله التقييم القائم على الأداء لبلورة الاتجاه المعاصر في التربية واللذين لهما أثر بالغ في بناء ثقافة التعلم .
إن ربط محتوى التعلم بقضايا المتعلمين ومشكلاتهم وواقعهم يُمَكنهم من مواجهة التحديات التي من الممكن أن تواجههم في حياتهم الواقعية، كما انهم يتعودون على استخدام المعرفة في مواقف حياتية حقيقية، ودور المتعلم في التعلم النشط يتغير، فهو مشارك نشط في العملية التعليمية/ التعلمية، حيث يقوم بأنشطة عدة تتصل بالمادة المتعلمة، مثل البحث، والقراءة، والكتابة، وطرح الأسئلة، والمناقشة، وحل المشكلات، كما ان دور المعلم في التعلم النشط يتغير أيضاً، فيصبح موجهًا ومرشداً ومسهلاً للتعلم، ولا يكون بالتالي مسيطراً على الموقف التعليمي كما في التعليم التقليدي، كما أنه لا ينسحب من الموقف التعليمي، بل يديره إدارة ذكية بحيث يوجه المتعلمين نحو الهدف منه، وهذا يتطلب منه الإلمام بمهارات مهمة تتصل بطرح الأسئلة، وإدارة المناقشات، وتصميم المواقف التعليمية المشوقة والمثيرة، وغير ذلك .
عصف ذهني
انتصار علي صلاح - معلمة لغة عربية - في مدرسة مبارك بن محمد بأبوظبي قالت: يمكن تعريف التعلم التعاوني إجرائياً بأنه الأسلوب المتبع من قبل معلم الفصل في استخدام طريقة المجموعات الصغيرة داخل الفصل، وإتاحة فرصة العصف الذهني بين الطلاب في داخل كل مجموعة، حسب موضوع الدرس من المقرر، وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة كالسبورة الذكية والحاسب الآلي أمر مهم لتعزيز هذا النوع من التعليم حيث إنها وسائل تقنية جاذبة للطالب، وقد تم إدخالها حالياً في مدرستنا لطلبة الصفوف الدنيا لما لها من تأثير فاعل لشد انتباه الصغار كما أنها تعطي فرصة للمعلم في تقديم المعلومة بأسلوب سلس وشائق إضافة إلى أن هذه الوسائل تساعد على تعزيز الفهم وبقاء المعلومة في ذهن الطالب .
إن مجموعات التعلم التعاوني تستهدف الارتقاء بتحصيل كل عضو إلى الحد الأقصى إضافة إلى الحفاظ على علاقات عمل متميزة بين الأعضاء، فيما في التعلم التقليدي يتجه اهتمام الطلاب فقط نحو إكمال المهمة المكلفين بها، وفي مجموعات التعلم التعاوني يتم تعليم الطلاب المهارات الاجتماعية التي يحتاجون إليها (القيادة، بناء الثقة، مهارات الاتصال، فن حل خلافات وجهات النظر)، ونجد المعلم في مجموعات التعلم التعاوني دائماً يلاحظ الطلاب، ويحلل المشكلة التي ينشغل بها الطلاب ويقدم لكل مجموعة تغذية راجعة حول أدائها، فيما نجد في التعلم التقليدي نادراً ما يتدخل المعلم في عمل المجموعات .
ممارسة القيادة
وقالت بهيجة طربيه معلمة أحياء للصفوف التاسع وحتى الثاني عشر في مدرسة خاصة: التعلم التعاوني تكون نتائجه أفضل إذا ما طبق على طلبة المراحل العليا، حيث يتم تقسيم طلبة الفصل إلى 6 مجموعات بحسب حاجة المادة وعدد الطلبة، خاصة أن هناك فروقاً طلابية منها الممتاز والجيد والمتوسط والضعيف أيضاً، وتكلف كل مجموعة بحل التطبيق الموكل إليها من خلال المشاركة الجماعية والعمل بروح الفريق الواحد للتوصل إلى حل التمرين وبذلك يتعلمون من بعضهم بعضاً، ويتبادلون الخبرات والآراء حول المشكلات وإيجاد الحلول لها .
إن المعلم مكلف بتقسيم الوقت الزمني للحصة الدراسية على شكل مراحل، ويحددها في قيادة الفصل الدراسي، وإتاحة الفرصة للطلاب بممارسة القيادة للمجموعات داخل الفصل، والمشاركة في إدارة المجموعات، بغرض زيادة إنتاجيتهم التحصيلية، ورفع درجة المشاركة، وتحمل المسؤولية الجماعية بين الطلاب أنفسهم .
أمل جديد
وفي إطار وصف التعلم التعاوني قالت معلمة الرياضيات سعاد علي: الطلبة يشعرون أحياناً بالعجز أو باليأس وبالإحباط، وعندما تتهيأ لهم الفرصة ليعملوا مع زملاء لهم ضمن فريق عمل فإن ذلك يفتح لهم نوافذ من الفرص ويعطيهم الأمل ويجعلهم يشعرون بأنهم أكثر قدرة والتزاماً نحو عملهم .
