أحد الأعلام الفكرية في الخليج العربي، ومثقف عضوي، ورجل قومية عربية لا تنازع فيها، مدافع دفاعا مستميتا عن الهوية العربية الإسلامية لدول الخليج العربي، يرى أن المدخل لكل نهضة عربية لا بد أن يتحقق من بوابة تعليم قوي يراعي الخصوصيات العربية الإسلامية من دون أن يسقط في بؤرة الاستغراب.
ذاك هو الدكتور محمد علي فخرو، وزير التعليم البحريني الأسبق. والحوار معه لا بد أن يمضي إلى مدارات الهم العربي المشترك وإلى هواجس الخطاب الحداثي وإخفاق المدرسة العربية وغياب الحريات في الوطن وانتفاء الهامش الديمقراطي.
تربط حالة حصول تقدم في الوطن العربي بإصلاح تعليمي وجامعي شامل، وهذا لن يتأتى في رأيك إلا بتوفر الإرادة السياسية عند صاحب القرار العربي، هل لا تزال متمسكا بهذا النوع من الإصلاح؟
- إننا نحلم إذا اعتقدنا أننا نستطيع أن نحدث تغييرات جذرية في هذا الجانب، وما نستطيعه هو إصلاحات هامشية وبسيطة، ومثل ما أقول ماكياجية، فهذا ممكن، لكن ما لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية، تنوي التغيير الجذري في التربية والتعليم، ويتلازم هذا مع إجراءات سياسية، بالتناوب مع التغييرات التربوية، وإلا فإن الإصلاحات حتى ولو كانت جذرية يمكن أن تنقلب في أي لحظة بتغير الحكم، وبالتالي أعتقد أنه من الضروري أن نؤكد لأنفسنا أنه لا مناص لنا من التغيير الشامل والكبير.
بحكم تجربتك السابقة في وزارة التعليم البحرينية، هل تعتقد أن نهج السياسات الترقيعية في مجال التعليم يمكن أن يقدم شيئا من قبيل نهج سياسة التعريب والتي اعتمدت في عدد من الأقطار العربية؟
- القضية في اعتقادي ليست قضية تعريب، بل إنها قضية تصور متكامل، وقد أكدت مرارا ضرورة أن تكون لنا فلسفة تربوية، تحدد أي نوع من البشر نريده، وهذه الفلسفة المستندة الى هذا السؤال غير موجودة في الوطن العربي.
كما أن أحد المحاور الكبرى في التغيير هو المعلم، فأنت تستطيع أن تعطي المعلم الممتاز منهجا سيئا ويمكن أن يحوله إلى منهج ممتاز، وتستطيع أن تعطي المعلم السيئ منهجا ممتازا فيحوله إلى منهج سيئ. وبالتالي فإن عصب الزاوية على مستوى قطاع التربية والتعليم هو المعلم، وأنا من المؤمنين تماما بأن المعلم يجب أن يكون صاحب مهنة مماثلة تماما لمهنة الصيدلة والطب والمحاماة وغيرها، ومن أجل أن يكون صاحب مهنة يجب أن يتغير إعداده تغيرا جذريا، ويجب أن يعرف خبايا مهنته، وكل جوانبها التربوية، علاوة على تمكنه من ثقافة عالية اجتماعية وفلسفية وتاريخية تجعله إنسانا يؤمن بالتغيير، ويجب أن يعد لذلك التغيير.
والجانب الآخر يجب أن يمر بفترة تجربة عملية مثلما يفعل أطباء الاطفال، حين يمرون من تحت التجربة قبل تسليمهم الأولاد.
الفضاء التعليمي العربي يتنازعه توجهان، واحد حداثي وآخر كلاسيكي، وهما توجهان يتحركان ضمن آليتي عمل كبيرتين ومصالح وشعارات، هل يمكن في ظل الوضع العربي الحالي إيجاد نوع من التوافق بين المدرستين؟
- أرى أنه بالإضافة إلى توافر الإرادة السياسية لا بد من توافق مجتمعي، لكن المدخل هو أن نفكر بصورة نهائية، وفي هذا الإطار أؤمن بدور المدرسة في إيجاد حداثة عربية، ولسنا ضد أن نأخذ من حداثات الغرب، أو حداثة اليابان أو حداثة الصين، ولكن الانطلاق يكون من تراثنا المباشر ومن ثقافتنا، ننتقدها ونتجاوزها، نحو بناء حداثة عربية.
