كثير من العلماء يعتبرون أنه بات أمراً مسلماً به مسألة أن الكون لا يقتصر على «مليارات المليارات» من المجرات، التي يصفها العالم كارل ساجان فحسب، ولكن يحتوي أيضاً على كمية هائلة من المادة غير المرئية التي تسمى المادة المعتمة، وهي غريبة يعتقد أنها نوع جديد من الجسيمات دون الذرية التي لا تتفاعل عن طريق الكهرومغناطيسية، ولا القوى النووية القوية والضعيفة. ومن المفترض أن تكون أكثر انتشاراً في الكون بخمس مرات من المادة العادية المكونة من الذرات وتمارس جذباً ثقالياً، يكون الكون مملوءاً بها.
الواقع أن وجود هذه المادة لم يثبت بعد فهي لا تزال افتراضية، وإن كان وجودها مدعوماً بشكل جيد من قبل العلماء. وأي نظرية علمية مبنية على التنبؤات، ولو كانت صحيحة، ينبغي أن تتوافق مع التجارب والقياسات. والأمر ينطبق على المادة المعتمة. فعلى سبيل المثال، نجد أن نظريات هذه المادة تتنبأ بمدى سرعة دوران المجرات، ولكن حتى الآن لم يثبت أن القياسات المتعلقة بتوزيع المادة المعتمة وسط المجرات منخفضة الكتلة تتماشى مع تلك التنبؤات.
يبدو أن الأمر تغير وفقاً لعملية حسابية حديثة تساعد على حل اللغز،
وتتمثل في علاقة (تولي - فيشر) التي تقارن المادة المرئية، أو العادية، لمجرة ما بسرعة دورانها. وبعبارات مبسطة جداً، وجد العلماء أن المجرة الحلزونية الأكبر كتلة (وبالتالي الأكثر إشراقاً) تكون سرعة دورانها أعلى.
ومن ثم إذا كانت المادة المعتمة موجودة، فإن كتل المجرات «الكبيرة» يجب أن تتحدد ليس فقط من خلال المادة المرئية؛ بل أيضاً من خلال المادة المعتمة. وطالما أن هناك جزءاً كبيراً من المعادلة مفقود وهو الذي يتعلق ب (كمية المادة المعتمة) فإن علاقة (تولي - فيشر) لا يمكن أن تنطبق. ومع ذلك فهي تنطبق لأنه كان من الصعب تصور أي طريقة للتوفيق
بين هذه العلاقة ونظرية المادة المعتمة الموجودة.
تنبؤات واحتمالات
أول الشكوك التي دعت إلى وجود شيء اسمه المادة المعتمة تعود إلى عام 1932؛ وذلك حين قام الفلكي الهولندي يان أورت بقياس السرعة المدارية للنجوم داخل درب التبانة، ووجد أنها كبيرة جداً كي تفسر لنا هيمنة الكتلة الكبيرة للمجرة.
وبدأ البحث عن المادة المعتمة جدياً بعد ما يقرب من نصف قرن أي في أواخر 1970، عندما قاست الفلكية فيرا روبين وصانع الآلات كينت فورد معدلات دوران المجرات القريبة وفقاً لبعد نجوم المجرة عن المركز وقارنا القياسات مع تنبؤات نظرية الجاذبية القياسية لنيوتن.
المعروف أن النجوم تدور في مسارات دائرية تقريباً حول المجرة الأم، وأن الجاذبية هي القوة التي تمسك بالنجوم في تلك المسارات. وتتنبأ معادلات نيوتن بأن القوة (الدائرية) التي تجعل النجوم تتحرك في مسار دائري، يجب أن تساوي القوة التي تؤثر فيها الجاذبية على النجم، وإلا فإن النجم سوف يطير في الفضاء أو يسقط في مركز المجرة. وبالنسبة لأولئك الذين يتذكرون دروس الفيزياء في المدرسة الثانوية، فإن تلك القوة هي التي عبر عنها نيوتن في قانونه الأول المعروف بقانون القصور الذاتي أو العطالة. وهي خاصية مقاومة الجسم المادي لتغيير حالته من السكون إلى الحركة بسرعة منتظمة وفي خط مستقيم ما لم تؤثر فيه قوة تغير من حالته، أي أن كل جسم مادي قاصر عن تغيير حالته من السكون أو الحركة ما لم تؤثر فيه قوة تغير من حالته. وتتوقف القوة المطلوبة لتغيير حركة جسم ما على كتلة ذلك الجسم؛ وذلك وفقاً للقانون: (F = ma) أي أن القوة تساوي الكتلة مضروبة بعجلة الجسم.
