هذا المجتمع الإنساني الذي ينطلق من تعاليم القرآن وآدابه وأخلاقه نحن في أمسّ الحاجة إليه الآن، خصوصا في عالمنا العربي والإسلامي، لكي تعود مجتمعاتنا صورة أخلاقية وسلوكية مثالية، يلتزم فيها كل فرد بما جاء في كتاب الله من هداية ومظاهر رحمة، فيحظى برضا خالقه، وثقة كل المتعاملين معه، وتستقيم حياته، ويؤدي رسالته، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كلنا مدعوون إلى أن نعيش مع هداية القرآن وما فيه من مظاهر رحمة وأسس بناء مثالية للفرد والمجتمع، لكي نرتقي سلوكيا، ونسمو بأخلاقنا فوق الصغائر، ونرسم لأنفسنا حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية الرفيعة، لنكون قادرين على التعايش والتعاون مع كل المحيطين بنا، متجنبين للرذائل، مجسدين صورة حضارية لديننا.
الخطاب القرآني
في البداية سألنا د. شوقي علام، مفتي الديار المصرية: هل هداية القرآن ورحمته خاصة بالمسلمين وحدهم؟
قال: من خصائص القرآن العظيم أنه جاء رحمة وهداية للناس أجمعين.. فهذا الكتاب المقدس مبدوء في أول سورة منه ب«الحمد لله رب العالمين» وليس رب المسلمين، وقد وصف الله سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الحامل لهذا الوحي الإلهي الخاتم - بقوله: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، وهذه الإشراقة القرآنية الخالدة لا تشير فقط إلى عموم الرسالة الخاتمة وانفتاحها على الناس كافة، بل تشير إلى كونيتها، وأنها رسالة في عمومها وشمولها ترقى إلى آفاق كونية لا نهاية لها ولا حدود.
ويضيف د. علام: إذا تأملنا الخطاب القرآني لوجدنا أن توجيه الخطاب إلى الناس كافة بقوله تعالى (يا أيها الناس) والتي تشمل المسلم وغيره، وقد تكررت هذه العبارة في القرآن الكريم (20) مرة، بينما تكرر لفظ الناس وحده (172) مرة من سورة البقرة إلى قوله تعالى في نهاية الكتاب الكريم: (قل أعوذ برب الناس)، فالله تبارك وتعالى ليس رباً للمسلمين وحدهم، وليست رحمته قاصرة عليهم، بل إن المسلمين الصادقين يحملون همّ غير المسلم قبل المسلم، خاصة في باب الهداية والإرشاد.. ومن هنا كانت هداية القرآن وعدالته ورحمته ليست للمسلمين وحدهم، ولكنها للناس.. كل الناس.
معجزة كل العصور
ويلتقط د. علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ومفتي مصر السابق، خيط الحديث من د. علام ليؤكد أن القرآن الكريم هو معجزة الإسلام في كل العصور وهداياته لا تنقطع عن البشرية كلها، وقد قيض الله من يحفظه في كل عصر، ويطور أدوات الاستفادة منه، وصدق الحق سبحانه حيث يقول: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»
هذه الآية الكريمة وعد من الله الذي أنزل القرآن بأن يحفظ هذا الكتاب الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والواقع الذي نعيشه يؤكد أنه رغم محاولات أعداء القرآن والإسلام إلا أن هذا الوعد قد تم، ويزداد الإعجاز عبر الزمان من كل جهة؛ فالقرآن لم يحفظ في الخزانات بعيداً عن الناس، بل حفظه الأطفال بالملايين في كل مكان، وزاد من الإعجاز أن حفظه بلسان عربي مبين من لم يتعلم العربية، ولم يعرف فيها كلمة واحدة.. وقد تعرض القرآن الكريم لمحاولات التحريف فلم تفلح، ولمحاولات الترجمة الخاطئة السيئة النية فلم تؤثر فيه، ولمحاولة الطباعة المحرفة، فبقي كما هو، ولمحاولة تقليده ومحاكاته بسيئ الكلام وركيكه فلم يزحزح عن مكانته، بل إن كل ذلك أكد معجزته الباقية عبر الزمان، وأعلى من شأنه في صدور الناس، وما تعرض له من عدوان وطغيان كان سبباً في تمسك المؤمنين به، وباباً جديداً للدعوة إلى الله، ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