لكن أين شرط الحرية في كل هذا في ظل مشاهد عربية ممزقة؟
- عندما تحدثت عن الإصلاح كنت أستحضر شرط الحرية، وعندما تحدثت عن الإرادة السياسية، كنت أقصد إرادة سياسية ديمقراطية، ولذلك أقول إنه إضافة لإرادة السلطة السياسية يجب أن يكون هناك توافق مجتمعي على ذلك.
وحين أشرت إلى أنه في ميدان التربية والتعليم هناك توجهان، ففي اعتباري أن كلا التوجهين خاطئ، فلا الرجوع إلى عيش الماضي كما يريد الإخوة السلفيون صحيح، ولا السقوط في الاغتراب، وبالتالي لكم أنتم في المغرب مدرسة جيدة في هذا الأمر، ومفكرون في هذا الباب، وأعتقد أن الأمة العربية يجب أن تتبنى هذا النهج الذي لا يتجاوز الواقع.
ولقد قلت هذا في تحليلاتي السياسية: القفز فوق التقاليد الإسلامية مستحيل، لأنها ثقافة متجذرة في اللغة العربية وفي الوجدان العربي، والقول بالقطيعة أو بالقفزة ليس له معنى.
ولقد رأينا كيف أن القفز فوق الثقافة الإسلامية أدى إلى سقوط مذهل لكل الإيديولوجيات، وقد آن الأوان ألا نقفز فوقها، ولكن ألا ننسحق تحت ماضيها، وإنما نوجد حداثة إسلامية قادرة على المساهمة في حداثة أكبر، هي الحداثة العربية.
لم يحقق المشروع الحداثي العربي أهدافه، وظل حبيس نظرة ابتسارية وشعاراتية لا ترقى إلى المأمول، ما هي في نظرك عوائق هذه الحداثة؟ هل في كونها بقيت مجرد حملة شعاراتية لا غير أم بسبب شراسة القوى المقاومة للتحديث؟
- بكل تأكيد فإن حوار الثقافة العربية الإسلامية مع الحداثة مر عليه أكثر من قرنين من دون أن يستقر على حال. فلا يزال النقاش محتدماً حول كثير من تفاصيل الموضوع غير أن الغموض يكمن في كلمة الحداثة نفسها التي طرحت بشكل عام وغير دقيق.
والحداثة تشير، كما يقول المفكر محمد عابد الجابري، إلى حالة معينة خاصة بأوروبا من جهة وهي لا تجد مرجعيتها في ماضينا وتراثنا من جهة أخرى. ومن هنا إصرار البعض على استعمال كلمة تحديث بدلاً من كلمة حداثة.
العالم اليوم يعيش حداثات وليس حداثة واحدة، فإذا اتفقنا على أنه آن الأوان للحديث عن حداثة فإننا يجب أن نبلورها بعيدا عن جدليات الحداثة الغربية وتعقيداتها وخصوصياتها ويجب أن نطرح على أنفسنا مجموعة من الأسئلة الضرورية لتوضيح مسار أين الحداثة العربية المنشودة، من قبيل هل وصل المشروع النهضوي الثقافي العربي الإسلامي الذي سعى إلى مراجعة التراث العربي الإسلامي مراجعة تحليلية نقدية من أجل تجاوزه، والذي بدأ منذ حوالي قرنين بجهود إصلاحيين من أمثال الشيخ محمد عبده والطهطاوي والكواكبي وغيرهم وانتهى إلى محاولات جديدة من قبل مفكرين من أمثال محمد عابد الجابري ومحمد أركون وحسن حنفي وغيرهم.
وما قدرة المراجعة وقدرة القيادات الفكرية العربية على استيعاب قيم ومرتكزات وممارسات الحداثات الأخرى، غربية وغير غربية، والتي يجب الاستفادة منها وغرسها وتجذيرها وتبيئتها في التربة الثقافية العربية؟ وهل نستطيع بناء حداثة عربية جامعة يتداخل فيها الفكر مع السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والفن، بحيث ننتهي بتيار عريض عميق ومتجذر؟
وأخيرا ما السبيل لبناء حداثة ثقافية عربية، تكون مدخلاً لبناء الحداثات العربية الأخرى في حقول السياسة والاقتصاد وغيرها، في غياب حل المشكلة المعقدة للغة العربية التي تواجه اليوم مصيرا كالحا. تلك هي المداميك الأساسية للخطوة الأولى نحو حداثة عربية في عمق الانشغال العربي، مستوعبة لخصوصياتنا الثقافية والفكرية ولتعدديتنا واختلافنا، ومن دون ذلك لن يتحقق شيء.
