ومن هنا ربى الإسلام الإنسان على الفضائل وحماه من كل الرذائل، ودفعه إلى الإحسان إلى كل خلق الله، وهذه بعض السمات الشخصية والسلوكيات الفاضلة التي غرسها الإسلام في نفوس أتباعه ليتسم سلوكهم دائماً بالرقي والتحضر .
تنبع استقامة شخصية المسلم كما يؤكد د .أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء من إيمان صاحبها، وإخلاص قلبه، واستقامة لسانه، والقصد في الكلام من أهم ما يستقيم به اللسان، فلا يتكلم الإنسان إلا بعد تفكير وروية، فالإنسان الذي يوطن نفسه القصد في الكلام، يقل خطؤه ويحسن قوله، ويتسم بالروية وعدم الاندفاع في الكلام، فهو إما أن يقول الخير، وإما أن يؤثر السكوت، ويلوذ بالصمت، وفي هذا ما يجعله مرموق الشخصية، محبوب الحديث لا يتبرم الناس بمجلسه، ولا يستثقلون رأيه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرأ قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم" .
وقد رفع الإسلام من قيمة الأدب في الحديث والقصد في الكلام حين جعل ذلك آية على الإيمان بالله واليوم الآخر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت" وروي أن رجلاً تكلم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر، فقال له: "كم دون لسانك من حجاب؟" قال: شفتاي وأسناني قال: "أفما لك ما يرد كلامك؟" وفي رواية أنه قال ذلك لرجل أثنى عليه فاستهتر في الكلام، ثم قال: "ما أوتي رجل شراً من فضل في لسانه" بمعنى الزيادة في الثرثرة .
وقد حذرنا الإسلام من الإسراف في الكلام وكثرة المدح للإنسان بما ليس فيه أو المدح على سبيل القطع فقد أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك"، ثم قال: "من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل أحسب فلاناً والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه" .
ومن القصد في الكلام الذي علمنا إسلامنا إياه الإعراض عن اللغو والترفع عن الاسترسال فيه مع الغير، قال سبحانه وتعالى: "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" .
آداب الحوار
ومن صور الرقي والتحضر التي ربانا عليها إسلامنا التحاور مع الآخرين بأدب، وعدم التحقير من آرائهم مهما كانت تفاهتها وعدم جديتها، وقد أرسى الإسلام آداباً وأخلاقيات لتنظيم الحوارات والمناقشات بين الناس لخصها العلماء في النقاط التالية:
* أن يكون الحوار قائماً على الصدق وتحري الحقيقة، بعيداً عن الكذب والسفسطة والأوهام .
* التزام الموضوعية، وعدم الخروج عن الموضوع الذي هو محل النزاع أو الخلاف، فإن آفة كثير من الناس أنهم إذا ناقشوا غيرهم في موضوع معين، تعمدوا أن يسلكوا ما يسمى في هذه الأيام بخلط الأوراق، حيث لا يدري العقلاء في أي شيء هم مختلفون مع غيرهم، وتتوه الحقيقة في خضم هذه الفروع التي لا تكاد تعرف لها أصلاً .
* إبراز الدليل الناصع، والبرهان الساطع، والمنطق السليم الذي يلقم المكابر أو المعاند حجراً، ويجعله لا يستطيع أن يمضي في جداله .
* أن يقصد كل طرف من أطراف الخلاف إظهار الحق والصواب في الموضوع الذي هو موضع الاختلاف، حتى لو كان هذا الإظهار على يد الطرف الآخر، وهذا ما نراه واضحاً في خلافات العقلاء من الناس الذين فهموا تعاليم الإسلام جيداً والتزموا بأدب الحوار .
* التواضع، وتجنب الغرور، والتزام الأسلوب المهذب الخالي من كل ما لا يليق .
* إفساح المجال أمام المناقش أو المعارض لكي يعبر عن وجهة نظره من دون مصادرة لقوله أو إساءة إلى شخصه، وفي الوقت نفسه إعطاء الحرية للجانب الآخر، لكي يرد على المخالف له، بأسلوب مهذب، وبمنطق سليم، وبأدب جم، وبحرص تام على تبادل الاحترام فيما بينهما، إذ الخلاف في الرأي بين العقلاء، لا يفسد للود قضية، ومن أقوال بعض الفقهاء الحكماء: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ونتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" .
الاعتراف بالجميل
والشكر قيمة من القيم الإسلامية الرفيعة التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم ويحرص عليها وفاء لحق الله عز وجل واعترافاً بفضل أصحاب الفضل من الناس، وهو قيمة تبرز رقي الإنسان وتحضره .