إن الطلاب يبدون اهتماماً ببعضهم بعضاً، ويظهرون التزامهم نحو نجاح كل منهم وهذا يعني أن الموقف التعليمي يصبغ بطابع تعاوني، حيث نراهم يتخذون قراراهم بالإجماع، والتعلم التعاوني لا يعني أن يجلس الطلاب جنباً إلى جنب على الطاولة نفسها ليتحدثوا مع بعضهم بعضاً، بل إنه ينبغي منهم العمل لإنجاز المهمة المكلف بها كل فرد منهم، وأن على أولئك الذين ينتهون أولاً مساعدة زملائهم الأقل إنجازاً .
بيئة تعلم صفية
ويقول محمد محمود الرزج مدير مدرسة بني ياس الدولية الخاصة: الفرد في تعلمه يؤثر ويتأثر بالبيئة المحيطة به، وخاصة بيئة التعلم، وذلك يتحقق من خلال تعدد جوانب التفاعل المختلفة داخل مجموعات التعلم التعاوني ما يساعد على تحقيق تعلم افضل . والتعلم التعاوني يعتبر بيئة تعلم صفية تتضمن مجموعات صغيرة من الطلاب المتباينين في قدراتهم ينفذون مهام تعليمية، وينشدون المساعدة من بعضهم البعض .
وينبغي أن يتعرف المعلمون إلى استراتيجية هذا النوع من التعليم، ويتدربوا على استخداماتها الصفية، لكونها واحدة من الاستراتيجيات التي تساعد الطلاب على زيادة تعلمهم وتواصلهم واكتسابهم المهارات الاجتماعية اللازمة للنجاح في الحياة، كما أنه يؤدي إلى زيادة التحصيل الدراسي والإنتاجية في أداء الطلاب، والتأكيد على العلاقات الإيجابية بينهم، وتحسن الصحة النفسية وتقدير الذات .
إحساس بالمسؤولية
وقالت عفراء المربوعي مشرفة الصف الإلكتروني في مدرسة الأمين بأبوظبي: لكي يكون الموقف التعليمي تعليماً تعاونياً يجب أن تتوفر فيه عدة عناصر ومكونات منها المشاركة الإيجابية بين الطلاب بحيث يشعر جميع أعضاء المجموعة بالارتباط حيال نجاح أو فشل شركائهم، وتشجعهم على مراقبة زملائهم في المجموعة ومساعدتهم ليحققوا تقدماً تعليمياً، أما التفاعل المعزز فهو أن يقوم كل فرد في المجموعة بتشجيع وتسهيل جهود زملائه ليكملوا المهمة ويحققوا هدف المجموعة، ويشمل ذلك أيضاً تبادل المصادر والمعلومات فيما بينهم بأقصى كفاءة ممكنة وتقديم تغذية راجعة فيما بينهم .
إن إحساس الفرد بالمسؤولية يعتبر عنصراً مهماً لتعزيز الموقف التعليمي لكي يكون تعليماً تعاونياً، كما أن وضع طلاب غير ماهرين اجتماعياً ضمن مجموعة تعلم ومطالبتهم بالتعاون مع زملائهم لن يحقق نجاحاً يذكر، حيث يجب أن يتعلم الطلاب مهارات العمل ضمن مجموعة المهارات الاجتماعية اللازمة لإقامة مستوى راقٍ من التعاون والحوار .
قدرات طلابية متفاوتة
محمد مرسي عبدالكريم معلم الرياضيات بمدرسة الغزالي الحلقة الثانية يقول: أفضل أن تتضمن مجموعة التعلم طلاباً ذوي قدرات عالية، وطلاباً ذوي قدرات متوسطة، وطلاباً ذوي قدرات منخفضة في الوقت نفسه، حيث إن هذا التنوع في القدرات سوف يتيح مجالاً أوسع للتفاعل بين الطلاب .
إن التعليم التعاوني يستند إلى نظريات متعددة منها نظرية التعلم المعرفي والتعلم السلوكي وجميعها عبارة عن منظور نظري ذي أبعاد متنوعة تقود إلى البحث العلمي في التعلم التعاوني الذي يجعل عمل المتعلمين ديناميكياً ذا تفاعل مستمر .
والمعلم في هذا النوع من التعليم يلعب دور الموجه لا دور الملقن وعليه تحديد الأهداف التعليمية وتشكيل المجموعات التعليمية وتعليم الطلاب مهارات العمل في المجموعات الصغيرة .
التخطيط الجيد للحصة
حول عوائق التعلم التعاوني أكد سالم خميس مبارك مدير مدرسة الاتحاد الثانوية أن المعلم يجب أن يستعد للحصة الدراسية من حيث التخطيط الجيد لها، ووضع الهدف المنشود منها للخروج بنتائج مثلى تتمثل في استفادة الطلبة وسير الحصة الدراسية دونما أي ازعاج أو فوضى، مشيراً إلى أن التدريب الكافي للاستخدام الفاعل للتعلم التعاوني، كما أن توفير مساحات واسعة في الصفوف والوسائل التعليمية المساعدة أمر ضروري لهذا النوع من التعليم .
وقال إن الدراسات والأبحاث النظرية والعملية أثبتت فاعلية التعلم التعاوني، من حيث مساعدته على رفع التحصيل الأكاديمي والتذكر لفترة أطول، واستعمال أكثر لعمليات التفكير العليا، وزيادة الأخذ بوجهات نظر الآخرين وزيادة الدافعية تحو التعلم واحترام أعلى للذات وخلق مساندة اجتماعية أكبر واكتساب مهارات تعاونية أكثر .