الشعر الشعبي بوصفه حاملاً للإرث الثقافي

تحول من النظرة المثالية إلى الواقعية
05:19 صباحا
قراءة 6 دقائق

تشكل فنون الشعوب وآدابها مدخلاً لأكثر من قراءة على مستويات متعددة، فمهما كانت سمات تلك الفنون والآداب، فإنها تبقى في مجملها انعكاساً لخصائص الحياة المتنوعة التي تميز إلى حد كبير بين شعب وآخر، وبين بيئة وأخرى، وبين سايكلوجية عامة تتمايز عن سايكلوجية شعب آخر، لذا فقد ظلت الفنون والآداب مدخلا لقراءة طبيعة التشكل التاريخي الموضوعي للثقافة بوصفها تكثيفا لمجمل البنى الأخرى، وخاصة الفكرية منها .

وفي هذا السياق يمكن النظر إلى الشعر الشعبي في الإمارات ومنطقة الخليج بكونه حاملاً للإرث الثقافي، وما ينضوي تحته من علامات، وموضوعات، وأنماط حياة، وعادات وتقاليد، وغيرها من المكونات التي لا يمكن فصلها عن الإرث الثقافي الذي تتمرآى فيه السمات العامة لثقافة المنطقة في روافدها الأساسية .

إذا كانت الصحراء قد شكلت الفضاء الحياتي للشاعر، فإنها أيضا زودته من مكنوناتها بمجموعة من الصفات التي انعكست في أشعاره، ومنها الصبر في المحن، أو الصبر على فراق الأحبة، أو الصبر على متطلبات النفس، ما جعل الصبر واحدة من الخصائص التي وسمت الشعر الشعبي كونها تحاكي ما تراكم في الوجدان العام على مر العصور، نتيجة لتجربة تاريخية طويلة للإنسان في المكان الذي تشكل منه، لذا قلما نجد شاعراً لم تكن مفردة الصبر أو ما يدل عليها من مفردات غائبة عن شعره حتى أن الشاعر الإماراتي عبيد الكعبي كتب قصيدة بدأ جميع أبياتها بكلمة صابر وقال فيها:

صابر ولو جارت عليّ الليالي

دوم أتلقاها وقلبي صبور

صابر واتذكر وطر مضى لي

أجوب العالم للبقايا أزور .

يشكل الصبر في قصيدة الشاعر الكعبي مفتاحاً لقراءة مزدوجة للشخصية في إطارها التاريخي والبيئي، فمن جهة تصبح سمة الصبر طابعاً أصيلاً للشخصية، وهو ما يظهر من التأكيد على تلقي ما يحدث له بنوع من التوقع دوم أتلقاها وقلبي صبور وكأن ما يحدث من مصائب أو نوائب هو أمر طبيعي، وهو ما يحيل بالطبع إلى التوحد مع ما شكّلته الصحراء على الدوام من عالم مفتوح على المجهول، ومن جهة أخرى يتحول الصبر إلى سلاح لدى الكائن/ الشاعر الذي يرى أن تجاوز المحن لا يتأتى إلا بالصبر على شدتها، من دون أن يعني ذلك عدم التأثر الداخلي وهو ما يظهر في حالة الحنين إلى عالم الاستقرار الذي يبقى حالة منشودة دائما، كما أن الصبر لا يلغي أيضا الإحساس بالفجيعة أجوب العالم للبقايا أزور، وهكذا يصبح الصبر كخاصية إنسانية تمرس عليها إنسان الصحراء شكلاً من أشكال قراءة الحياة والتفاعل معها من خلال مفرداته الحسية والمعرفية .

لم تنعكس سمة الصبر فقط على القضايا العامة، وإنما تحولت إلى سمة أخلاقية أيضا في التعاطي مع المشاعر الذاتية والوجدانية، وهو أمر برز بشدة في الشعر الشعبي الذي كان ناقلاً أميناً لتلك الصورة التي يتعاطى فيها الشاعر، ليس فقط بوصفه فرداً، وإنما أيضا بوصفه صوت الجماعة، مع الشعور باعتباره شأناً لا يخص فقط الذات، وإنما أيضاً يخص الجماعة التي ينتمي إليها، فلم يسمح الشاعر الشعبي لنفسه أن يبوح بصراحة بالكثير من مشاعره تجاه الآخر المحبوب، وكان من المعيب أن لا يصبر على كتمان مشاعره، وإلا اعتبر الإفصاح الصريح عن تلك المشاعر ضرباً من التعدي على المنظومة القيمية للجماعة، وهو ما نراه في أشعار الكثيرين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر محمد بن مصبح:

الصبر لك غاية النيلي

في كتاب الحب لاجنه

كان ما لك في الصبر حيلي

يوز واعتاض البدل عنه .

ويريد الشاعر من البيتين السابقين أن يقول للمحب أن الصبر جزء من مفهوم الحب ذاته وكلمة لاجنه تعني لاقيه، حيث قلب حرف القاف جيما، ومن ثم ينصح المحب بأنه إذا شعر بعدم قدرته على الصبر أن يتخلى عن الحب، وهو ما يشير إلى أن الشعر الشعبي كان سجلاً حافظاً لجملة العادات والتقاليد الاجتماعية، وللتجربة الجماعية في تعاطي أفراد الجماعة مع القيم العامة التي ترسخت عبر أزمنة ممتدة .

