الشاعرة الإماراتية.. قصائد عند باب الحلم

03:09 صباحا
قراءة 6 دقائق
يوسف أبو لوز

إذا كان لكل امرئ من اسمه نصيب؛ فللشعر أيضاً نصيب من الجغرافيات والأمكنة التي يولد فيها، وفي العالم ثمة مدن شعرية، وأخرى روائية أو سردية، وفي المقابل ثمة مدن رمادية لا لون لها ولا أصوات، ولا رائحة، وهذه لا تنتج أدباً في الغالب؛ إذ تسكنها الرياح والظلال.
تتميز الإمارات بنعمة الأمكنة وتنوعها فهي تقوم على ثلاث بيئات حيوية ومتقاربة بيئة البحر وبيئة الصحراء وبيئة الجبال، وفي هذه البيئات الثلاث يولد الشعر من الماء والرمل والحجارة، وأجمله ما يولد على يدي امرأة، كأن المرأة في حد ذاتها قصيدة، أو هي صانعة القصيدة أو الملهمة الأكثر غزارة وخصباً من وادي عبقر.

ترى.. أكان بابلو نيرودا، هو بابلو نيرودا المكتمل والغزير والعالمي لو لم يكن يحب ماتيلدا، مرة ثانية المرأة القصيدة، وهل كان يمكن للويس أراغون أن يكون أراغون الغنائي، الشفاف، العالمي أيضاً لولا إلزا التي حوّلته إلى ناي أو إلى قميص أبيض في هواء طلق.
وراء كل قصيدة عظيمة امرأة عظيمة، ووراء كل شاعر كبير امرأة كبيرة في معناها الإنساني والأنثوي والفكري وفي الإمارات لم تكن المرأة ملهمة فقط؛ بل كانت أيضاً في قلب مملكة الشعر، ويعود ذلك إلى سنوات بعيدة إلى أكثر من ٤٠٠ عام عندما قالت سلمى ابنة الماجدي بن ظاهر:
تقول فتاة الحي أنا بنت ابن ظاهر
مثايل كل الشعراء هذوا بها
لي سفت الشعراء خوص مضاعف
تنقيت من خوص الخوافي قلوبها
(المصدر: أمير الشعراء النبطي الماجدي بن ظاهر. للدكتور فالح حنظل)
هذه هي أول قطرات الشعر النبطي أو من أول القطرات على لسان امرأة، أبوها شاعر فذّ، له صيت، ولم يمنعها من قول الشعر بل أطلق لها حرية القول.. وكان الشعر يقال ولا يكتب في مراحل من مراحله، إلى أزمان لاحقة كان فيها التدوين مرتبطاً بالكتابة.
أدوار لافتة
عرفت الإمارات نساء شاعرات قبل عشرات ومئات السنوات، هناك مدونات وشهادات ووثائق لبحاثة ومؤرخين، تقول إن المرأة في الإمارات عرفت القراءة والكتابة في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، أمّا الغريب والمذهل حقاً أن بعض النسوة كن يقصصن الأثر على الرمل وعلى الحجارة والبعض منهن عرفن الغوص على اللؤلؤ ومن النساء الإماراتيات القديمات من حاربن البرتغاليين والإنجليز، وكان شعر المرأة دائماً محاذياً لهذه الوقائع التي سجلت فيها المرأة الإماراتية دور البطلة والفارسة والشهيدة.
الشاعرات القديمات برعن في النبطي أولاً، وهذه ظاهرة تستحق البحث والدراسة، وفي رأيي لم يتطرق إليها أحد بمنهجية بحثية علمية حتى الآن، لكننا من وقت إلى آخر نقرأ بحوثاً تشير إلى أسماء نسائية إماراتية قليلة كانت تضاهي الرجل في قول الشعر.
يذكر الباحث حماد الخاطري أن إحدى النساء بعدما مات زوجها وتزوجها بعده آخر قالت:
تعوضت عقب الشاكري جريده (أو يريده)
ومن عقب شاهين الرجال غراب
والشاكري هو الرمح والجريدة: سعفة النخل والشاهين كما هو معروف هو الصقر.
ويورد الخاطري أيضاً قصيدة لشاعرة إماراتية تزوج زوجها بامرأة أخرى
ابتع ظعون الحي وأسير
وأنوح وتليع شرى أم طوق
عقب عشير له مظاهير
تبع الهوى والود مرفوق
وأم طوق هو الحمام المطوق، ومرفوف:ممنوع ومحظور.
