العقاب الإيجابي خطوة نحو الشخصية السوية

أحد أساليب التربية العصرية
17:52 مساء
قراءة 6 دقائق
تحقيق: علي كامل خطاب
بناء مجتمع واع ومدرك لأخطار المستقبل ومسؤولياته، لا يمكن أن يكون مجرد تصورات يراها المربون، وأوهام تستند في كثير من الأحيان إلى خرافات وخيالات، لا تستند إلى واقع، فانتظار الصغار من الأبناء أو الطلاب الدارسين ليخطئوا، لتكون فرصة سانحة لإنزال أشد العقاب به أمر مستهجن، ولا يبني شخصية واعية ومدركة لمسؤولياتها في المستقبل، ما سيلقي بتبعاته على المجتمع في ما بعد . إن الاحتراز من انحراف الشخصية التي نقوم بتقويمها وتربيتها، لتكون مجاديف، تدفع مركب المستقبل إلى الأمام، كفيل بأن يبني جيلاً قادراً على جعلها ترسو بسلام على سيف الحضارة .
العقاب المفيد أو التعزيز الإيجابي، كما يعرفه التربويون والمهتمون بعلم نفس الطفل، خطوة أولى نحو إدراك الهدف السامي من التربية، وهو تكوين الشخصية السوية التي يرنو إليها المجتمع، ومن دون الاستناد إلى الدوافع والمبررات التي تسيغ للآباء والمربين معاقبة أبنائهم، واستكشاف المحركات الكامنة وراء ضربهم وإنزال أشد العقاب بهم، ويجب الإشارة إلى الأخطار الكامنة وراء هذه السلوكيات الخطأ التي يرتكبها البعض في تربية الأبناء، وأثناء ما يقومون به، في مسيرة التربية .
تقول د . زينب صبري (طبيبة) إن الأثر النفسي الواقع على الطفل جراء إنزال العقاب به، خاصة إذا كان جسدياً، يسبب الإيذاء الشديد له، سواء كان من الوالدين أو ممن يكبره من الإخوة أو حتى المعلمين .
وتضيف صبري أن العقاب لا بد أن يكون بسيطاً لا يترك أثراً إذا كان عارضاً لخطأ ما ارتكبه الطفل، أما العقاب المتكرر يومياً من قبل أشخاص، لهم علاقة مباشرة مع الطفل، فيكون سلبياً ويترك أثره الواضح في الشخصية التي نأمل أن تكون شيئاً ذا قيمة في المستقبل، فيصبح الطفل عدوانياً، أو انعزالياً، أو عصبياً وينعكس سلوكه السلبي على أقرانه وزملائه .
وترى صبري أن اللجوء إلى العقاب، لابد أن يكون متدرجاً، ويناسب الخطأ الذي ارتكبه الطفل ولا يتعداه، فيبدأ بالتأنيب، ثم حرمانه من المكافأة المقررة في حال نجاحه في عمل شيء ما وفي حال تقصيره .
وتلفت صبري الانتباه إلى أن السلوك السيئ الذي يرتكبه الطفل، ربما يصدر نتيجة مرض عضوي، ولكن الوالدين أو المعلمين والقائمين على التربية، لا يضعون ذلك في الحسبان، ففرط النشاط الحركي يعد مرضاً، وكذلك قلة الانتباه، وربما يكون بسبب فقر الدم، ولابد من الاستعانة بطبيب في حال استمر الأمر وتعدد وقوعه، فهو في هذه الحال يحتاج إلى معاملة خاصة ورعاية .
وعن البدء في اللجوء لطبيب في حال كرر الطفل ما يستحق العقاب، أو سلوك معين، قالت صبري: نحن جميعاً نتمتع بحاسة الأمان والخطأ ونعرف من خلالها أن ما يقوم به الطفل طبيعياً أم لا، وخاصة أن هناك من الأبناء من نجده ذا مزاج متقلب بين الهدوء وفرط الحركة، وبين الانطواء والانبساط .