حافظ للعربية
وقد نزل القرآن بلغة العرب، وظل محتفظاً بلغته إلى يومنا هذا، وهذا الاحتفاظ جعله مرجعاً لكل من حاول أن يترجمه إلى لغة أخرى، ولقد ترجم منذ العصور الأولى خاصة ما ورد منه في رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأكاسرة والقياصرة؛ حيث وردت بعض الآيات في هذه الرسائل فترجمت إلى لغات المرسل إليه أثناء تلاوتها عليهم، والآن ترجم القرآن إلى أكثر من (130) لغة بعضها ترجم مرة واحدة وبعضها ترجم أكثر من (250) ترجمة كما هو الحال في اللغة الإنجليزية مثلا، وكثير منها ترجم مرات عديدة، وفي كل الأحوال يبقى النص القرآني هو المرجع، فالترجمة قد تكون سيئة النية وقد تكون من نص آخر غير العربية (كترجمة شوراكي إلى الفرنسية والترجمة إلى الإسبانية.. إلخ) وقد تكون من شخص يجهل إحدى اللغتين أو اللغة المترجم إليها، وقد تكون ترجمة مذهبية أو طائفية أو شارحة لرأي المترجم. وفي كل الأحوال قد تكون مفككة وركيكة التركيب وقد تكون بليغة راقية الأسلوب، ولكن يبقى الأصل العربي ليمثل الإسلام تمثيلاً حقيقياً، وهذه مزية تفرد بها القرآن عن سائر الكتب المقدسة.
ولقد تعدد وتنوع قراء القرآن وأسانيد من نقلوه لنا ومع ذلك لا يزال بين أيدينا قرآن واحد، ورغم أن كتب التاريخ والأخبار قد امتلأت بمن قرأه قراءة خاطئة أو تعمد تحريفه، إلا أن القرآن ظل كما هو لا يتزحزح ولا يتغير.
محاولات هزلية
ويضيف د. جمعة: كل حقبة من الزمن نسمع ونقرأ عن شخص ما يحاول محاكاة القرآن متحديا إعجاز كتاب الله الخالد، أو مدعياً للنبوة أو الألوهية، أو مفسداً في الأرض أو غير ذلك، فرأينا (مسيلمة) يحاول أن يحاكي جرس القرآن في كلمات هي أقرب إلى المزحة منها إلى الهداية، وكذلك (سجاح) وهي امرأة ادعت النبوة، وجاءت محاولة (أبي العلاء المعري) في كتابه (الفصول والغايات) وإن صدقت الرواية فإنه يكون النزق اللغوي الذي يغري صاحبه بمثل هذه المحاولة، ويروى أن الناس قالت له: لم لا نجد عليه طلاوة كما نجدها في القرآن؟ قال: اقرؤوه أربعمئة سنة في المحاريب تجدوا له طلاوة. (وكأن طلاوة القرآن جاءت من إلف الناس لا من جرسه الذاتي الداخلي) ونسي أبو العلاء إن صح عنه هذا أن القرآن كان عليه طلاوة وله حلاوة حينما أُنزل وليس بعد أربعمئة عام حتى قال الوليد بن المغيرة وهو لم يؤمن ولم يسلم: (إن له لطلاوة وإن عليه لحلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول بشر)، وكتاب (الفصول والغايات) المطبوع مرتين موجود بالأسواق ويمكن لأي شخص أن يقرأه وسيعلم حينئذ ما معنى القرآن وما معنى كلام الله وما الفرق بين كلام الله وكلام البشر.
وعند (ابن المقفع) الأديب المشهور مترجم كليلة ودمنة كتاب حاول فيه أيضا ذلك وهو (الدرة البهية) وهو إن صح ما قيل في شأنه دلالة أخرى على أن القرآن كتاب الله المعجز.
وهناك كتاب (البيان) وكتاب (الأقدس) عند البهائيين، ومحاولة (بيرم التونسي) ونراها في مجموعته الكاملة التي نشرت بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وقد أعلن بيرم التونسي التوبة وصدقت توبته من هذه المحاولة الهزلية التي سخر فيها من حزب الوفد ومن سعد زغلول بما يشبه جرس القرآن وكان رحمه الله يقول: (لا أجعل في حل من يروي عني ما قلته) ثم ألف في هذه التوبة أغنية «نداني لبيته لحد باب بيته» التي غنتها أم كلثوم وتتضمن رجوعه وتوبته إلى الله بعد إسرافه على نفسه.