وتقول صبرة بنت محمد بن حم العامري كما يذكر الخاطري:
يا صاحب الخير
حيد شورك شديد
خليتني أرعى
أربع مقاييد
شرق النبيبيغ
وغريبي الذيد
خلاف الأقاويش
لي طرفهن مديد
المعاني:
أحيد: أعرف وأذكر.. والحياد الخبر اليقين
مقاييد: الإبل المقيدة
النبيبيغ: اسم مكان في بادية الشارقة
خلاف: بعد
الأقاويش: الإبل
مديد: ممتد كناية عن الكثرة.
ويورد الباحث والشاعر سالم الزمر في بحثه المهم (النبطي الفصيح) بيتين للشاعرة شيخة بنت محمد
يا بن علي لا تصور شمات
وتكدر قلوب مهازيف
اسمع جوابك هوب ثبات
عند الأجانب والمعاريف
والمهازيف: القلوب التي فيها خفة وضعف بحسب شرح الزمر.
لكن الشاعرة الإماراتية لم تكن نبطية فقط، بل هي راوحت بين عمود الخليل بن أحمد الفراهيدي (الشعر البيتي) وبين قصيدة التفعيلة وبين قصيدة النثر، وقبل أن أقدم شبه خريطة حول هذه الأشكال الشعرية الثلاثة بأقلام نسائية إماراتية يجدر القول إن الشاعرة الإماراتية حصلت على الكثير من التكريمات والتشجيع والرعاية من المؤسسات الثقافية في الدولة، وقبل ذلك حظيت المرأة الإماراتية بالتعليم المدرسي والجامعي والتعليم العالي، والمرأة الإماراتية اليوم تسهم في قطاع صناعة الكتاب بدور نشر محلية محترمة، ونقلت إبداعات شعرية إلى بعض اللغات العالمية بترجمات محدودة، ولكنها تشير إلى حيوية الشعرية الإماراتية النسوية، نضيف أيضاً أن الصوت الشعري النسائي الإماراتي وصل إلى المراتب المتقدمة في جائزة شعرية كبرى، مثل جائزة أمير الشعراء في أبوظبي التي استقطبت ٢٥ شاعرة عربية وصلت اثنتان منهن وهما إماراتيتان إلى المقاعد القريبة من إمارة الشعر، الأولى الشاعرة زينب عامر وهي من مواليد عام ١٩٨٢، ومن روحها الشعرية هذا الاقتباس:
بي بعض ما قالت اللامية الكبرى
لتاريخ العرب
بي حزن يافا
وانكسار شموخ بغداد الجواء
وبحر قزوين المسود في خرائط أطلسي
الشاعرة الثانية التي لمعت أيضاً في مسابقة أمير الشعراء كانت هدى علي السعدي وتكتب العمودي والتفعيلي في آن ومن لغتها الشعرية:
شمس أنا وجناحي الأقمار
كم ظل عني للقلوب نهار
وغفت على موجي البحار حزينة
إن البحار تضيع حين تثار
لم ألتهب إلا وحول مراكبي
جيش سلاح رجاله الإيثار
أضلاع ثلاثة
يمكن لهذه العتبة من خلال هاتين الشاعرتين اللتين أبديتا حضوراً في هذه المسابقة العربية واسعة الانتشار، أن تكون مدخلاً إلى المشهد الشعري الإماراتي النسوي بأضلاعه الثلاثة العمودي والتفعيلي وقصيدة النثر، ومنذ البدء يلاحظ أن الكثير من الشاعرات الإماراتيات يزاوجن بين الخليلي والتفعيلي، ولعل أبرز مثال على ذلك الشاعرة صالحة غابش، وقد ظهرت هذه المزاوجة مبكراً عندها في مجموعة «بانتظار الشمس» وتكتب صالحة دائماً نصاً محكوماً إلى تقاليد ونظم الوزن الشعري التفعيلي بإيقاع غنائي شفاف.
من الشاعرات اللواتي يوافقن بين الخليلي والتفعيلي نقرأ هذا النص للشاعرة شيخة المطيري:
«حبلى كل تعاريج الفجر
دعاء وحماما
ويد قاب رحيل تفتح باب النور..
وتقول سلاما...»