ووجد روبين وفورد بالقرب من مركز المجرات، أن القوة (الدائرية) تساوي تقريباً قوة (الجاذبية)، كما هو متوقع. ولكن بعيداً عن مركز المجرات، فإن جانبي المعادلة لا يتطابقان بشكل جيد؛ ولذا فإن التفاصيل تتباين من مجرة إلى أخرى.
هذا التباين الكبير كان يحتاج إلى تفسير. فبالقرب من مركز المجرات، كانت قياسات روبين وفورد تعني أن النظرية صحيحة، في حين أن تباين المسافات المدارية الأكبر يعني أن ثمة شيئاً ما لا يمكن أن تفسره النظريات الحالية. وكشفت رؤى الباحثين أنه إما أننا لا نفهم كيف يعمل قانون القصور الذاتي، أو أننا لا نفهم كيف تعمل الجاذبية. وهناك احتمال ثالث هو أن علامة التساوي بينهما خاطئة، وهذا يعني أن هناك قوة أو تأثيراً آخر لا تشمله المعادلة. وتلك هي الاحتمالات الوحيدة.
شرح التناقضات
منذ الأربعين عاماً التي مضت على أعمال روبين وفورد، اختبر العلماء العديد من النظريات في محاولة لشرح التناقضات في حركة دوران المجرة. واقترح الفيزيائي مردهاي ميلجروم تعديلاً على قانون العطالة (القصور الذاتي)، ودعاه «ديناميات نيوتن المعدلة»، أو «موند». وفي شكله الأولي، يفترض القانون أنه في حالة التسارع المنخفض جداً، فإن معادلة نيوتن (F = ma) غير صالحة.
واقترح فيزيائيون آخرون تعديلات على قوانين الجاذبية. فالنسبية العامة لأينشتاين لا تساعد في هذا المجال، لأن توقعاته ونيوتن متطابقة أساساً. كما أن نظريات الجاذبية الكمومية، التي تحاول وصف الجاذبية من خلال استخدام الجسيمات دون الذرية، لا يمكن أن تكون التفسير لنفس السبب. ومع ذلك، فهناك نظريات للجاذبية يمكنها أن تجعل التنبؤات الخاصة بالمجرات أو بالمقاييس خارج المجرة، تختلف عن الجاذبية النيوتونية؛ ولذلك، فهي خيارات بديلة. وهناك أيضاً تنبؤات بوجود قوى جديدة. هذه الأفكار جمعت تحت مسمى «القوة الخامسة»، ما يعني أن ثمة قوة تتجاوز الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوى النووية القوية والضعيفة وهي نظرية المادة المعتمة. وإذا كانت قياسات دوران المجرة هي البيانات الوحيدة المتوفرة لدينا، فقد يكون من الصعب الاختيار بين النظريات المختلفة. ولكن بعد كل شيء، قد يكون من الممكن تغيير كل نظرية لحل مسألة دوران المجرة. ولكن هناك الآن العديد من الأرصاد للعديد من الظواهر المختلفة التي يمكن أن تساعد في تحديد النظرية الأكثر معقولية.
أحد هذه الأرصاد يتعلق بسرعة المجرات داخل العناقيد المجرية الكبيرة. فهي تتحرك بسرعة كبيرة كي تظل العناقيد مترابطة معاً. وثمة عملية رصد أخرى هي الضوء القادم من المجرات البعيدة جداً حيث تظهر الأرصاد أن ضوءها مشوه نظراً لاجتيازها حقول الجاذبية الخاصة بالعناقيد المجرية الأقرب. وهناك أيضاً دراسات عن عدم اتساق صغير في الخلفية الميكروية الكونية التي تعتبر صرخة ولادة الكون. كل هذه القياسات (وغيرها الكثير) يجب أن تعالج أيضاً من خلال أي نظرية جديدة لشرح سرعات دوران المجرة. وأي نظرية ناجحة يجب أن تتفق مع جميع القياسات. وعدم الموافقة يعني إما أن تكون النظرية خاطئة أو البيانات، أو على الأقل غير كاملة.
وأخيراً تبقى المادة المعتمة نظرية تنبؤية قوية لبنية الكون. إنها ليست كاملة وتحتاج للتحقق من خلال اكتشاف جسيمات المادة المعتمة الفعلية. لذلك، لا يزال هناك عمل يتعين القيام به والحسابات الأخيرة هي خطوة هامة نحو اليوم الذي سنعرف فيه للأبد إن كان الكون حقاً يهيمن عليه جانب معتم أم لا.
المادة المعتمة..غموض يهيمن على الكون
تثير حيرة العلماء وتتحدى نظرياتهم
8 نوفمبر 2017
01:43 صباحا
قراءة
5
دقائق
إعداد: محمد هاني عطوي