نقول إن الحرية هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: إِنا عَرَضْنَا الاْمَانَةَ عَلَى السمَاواتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً، وهو قول يحتاج إلى إثبات، وعليه أكثر من اعتراض .
وأول هذه الاعتراضات القول إن القرآن الكريم يذكر لنا مخلوقاً آخر يعيش مع الإنسان في الأرض، ويخبرنا بأن هذا المخلوق حر مختار مكلف مثله مثل الإنسان، وهم الجن، بل إن آيات كثيرة من الكتاب الحكيم تتوجه بالخطاب إلى الإنسان والجن جميعاً، باعتبارهم من المكلفين المخاطبين بكلام الله وتكاليفه: يَا مَعْشَرَ الْجِن وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ منكُمْ يَقُصونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرتْهُمُ الْحَيَاةُ الدنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (الأنعام: 130) .
ولا شك في أن الجن مخلوق مبتلى مثل الإنسان يملك الحرية والإرادة المختارة، ومسؤول عن فعله وعمله أثناء حياته الأرضية، وأنه مبعوث يوم القيامة ويحاسب، ومنهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير خالدون فيها كالإنسان سواء بسواء: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنمَ كَثِيراً منَ الْجِن وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأعراف: 179)، وهذا معناه أن القول إن الأمانة التي حملها الإنسان هي الحرية ينافي حقيقة الواقع حين يوجد مخلوق آخر غيره ومبتلى مثله بالضبط .
وهي، والحالة هذه، ليست خاصية ينفرد بها الإنسان صار له بها ما صار من تكريم واستخلاف وابتلاء ومكانة فريدة على قمة المخلوقات في الأرض .
والحق أن هذا قول صحيح، ولكن ينقصه أن الأمانة عرضت على الإنسان ولم تعرض على الجان .
الحرية المطلوبة والموهوبة
وقد جاء قبول الإنسان لأن يكون حراً مختاراً، أي قبوله للأمانة قبولاً لعرض من الله هو مخير فيه كما خيرت بقية المخلوقات التي شملها موضوع العرض .
فالإنسان لم يكن في عالم الجبر، وانتقل منه إلى عالم الاختيار، ابتلاء من الله بل العكس هو ما حدث حيث نشأ مختاراً، أما الجان فقد انتسب إلى عالم الجبر، وبقي فيه مختاراً إلى أن أخرجته معصيته من هذا العالم، فخروج الجان من الجبر إلى الاختيار جاء بطريقة المعصية .
ومجمل القول إن الحرية التي وهبت للإنسان كانت عرضاً من الله، أما الحرية التي ابتلي بها الجان فكانت طلباً وإصراراً على معصية الله . والفارق كبير بين حرية موهوبة، وأخرى مطلوبة، بين حرية هي أمانة لدى المودعة عنده، وأخرى هي بالأحرى خيانة للأمانة التي كانت عنده .
وتفصيل ذلك أن إبليس لم يكن موجوداً في عرض الأمانة، فقد كان والملائكة مخلوقين من قبل الإنسان .
كانت الملائكة ولا تزال في الوجود الجبري: لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وكان إبليس معهم في ذلك الوجود الجبري، فقد توجه إليه الخطاب والأمر بالسجود لآدم، ولا شك في أن الملائكة تلقت الأمر بالسجود باعتباره أمراً واجب التنفيذ، بينما تلقاه إبليس باعتباره أمراً تخييرياً، ودفعه إلى ذلك دافع الغيرة والحسد والحقد نتيجة اختيار الله سبحانه وتعالى لكائن آخر غيره لهذه المكانة الخطيرة، مع صلاحيته لها وأفضليته على الإنسان حسب مزاعمه، فرفض الأمر بالسجود، وأعلن أفضليته على الكائن المختار للاستخلاف، معرضاً بأصله الطيني، وممتدحاً أصله الناري، ومفضلاً الأصل الناري على الأصل الطيني: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين .
خرج إبليس من هذا الوجود الجبري الذي لا يعرف غير الطاعة إلى عالم الابتلاء الذي يكون للمبتلى فيه حرية أن يعصى أو يطيع .