ولقد أوردت هذا المقطع خصيصاً لكي أشير إلى أن هناك أحياناً ما يشبه شعرة معاوية بين الخليلي والتفعيلي أو بين العمودي والتفعيلي عند الشاعرة الواحدة، أي أن الوزن قائم والقافية قائمة والاختلاف فقط هو في عدد التفعيلات في كل سطره، وإن كان من إضافة هنا وهي إضافة اجتهادية لا أكثر ولا أقل قابلة للتأييد أو الرفض أو الحوار، وهي إذا كانت القصيدة الخليلية توصف بالعمودية فيمكن إذاً وصف قصيدة التفعيلة بالأفقية وذلك نظراً لتخلصها من بنية الصدر والعجز التي تتخذ بصرياً بناء عمودياً، كما أن قصيدة التفعيلة تخلصت من العدد المحدود في تفعيلات البحر الواحد، فأمكن لك أن تقرأ سطراً طويلاً فيه خمس تفعيلات متتالية وتقرأ سطراً آخر فيه تفعيلتان مثلاً، وهذا التفاوت في طول الأسطر هو ما يمكن أن يدعم ويؤيد وصف القصيدة الأفقية.
أقول هنا إن الشاعرة الإماراتية وعت جيداً الأشكال الشعرية واستوعبت تحولات القصيدة العربية منذ أربعينات وخمسينات النصف الأول من القرن العشرين على يد بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري وصلاح عبد الصبور وغيرهم ممن يطلق عليهم الرواد واتصلت الشاعرة الإماراتية بالثقافة النقدية العربية وتمهلت في الكتابة ولم تقفز على المراحل وبالتالي أنجزت نصاً منفتحاً على التجديد والحياة المعاصرة.
هذه النقطة الأخيرة تأخذنا إلى قصيدة النثر النسائية في الإمارات ورموزها الأولى شعراء وشاعرات معروفون ولهم دور بالغ الأهمية في ترسيخ هذه القصيدة لكننا هنا نشير بقوة إلى اسمين مهمين حمدة خميس وظبية خميس، الأولى حمدة منذ مجموعتها الأولى «اعتذار للطفولة» وحتى اليوم تنسج لغة نورانية مملوءة بالحياة والحب والكبرياء، وتواصل الكتابة وتشحنها بمعنى الماء دائماً ذلك أنها امرأة الشمس والهواء والإنسانية العاشقة للحياة:
تقول:
«انهض الآن
انهض الآن يا سيدي
وتمهل قليلاً
ودعني احصي نجومك
وإما تماهيت بالكون
يغدو عصيا على امرأة
اسكنت في الغياب
ان تعد النجوم»
الشاعرة ظبية خميس قاصة ومترجمة ورفيعة الثقافة تكتب قصيدة نثر حرة وحيوية تعكس روحها الباحثة دائماً عن المعنى الإنساني للعالم منذ أن بدأت معمارها الشعري القصصي في نهاية سبعينات القرن العشرين وحتى اليوم.
الهواء الطلق
إن قصيدة النثر هي بحق قصيدة المرأة في الإمارات.. ولذلك فنحن أمام صف عطري طيب اللغة وعالمي الصورة، الهنوف محمد، ميسون القاسمي، نجوم الغانم، وخلود المعلا.. شاعرة القفز والجري في الهواء الطلق تقول:
«اقفز فوق الصمت
اصعد الظلمة المسكونة بالنجم
عند باب الوصل أجد القمر غفا
فأبقى هناك
معلقة في الحلم..»
تحتاج قراءة صورة المرأة الشاعرة في الإمارات قبل هذه القراءة الانطباعية المتدرجة تحتاج إلى مختبر نقدي عملي ينصف هذه التجربة الشعرية المتقدمة أسلوبياً وجمالياً على تجارب خليجية، بل ومتقدمة أيضاً على بعض التجارب الشعرية العربية في ساحات ثقافية تستحوذ عليها ثقافة ذكورية أحياناً ويتجلى ذلك على نحو استفزازي في النقد الأدبي الذي يضع بعض كتابه المرأة دائماً في الدرجة الثالثة من عربات القطار، والأنكى من ذلك أنه هو الذي يقود القطار مسرعاً فلا يتسنى له مثلاً أن يسمع صوت امرأة مثل «أنا اخماتوفا» التي كانت تطعم الحمام من يدها وتهمس:
«مثلما يتوق الظل إلى الانسلاخ عن الجسد
مثلما يتوق الجسد إلى الانفصال عن الروح
هكذا أنا اليوم
أتوق يا عشاقي الكاذبين
إلى أن تنسوني..»

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"