والشكر، كما يقول د . علي السبكي أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين بالأزهر، هو المجازاة على المعروف، والثناء الجميل على من يقدم الخير والإحسان، فهو يعني الاعتراف بالفضل لأهله، والثناء على المحسن بذكر إحسانه .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يربط بين شكر الناس وشكر الله، فيقول في الحديث الشريف: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" فهذا الحديث يلفت نظرنا إلى أن قيمة الشكر لها منزلة كبيرة وأهمية بالغة لدرجة أنها إذا لم تتحقق في علاقات الناس بعضهم مع بعض فإنها بالتالي لا تتحقق في علاقة الإنسان بالله، وهذا الربط بين الموقفين، شكر الناس وشكر الله، يحتاج هنا إلى وقفة نتأمل فيها هذه القيمة المهمة ودورها في حياة الناس .
ويضيف: المؤسف أن هناك كثيرين لا يأبهون بهذه القيمة ولا بغيرها من قيم وأخلاق الإسلام، وهذا سر فساد العلاقة بين الناس، وإذا أردنا دعم العلاقة بين الناس، ودعم العلاقات الاجتماعية وتحسين علاقة الناس بعضهم بعضاً وتقوية الروابط الاجتماعية والإنسانية بينهم فإن سبيلنا لتحقيق ذلك هي القيم والأخلاق الإسلامية، فبالرحمة والرأفة والحلم والعدل والإحسان تقوى العلاقات بين الناس، وبالشكر الذي هو مقياس الأدب والأخلاق يتضاعف التقدير والاحترام بين الناس، ويقبل كل إنسان على تقديم المعروف والإحسان إلى الآخرين من دون أن ينتظر منهم شكراً أو اعترافاً بالجميل .
والشكر فضيلة تجلب لصاحبها كثيراً من المنافع ومزيداً من التقدير والاحترام وهي لا تكلفه شيئاً سوى كلمة طيبة، لكن لها أثرها العميق في النفوس .
وقيمة الشكر تكتسب بالتربية السليمة، فالطفل يجب أن يكتسب هذه القيمة الإنسانية الرفيعة على أيدي والديه، فإذا ما ساعده أحد أو قدم له هدية أو معروفاً علمه الآباء كيف يقدم له الشكر وكيف يرد له الجميل وكيف يكون حضارياً في التعامل معه وهذا ما حثنا عليه الإسلام في التربية بشكل عام، فالتربية على الفضائل تحمي الصغار من كثير من الرذائل في المستقبل .
الشكر للخالق
ويعود د .هاشم ليؤكد أن فضيلة الشكر التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم لا تتوقف عند تقديم الشكر لكل من قدم لنا خيراً أو صنع لنا معروفاً من الناس، بل أسمى ألوان الشكر المطلوب من المسلم هو تقديم الشكر للخالق عز وجل على نعمه الكثيرة ويقول: إن لشخصية المسلم موازين دقيقة، يعرف بها مدى قوة إيمانه وثقته، ومن أبرز تلك الموازين: ميزان الشكر فحين يرزق الإنسان المسلم نعمة، فيتجه بالشكر للمنعم الوهاب، ويرعى حقوق الله منها، ويقر بتفضل الله عليه، واثقاً وموقناً من كل قلبه، فإن ذلك يدل على أنه قوي الإيمان، معتدل الشخصية، فهو من أول وهلة، يدرك حقوق هذه النعمة، وما يجب عليه من شكر الله عليها، وليس الشكر كلمات تتردد على اللسان فحسب، وإنما لابد مع إعلان اللسان الثناء والعرفان لصاحب النعمة من اعتقاد القلب وتصوره للنعمة وشكر سائر الجوارح بمد يد العون والمساعدة لكل فقير ومحتاج، وليست حقوق الشكر قاصرة على جانب المال، وإنما تشمل كذلك سائر الجوانب الأخرى .
فإذا كان في صحة وعافية شكر ربه عليها، وساعد الضعفاء بها، وشارك في صنائع المعروف، ومناحي الخير والبر .
وإذا كان في نعيم مادي أدى حقوق هذا النعيم مساعدة للناس، وتواضعاً لهم، منتهجاً منهج الحق والعدل، فلا يجور ولا يحيد، ولا يضن بجاهه على ذوي الحاجات، ولا يستغل هذا الجاه في منفعة شخصية، أو بطش بالضعيف، وإنما يتخذه وسيلة إلى كل بر .