الشاعر الفرنسي لامارتين: دراستي لسيرته أعظم حدث في حياتي

قالوا عن رسولنا
12:45 مساء
قراءة 3 دقائق

فيلسوف، وخطيب، ورسول، ومشرع، وقائد، وفاتح أقطار الفكر، ورائد الإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المعقولة الموافقة للذهن واللب، ومؤسس دين لا وثنية فيه ولاصور ولارقيات باطلة، ومنشىء عشرين دولة في الأرض، وفاتح دولة في السماء من ناحية الروح و الفؤاد . . ذلكم هو محمد . فأي رجل لعمركم قيس بكل هذه المقاييس التي وضعت لوزن العظمة الإنسانية كان أعظم من محمد؟ وأي إنسان صعد هذه المراقي كلها، فكان عظيماً في جميعها غير محمد؟ محمد أقل من إله، وأعظم من إنسان عادي، أي أنه نبي .

هكذا يقول الأديب والشاعر والسياسي الفرنسي الفونس دي لامارتين . كان لامارتين ينتمي إلى طبقة النبلاء الارستقراطية في فرنسا ذات الامتيازات الضخمة وعلى الرغم من ذلك أصبح من كبار مؤيدي الثورة الفرنسية . سافر إلى الشرق، وزار بيروت، والقدس، وعمل في السفارة الفرنسية في ايطاليا . ثم أصبح عضواً في البرلمان الفرنسي، ثم عضواً في الحكومة الفرنسية المؤقتة . وكان خطيباً مفوهاً . ومن أشهر إبداعاته الشعرية مجموعة بعنوان: تأملات شعرية .

مراتب الكمال

وضع لامارتين كتاباً عن: تاريخ تركيا . وهو يشتمل على ستة مجلدات . وقد خصص مقدمته للحديث عن نبي الإسلام، وعن السيرة النبوية، وسيرة الصحابة، وذلك بهدف التعريف بالأصول الدينية والفكرية للدولة العثمانية التي يقوم بدراسة تاريخها . ومثلما فعل ابن خلدون عندما كتب مقدمته لكتاب: المبتدأ والخبر، فأصبحت المقدمة أشهر من الكتاب . كذلك أصبح كتاب لامارتين: حياة محمد، أشهر من كتاب: تاريخ تركيا .

كتب لامارتين حياة محمد بعد أن جاوز الستين من عمره، وبعد أن ترك العمل بالسياسة، وابتعد عن الشعر . والحقيقة أن هذا الكتاب ظل زمناً من الأعمال غير المشهورة للشاعر لامارتين، وذلك بسبب ما ورد فيه من آراء عن الإسلام . فحينما صدرت الطبعة الأولى عام 1854 قوبل بالرفض من المتعصبين ضد الإسلام، ووجهت إلى لامارتين تهم تصل إلى حد الإلحاد والكفر . أما لامارتين نفسه فيقول: أعظم حدث في حياتي هو أنني درست سيرة رسول الله محمد، وأدركت مافيها من عظمة وخلود . فأي رجل أدرك من عظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد؟ وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثلما بلغ؟ .

صدق العقيدة

قال لامارتين يخاطب قومه: أترون أن محمداً كان أخا خداع و تدليس وصاحب باطل؟ أقول كلا، بعدما وعينا تاريخه ودرسنا حياته . إن الخداع والتدليس والباطل كل ذلك من نفاق العقيدة . وليس للنفاق قوة العقيدة، وليس للكذب قوة الصدق .

وإذا كانت قوة الصعود والمرمى في علم الطبيعة والحركات الآلية هي المقياس الصحيح لقوة المصدر الذي تنفذ منه الرمية ويظهر في الأفق من القذيفة، فإن العمل والفعل الذي يحدثه المحدث في علم التاريخ وسجل الخلود وكتاب الإنسانية، هو المقياس الصحيح لمقدار الوحي وقوة القلب والوجدان والفكرة السامية العالية التي تنفذ إلى مكان بعيد، وتبقى زمناً طويلاً، وتمشي في الحياة رخية . ولاريب أن ذلك ينطبق على محمد ورسالته والوحي الذي نزل عليه . فإن حياته وقوة تأمله وتفكيره وجهاده، ووثبته على خرافات قومه وجاهلية شعبه وخزعبلات قبيلته، وإن شهامته وجرأته وبأسه في لقاء مالقيه من عبدة الأوثان، وان ثباته وبقاءه ثلاثة عشر عاماً يدعو دعوته في وسط أعدائه وخصومه في قلب مكة ونواديها ومجامع أهلها، وإن تقبله سخرية الساخرين وهزء الهازئين، وإن حميته في نشر رسالته وتوفره عليها، وإن حروبه التي كان جيشه فيها أقل من جيش عدوه، وإن وثوقه بالنجاح وإيمانه بالظفر وإعلاء كلمة الله، وإن اطمئنانه ورباطة جأشه في الهزائم وأناته وصبره حتى يحرز النصر، وإن تطلعه إلى إعلاء الكلمة وتأسيس العقيدة الصحيحة لا إلى فتح الدول وإنشاء الإمبراطورية وإقامة القيصرية، ونجواه التي لاتنقطع مع الله، ثم قبض الله إياه إلى جواره مع نجاح دينه بعد موته، كل ذلك أدلة على أن محمداً لم يكن يضمر خداعاً أو يعيش على باطل، بل كان وراءه عقيدة صادقة، ويقين مضىء في قلبه . وان هذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة ألا وهي وحدانية الله، وتجرد ذات الله عن المادة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"