لقد فرضت حياة الصحراء شكلاً من أشكال التفكير المثالي في تصور الرجل للمرأة، حيث أسبغ عليها الكثير من الصفات التي استقى وصفها من مفردات البيئة ذاتها، ومن قدرة الخيال على بناء صورة أقرب إلى الكمال، وقد كان الشاعر مضطراً نظراً إلى طبيعة الحياة، وإلى جملة المعايير الاجتماعية والأخلاقية أن يترك في معظم الحالات مجال الوصف غير محدد بامرأة بعينها، لأن ذلك ينافي طبيعة العقد الاجتماعي المتفق عليه بين أفراد الجماعة، والذي يعتبر أمراً غير قابل للجدل أو النقاش، وفي الحقيقة أن هذا الأمر لا يرتبط فقط بالصحراء من حيث كونها فضاء مكانياً، وإنما مرتبط بطبيعة المنظومة القيمية، والتي قد نجد لها شبيهاً في فضاءات مكانية أخرى، إلا أن ميزة الصحراء أعطت الشاعر القدرة على التأمل في اللامتناهي، ما غذا خياله بقوة الوصف، وهو ما نجده عند الكثير من الشعراء الذين استخدموا مفردات محددة من البيئة في وصف الآخر/ الحبيب، مثل السيف، والبرق، والريم، وغيرها من عناصر البيئة، وهو ما نجد له مثالاً في قول الشاعر أحمد بن عبد الله بن حميد السويدي:

مدهم والراس ميالي

أسمر جاني على حلّه

والخدود بروق شعالي

كمّت الآفاق نور له

والخشم بتار الآجالي

مثل سيف ناجل ايسله

والمعنّق جيد يفالي

هوب سيحي ريم رملٍ له .

والأمر ذاته ينطبق على وصف الشاعر سليم بن عبد الحي في استخدامه لمفردات البيئة لوصف المحبوبة، حبث نجد نوعاً من التشابه إلى حد كبير في الأشياء الموصوفة، وفي الصفات، والأمر هنا يتعدى ضيق القاموس لدى الشعراء، إلى التفاعل بين مختلف المكونات التي يتفاعل معها الشاعر:

قوسك حجاج واللواحظ شفا لي

فيهن سهم موت ووتر ونبال

والأنف يشبه صارم يوم سلي

في كف شغموم من القوم سردال

في غرته نورٍ شعل واشتعل لي

صبحٍ تنفس عنه ضاوي الدجى مال .

وفي نظرة إلى التحولات التي طرأت على المجتمعات في الإمارات وبلدان الخليج العربي، فإننا نرى أن الشاعر الشعبي تأثر بتلك التحولات بأشكال مختلفة، خاصة لجهة الحنين إلى الماضي، حيث راحت الكثير من مفردات البئية تفقد مع الزمن تأثيرها المعنوي على الأفراد، وبما أن الشاعر أكثر حساسية للجوهر الشعوري لتغيرات الحياة، فإن أحكام القيمة التي يشكلها شعره سلباً أو إيجاباً ما هي إلا خير تعبير عن المتغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمع، وانعكست في تغير أنماط العيش والسلوك، والعادات والتقاليد، وكلها تعبيرات ثقافية بامتياز، وهو ما نجد مثالا عليه في واحدة من قصائد الشاعر حميد النحو:

لي عنّ لي عن طرواهم

واذكرت وقت فات

ربع نشينا وياهم

على حسن حالات

ما حسنوها لحاهم

ولا ألبسوها ياغات

يا بو علي شرواهم

ما ينلقى هيهات

من الواضح أن الشاعر يشعر بالندم على الزمن الفائت ورجاله مقارنة بالشباب الجدد الذين خرجوا في عادات لباسهم ومظهرهم عمّا كان متعارفاً عليه، والتحقوا بركب الحياة الجديدة على مستوى المظهر، الذي يرى الشاعر أنه تعبير عن قيم وعادات جديدة راحت تغير القيم القديمة التي اعتادها الناس وتربوا عليها نشينا وهي من النشأة، حيث تربى الشاعر وأقرانه الذين يقول إن الزمن لن يوجد أمثالهم في تمسكهم بالعادات التي أخذوها عن الآباء والأجداد .

من جهة أخرى لقد أفرزت الحياة الجديدة نظرة مختلفة إلى المرأة، حيث أصبحت في عرف بعض الشعراء إنساناً يتوجب عليه تقديم مشاركة كاملة في بناء الحياة الجديدة من خلال العمل، الذي يمهد له التعلم والمعرفة، وهو أمر يشير إلى أن الشعر الشعبي بدأ يتلمس الاحتياجات الجديدة لمجتمعاته ويتفاعل معها، وهو مدرك تماماً لدور الشعر الشعبي في الوجدان الجمعي وقوته على التأثير في ما يمكن أن نسميه الرأي العام، حيث كان هذا الشعر على الدوام مشاركاً في صناعة ذلك الرأي، بل وموجها له في كثير من الأحيان، ونحن نجد مثالاً واضحاً في قصيدة للشاعر علي بن رحمه الشامسي حيث يقول:

قالت اكتب مهنتي ربة وطن

واتخذ من شعلة افكاري منار

أمنياتي للعذارى يعملن

سيدات العلم ربات الديار

في بنى الأوطان لو هن شاركن

ما بها تعيب داعز وفخار

كاتبة أو ناظرة أو عدة مهن

للعلا والتقدم والازدهار

بالوفا نوفي لمن هن أرضعن

بالوفا نجزي لهن خير الثمار

ارضعنّا في المهد حب الوطن

كبر هذا الحب واصبحنا كبار .

إن الأبيات السابقة تنم عن جدل مهم في العلاقة بين السبب والنتيجة فالشاعر يعترف بأن النساء هن من علمن الأطفال الذين كبروا وأصبحوا رجالاً، وأن ما هو مهم في نهاية المطاف رفعة الوطن وازدهاره، وهو ما يتحقق من خلال عمل المرأة والرجل على حد سواء.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"