إن خروج إبليس من الوجود الجبري وتركه صفوف الملائكة وسائر المخلوقات الكائنة بالأمر الكوني إلى الوجود الابتلائي الحر قد تم باختياره وحريته، وذلك حين رفض السجود لآدم غير مجبر ولا مضطر، حيث كان يستطيع أن يسجد منفذاً لأمر الله، متعاملاً معه باعتباره أمراً كونياً واجب التنفيذ منه، كما تعاملت الملائكة معه . كما أن رفضه الطاعة وإقدامه على المعصية اختياراً من دون مانع خارجي عن ذاته، يعني دخوله عالم الحرية والابتلاء اختياراً أيضاً، وذلك يقابل قبول الإنسان للأمانة باختياره .
هذا عن الاعتراض الأول، وهناك اعتراض آخر على كون الحرية هي الأمانة يقول إن هذا التفسير هو خروج على مفهوم اللفظ ومستلزماته ومقتضياته .
وديعة مستردة
ونحن مع القائلين إن مفهوم الأمانة حتى لو كان غيبياً فلا بد أن يوافق مدلولات ومستلزمات الأمانة المعروفة لنا نحن البشر، وتسليمنا بذلك قد يجعل هذا الاعتراض صحيحاً ويسقط القول إن الحرية هي الأمانة، حيث الأمانة في أبسط تعريف لها هي وديعة مستردة وعلى هذا يبني البعض اعتراضه على كون الحرية هي المقصود بالأمانة، فالحرية في نظر هؤلاء لا تصلح لأن تكون وديعة مستردة، فالتكليف بالنسبة إلى الإنسان هو مطالبته بتأدية الأمانة وتسليمها كما هي من دون إتلاف أو نقصان أو تحريف أو تغيير أو تبديد، وهذا هو معنى أن الأمانة وديعة مستردة يعطيها صاحبها ومالكها إلى من يقبلها قبولاً اختيارياً ليستردها صاحبها حيث يشاء، كما هي، بشرط أن يكون متقبل الأمانة أهلا لذلك، وحراً ومسؤولاً، وبشرط تحمله مسؤولية التبديل أو الإتلاف أو التغيير أو التبديد .
وقبل أن نرد على أصحاب هذا الرأي، نقول: إن هذا الكلام نفسه ينفي إمكانية أن تكون الأمانة هي ما ذهبت إليه كتب التفسير من قبل، حيث إن الطاعة لازمة من لوازم التكليف، والتكليف مترتب على حمل الأمانة، وهي الأوامر والتعليمات التي بها يستطيع الإنسان أن يحافظ عليها .
والذي فسرها بالعبادة غير دقيق، حيث إنها جزء من التكاليف أو هي تنفيذ التكاليف .
والحق فيما نرجح أن الحرية هي الأمانة التي أودعها الله بين يدي الإنسان وأن فيها معنى الوديعة المستردة .
ذلك أن الإنسان الحر إذا دخل في العبودية لله، فقد استرد الله وديعته لدى الإنسان، فعبودية الإنسان لله هي رده للأمانة واستمساكه بالعهد وتنفيذه لميثاقه مع ربه، وكفر الإنسان هو تفريطه في الأمانة، حيث استخدم حريته التي أعطاها له إلهه في الكفر بهذا الإله .
الكفر ليس ستراً لوجود الله، فوجود الله أجل من أن يستر وأوضح من أن يخفى بل هو خروج من طاعة الله، خروج من عبادة الله، خروج على ميثاق الله، عدم وفاء من الكافر بالأمانة التي أودعها الله لديه .
والحرية ليست هي المقابل اللغوي للعبودية وفقط، بل إن العبودية هي الاسترداد المادي للحرية، كأن الله أعطى الإنسان الحرية ليكون حراً بالعبودية له وحده، لن يكون حراً من يكون عبداً لشهواته، لأنها ستستعبده، ولن يكون حراً من يكون عبداً لهواه، ولن يكون حراً من يكون عبداً للسائد والعادة، ولما وجد الناس عليه آباءهم من فساد في الدنيا والدين، وعلى الجملة فلن يكون حراً من كان عبداً لغير الله . فعبد الله هو الحر الحقيقي، وكلٌ عبدٌ لما هو عبد له، عبد الهوى، وعبد الشيطان، وعبد المال، وعبد الشهوة، وكلها عبودية تنحط بالإنسان وتنزل به إلى دونية حيوانية، وتنزعه من التكريم الذي كرم به، وتخرجه من دائرة الاستخلاف الذي أؤتمن عليه .