رغم النجاح النسبي لبعض التجارب التعليمية العربية هنا وهناك، فإن ذلك لم يحل دون فك العزلة عن الفضاء الجامعي، وربط هذه الأخيرة بمحيطها العام، وبالتالي تحولت الجامعة العربية إلى منتجة للعطالة أكثر من أي شيء آخر، إلى أي سبب يعود هذا الخلل البنيوي؟
- إن ربط التعليم بسوق العمل وبالخبرات ضروري، لكنه ليس كل شيء، وطالما أكدت أنه لا يجب أن يسقط التعليم تحت متطلبات السوق، ولا تحت متطلبات الإيديولوجيا لسلطة الأقليات من جهة ثانية.
نحن نريد تعليما يأخذ في الاعتبار هذه الأمور في المجتمع، لكن الأساس الذي يدور حوله هو الإنسان نفسه، بتحرير عقله، والتربية على التحليل والتركيب والتجاوز، وكل التوجهات الجديدة التي يتحدث عنها علم النفس المعرفي.
هذا الشيء إذا تبنيناه، وإذا قمنا به خير قيام سنساهم في إيجاد عرب قادرين على النهضة. ففي الغرب يكتشفون أن خريجي إدارة الشركات الذين يتلقون تعليما ليبرياليا عاما هم أفضل قيادة من الذين يتخصصون، لأنهم بفضل معرفتهم الواسعة والشاملة والمتنوعة تجعلهم قادرين على فهم الناس وعلى المتابعة والاستمرار والتقدم.
في سياق آخر هناك تضارب كبير بين المدرسة العمومية والمدرسة الخاصة، كيف يمكن معالجة هذا الخلل في نظرك؟
- هناك مبادئ يجب أن نمسك بها، وعلى الدولة ألا تسمح لأناس بسبب توفر المال لديهم الإشراف على التعليم، وبالتالي يكون في إمكان من يمتلك المال أن يحصل على تعليم جيد ومن لا يمتلك المال لا يحصل على تعليم أو على تعليم أقل مستوى. وهذا يرتبط بمسألة توزيع الثروة المادية والثروة الرمزية.
وعندما كنت وزيرا، كنت أقول إنني لست ضد المدارس الخاصة، ولكن بشرطين أساسيين: الشرط الأول أن يكون مستوى مدارسنا العمومية لا تقل في مستواها وحيويتها عن المدارس الخاصة.
الشرط الثاني هو أنني قد أتسامح بالنسبة للغات الأجنبية في الكيمياء أو الفيزياء أو التكنولوجيا، ولكن لا أستطيع أن أتسامح بأن يتعلم الناس لغة أجنبية على حساب اللغة العربية، أو على حساب الدين الإسلامي.
وإذا كنت أضمن هذا، فإنه لا بأس من المدرسة الخاصة أمام المدرسة العامة، ويمكن التعاطي معها في وقتها. غير أني أعتبر نفسي متطرفا في هذا الباب، وأعتبر أن التعليم يجب أن يكون من اختصاص الدولة، حتى في كل دول العالم وفي الدول المتقدمة فإن التعليم قطاع استراتيجي لا يجب تفويته للخواص.. أنا أؤمن بنظرية عدالة توزيع الثروة والعدالة التوزيعية التي نظر إليها الفيلسوف الأمريكي جون روز، والتي تعني ليس التوزيع العادل للثروة المادية وإنما التوزيع العادل للثروة المعنوية، وبالتالي فالموضوع متشابك الأطراف.
وتركيز مزيد من الفوارق في المجتمعات العربية وتغييب أشكال العدالة هو سير نحو خلق مجتمعات عربية قابلة للانفجار.
تتحدث عن أن نجاح المشروع التعليمي في الوطن العربي يرتبط برجل التعليم كحجر أساس، هل أنجزت شيئا لرجل التعليم عندما كنت وزيرا للتعليم في البحرين؟
- من خلال تجربتي الميدانية والمباشرة في قطاع التعليم ومن خلال كوني شغلت منصب وزير التعليم في البحرين لمدة 13 سنة أكاد أقول إن المهمة ليست بالسهلة، وإن عمل الوزير إذا لم يكن مسنودا من طرف كل القوى وأصحاب القرار لا يمكن أن ينجح في مهمة مصيرية مثل هذه. من حسن الحظ أن ملك البحرين كان إلى جانبي ودعمني في الأفكار التي طرحت.
وتركيزي على المعلم في العملية التعليمية يأتي من أهمية المورد البشري في كل مشروع تنموي. فنحن لا يمكن أن نتقدم إلا بفضل الكفاءات البشرية، كما لا يمكن لهذا الكادر البشري أن يكون فعالا إلا في مناخ ديمقراطي يحترم الحريات وحقوق الإنسان، وهذا هو كفاحنا في الوطن العربي.