ويقول عبيد الله خلف (موظف) إن ما يهمني نتيجة العقاب تعليم الأبناء الاعتراف بالخطأ في حال وقوعه، ويأتي بعد ذلك دور التوجيه، بجعل العقاب إيجابياً من خلال (إقناع الطفل بأن ما قام به خطأ فعلاً) وكيفية استغلاله بصيغة تربوية وتعليمية، بعيداً عن العنف والإساءة المباشرة .
ويضيف خلف أن الانتباه في التعامل مع الطفل أثناء عقابه أمر ضروري، فربما ما نعتقده سلوكاً حسناً وعقاباً إيجابياً ربما يترك أثره السلبي فيما بعد، فالمعلم الذي يطلب من المخطئ حل عشر مسائل رياضية تكفيراً عن خطئه، أو قراءة رواية وكتابة ملخصها، ربما يرتبط هذا السلوك بذهن الطفل على أنه تكفير لخطئه، فتتكون لديه تجارب سيئة، حين تتبدل المعايير لديه، فيصير كارهاً للقراءة وللحساب، والمذاكرة، لأنها ارتبطت في مخيلته بشيء سلبي .
كما يرى خلف أن للإعلام دوراً، ربما يكون سلبياً في هذا الأمر، فعند عقاب المراهق الذي أقبل على التدخين، يجد فيما تقدمه الأعمال الدرامية (البطل المنتصر يدخن سيجاراً)، وإن كان مضمونها إيجابياً .
وعن تجنب التعرض للعقاب المسيء جسدياً ونفسياً، يرى خلف أن اختيار الانسحاب سلوكاً في بعض المواقف يكون طريقة بناءة وأكثر تأثيراً في سلوك المربي وعملية إصلاحه، والاكتفاء بإظهار دلالات الغضب وعدم الرضا، أما التحول الإيجابي الذي يمكن أن يستغله المربي في مثل هذه الحال، فيكون عن طريق العقاب الإيجابي، أو التعزيز الذي يحول سلوكه الخطأ إلى صحيح، واستغلال الموقف الإيجابي لصالحه .
ويضيف مراد محمد (معلم رياضيات): المعلم كأي شخص يتعرض لمسؤوليات صعبة في الكثير من الأحيان، يزيد من صعوبتها استشعاره بواجباته نحو المتعلمين وخطورة المسؤولية، وما يترتب عليها من نتائج، ولذلك يتصرف في بعض المواقف بطرق غير متوقعة وخارجة عن المعتاد من السلوك بإنزال العقاب على الطلاب المسيئين، أو ممن لا يسايرون أقرانهم في التعلم، أو مخالفي السلوك المدرسي، فتجده يلجأ للضرب وممارسة العنف .
ويرى محمد أن تحويل المواقف السلبية إلى إيجابية في التربية واستغلالها لغرس سلوك إيجابي في الطلاب أو الأبناء أمر مهم، لأن الكثير من المواقف السلبية تتكرر بصورة يومية، ويمكن للمعلم أو الوالدين استغلالها من خلال تعزيز السلوك، أو ما يسمى بالعقاب الإيجابي الذي يترك أثره واضحاً في المتعلم، ويضيف أنه رأى معلماً يعاقب المسيئين من الطلاب بكتابة جملة "أنا مؤدب" لعدد من المرات، وقراءتها بصوت عال أمام الطلاب، مما قد ينعكس إيجاباً على نفسه .
ويرى محمد أن من الأساليب التربوية في استخدام العقاب الإيجابي أيضاً والذي يقوم به بعض المعلمين، حين يخطئ الطالب في حل مسألة رياضية، إشراكه مع مشرف الرحلات المدرسية بجمع الاشتراكات وإحصائها ويكون مسؤولاً مسؤولية تامة عن المصاريف بالرحلة، حتى العودة .
