الروح والنفس لفظان ورد ذكرهما في القرآن الكريم عدة مرات، وقد خاض علماء التوحيد والعقيدة والتفسير في شرحهما، فهل هما لفظ واحد أم أن كل لفظ له دلالة تختلف عن دلالة اللفظ الآخر؟ وما العلاقة بينهما؟ وهل توجد فوارق بينهما؟ هذا ومن الصعب وضع تعريف محدد لكل منهما، ولكن العلماء قد وضعوا وصفاً تقريبياً لكل منهما حسب اجتهاداتهم .
كانت الروح ولا تزال مجهولة لدى الإنسان، وهي مثار جدل ونقاش بين الفلاسفة تارة، وبين علماء الأحياء والكيمياء والطب تارة أخرى، فالفلاسفة يهتمون بالأمور الميتافيزيقية، أي ما بعد الطبيعة وما وراءها، وأما علماء الإحياء والكيمياء والطب فإنهم يهتمون بالتشريح وتركيب المواد وتحليلها، إلا أنهم جميعاً لم يصلوا إلى أي نتيجة ولن يصلوا لأنهم لم يعتمدوا على القرآن الكريم، فقد اختصها الله عزوجل لنفسه، حيث يقول سبحانه وتعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلاً (الإسراء: 85) ولهذه الآية الكريمة سبب نزول مفاده أن أناساً سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، وكانت الروح مجهولة لدى أصحاب الديانات السابقة، فلم يكن لدى الرسول صلى الله عليه وسلم علم ولا معرفة بحقيقة الروح، فجاء الجواب في هذه الآية الكريمة قاطعاً واضحاً صريحاً، وقد حاول علماء التوحيد إعطاء وصف عام تقريبي للروح فقالوا: إنها ذات مجردة عن المادة، وإنها جسم نوراني علوي يغاير الجسم المادي ويسري فيه سريان الماء في العود الأخضر، وهو لا يقبل التحلل والانقسام، وهناك وصف تقريبي آخر: إن الروح هي الطاقة التي بثّها الله في الخلق من كائنات حية على وجه الأرض فتحركها وتجعلها تتكاثر وتجعل الخلايا تنقسم، وعندما تموت الخلية فإن هذه الطاقة المحركة تكون قد استنفذت . ويمكن أن نتخيل الروح على أنها ذبذبات غير مرئية ولا يمكن قياسها ولا إدراكها بأي جهاز، ولكن يمكن أن نرى وندرك نتائج وجودها، فهذه الذبذبات الروحية هي التي تحرك الخلايا وتدفعها للانقسام والاستمرار في حياتها . فكل ما يعرفه العلماء عن الروح أنها تحل في الجسم فتدب فيه الحياة ويظهر فيه الإدراك والوعي والتفكير والعلم والإرادة والاختيار، وإنها حين تفارق الجسم يتحول إلى مادة جامدة كسائر المواد، ويكون الجسم حينئذ عرضة للتحلل والاندثار .
النفس هي الهالة التي تحيط بالجسم وتلتصق به ولا تغادره، وهي منوطة بأعمال الإنسان وأقواله بل بحركاته وسكناته، ويمكن القول إن التكاليف الشرعية العملية مرتبطة بالنفس، فإذا كانت النفس مهذبة وصالحة فإن ذلك ينعكس إيجاباً على الأخلاق والسلوك والتصرفات، وإذا واصل الإنسان جهاد نفسه فإنه يتغلب على الهوى ويرتفع عن النقائص ويبتعد عن الحسد والغيبة والنميمة والخصومات والأحقاد، يقول عز وجل: ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها (الشمس: 7 10) فالإنسان يكون فالحاً إذا زكى نفسه وطهرها بالأعمال الصالحة وبالاستقامة . وعكس ذلك يكون الإنسان خائباً وهابطاً حين تكون نفسه خبيثة ودنيئة .
ومن العلماء من يعد الروح والنفس شيئاً واحداً لأن النفس ترد في النصوص الشرعية ويراد بها الروح، أحياناً تطلق النفس ويراد بها الروح والجسد معاً . وأقول إن هذا الإطلاق من قبيل المجاز وليس الحقيقة . ونستطيع القول إن الروح شيء والنفس شيء آخر، مع وجود علاقة وارتباط بينهماعلى النحو الآتي:
إن النفس تموت لقوله عز وجل كل نفس ذائقة الموت (آل عمران: 185)، أما الروح فإنها لا تموت وتصعد إلى بارئها، أي أن الروح في عالم مجهول بالنسبة لنا .
إن النفس تموت مرتين: أ مرة حين النوم فإذا نام الإنسان قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، حيث إن النائم يتنفس، وقلبه ينبض . فالنفس يتوفاها الله عز وجل أثناء النوم أي يأخذها . ثم يعيدها حين الاستيقاظ أي تعود لتلتصق به لحظة الاستيقاظ، وتتم العملية الربانية بسرعة فائقة يمكن أن تكون أسرع من الضوء . وهذا من مظاهر الإعجاز . ب تموت النفس حين تفارق الروح الجسد، فيقول الله رب العالمين: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (الزمر: 42) . والمراد (حين موتها) أي حين تفارق الروح الجسد .
يقول عز وجل على لسان سيدنا عيسى عليه السلام تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك (المائدة: 116) فلم يقل الله (روحي) بدلاً من (نفسي) للدلالة على أن الروح غير النفس، حيث إن النفس هي مدار التكليف والأعمال والأقوال .
يقول سبحانه وتعالى ونفخت فيه من روحي (الحجر: 29) ولم يقل (من نفسي) للدلالة على أن الروح غير النفس .
يقول رب العالمين فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (فاطر: 32)، ولم يقل لروحه للدلالة أيضاً على أن النفس غير الروح .
إذا استعرضنا الآيات التي لها علاقة بالقتل نجد أنها مرتبطة بالنفس، ولم تذكر أي أية لها علاقة بالروح فيقول سبحانه وتعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق (الأنعام: 15) و(الاسراء: 33) وهناك خمسة عشر موضعاً في القرآن الكريم يربط القتل بالنفس، ولا تذكر الروح في هذا المجال حيث إن الروح لا تعرف حقيقتها ولا كنهها فلا يقع عليها القتل وهذا يؤكد أن الروح غير النفس .