وعن المواقف التربوية المربية، حين ارتكاب سلوك خاطئ أيضاً بالتعزيز والعقاب الإيجابي، يقول محمد: طلب معلم مادة العلوم من أحد الطلاب شعر بأنه بدأ حديثاً في مرحلة التدخين، بعمل تجربة علمية يطلب منه إيضاح أثر التدخين في الرئتين من غير أن يعلمه بسابق معرفته، بكونه أصبح أحد المدخنين، وكانت النتيجة الإقلاع التام عن التدخين، بعد التعرف إلى الأضرار التي تلحق بالجسد والتي تكون نتيجتها الموت .
ويضيف لو أن المعلم قام بمواجهته مباشرة بعلمه بأنه من المدخنين ونهره، ما حاول الطالب الابتعاد عن التدخين، ولصارت النتائج سلبية .
الأثر السلبي الواقع على الطفل، حين يتعرض للعقاب السلبي "الضرب مثلاً من الوالدين أو المعلم" أنه تنتابه مشاعر الخوف من الأب ويقتنع اقتناعاً كبيراً بأنه غير محبوب من الوالدين أو المعلمين، بحسب أنيسة صابر، (ربة منزل)، مضيفة: يتسرب إليه الفزع والخوف وانعدام الأمن والطمأنينة .
وتؤكد صابر أن الطفل يرى في الوالدين الحصن الذي يحميه، فإذا ما فقده يستشعر بأنه تخلى عنه، وصار معرضاً للخطر المحدق به من جميع جوانبه، وفي هذه الحال، لا يمكنه أن يستوعب أي توجيه من الوالدين .

القمع يضر

علي عباس "خبير تربوي" يرى أن معظم الآباء والأمهات اعتادوا على استخدام أساليب التوبيخ والانتقاد والصراخ لتصحيح أخطاء أطفالهم، أما أساليب الثناء والتشجيع على القيام بالأعمال الجيدة، فإنها تبدو غير مألوفة، وكان عليهم أن يجعلوا من الثناء عادة لتصحيح الأخطاء، ومن العقاب الإيجابي طريقاً للعودة للمسار الصحيح . ويضيف عباس أننا يجب أن نعامل الطفل على قدر عمره، لا على أنه رجل كبير، كما يرى جان جاك روسو، وأن نظهر المواقف المربية ونستغل أخطاءهم في إرساء دعائم السلوكيات الصحيحة لديهم، وجعلها محطات في حياتهم، يمكنهم الوقوف عليها وتذكرها عند التعرض لموقف مشابه .
ويرى أن الشخصية القمعية التي يتصف بها كثير من الوالدين والمربين، نتيجة ضغوط العمل والإرهاق الشديد أو اختيار الوقت غير المناسب من بعض الأمهات، بالإبلاغ عن أخطاء أولادهم، تعد دافعاً قوياً من قبل الوالد لارتكاب سلوك غير تربوي، وربما غير مبرر في كثير من الأحيان، تكون عاقبته وخيمة . ويؤكد عباس أن العقاب الإيجابي الذي يتضمن التوجيه الشفوي والاشتراك في الأنشطة الصفية وغير الصفية، وإشغال الطالب، بما يزيد قدراته وينمي مواهبه، من علوم ومعارف، يكون سبباً في بناء شخصية سوية بعيداً عن القمع والإرهاب الضرب والإيذاء الذي لا يخلف إلا شراً، غير أنه لا يقضي على ارتكاب الخطأ كلياً من جانب الابن، بل يزيد فرص العناد من قبله والقيام به .
ويرى عباس أن أسلوب الثناء والمدح الذي يستخدمه المربون، بدلاً من العقاب السلبي، بطرق متنوعة مثل طلب ترتيب الغرفة من قبل الطفل المخطئ أو كتابة سبب الخطأ والدفاع عن النفس، والحوار الجاد بين الوالد وبينه، يبني شخصية قويمة يمكنها اكتشاف الخطأ وعلاجه في المستقبل، من دون اللجوء إلى العنف أو الاضطراب .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"