جرت عادة كثير من المسلمين في شتى أنحاء الأرض على النذر للأولياء والصالحين الأحياء منهم والأموات، حتى صار لكل ولي أو صالح من الأحياء من يتولى جمع ما ينذر له من النقود وأعيان المال، ليبعث به إليه، وصار من المألوف أن يوجد بجوار قبر كل ولي أو صالح، صندوق يضع الناذرون فيه نذورهم، بحسبانها خاصة بصاحب هذا القبر وليس لغيره، إلا أن القائمين على هذا القبر أو المسجد الذي يوجد به، يتصرفون في حصيلة هذه النذور وفق ترتيب آخر، لم يرد على بال من وضع هذه النذور في صناديقها، حيث يخصص منها جزء لمن يسمى بخليفة صاحب القبر، وجزء يخصص للعاملين بالمسجد الذي به القبر، ولو كانوا يحصلون على راتب من الأوقاف لقاء عملهم، وأجزاء أخرى تذهب إلى مواضع شتى، ولن أتعرض لبيان الحكم الشرعي لبناء الأضرحة على هؤلاء، أو تشييد المساجد والزوايا التي يقبرون في ناحية منها، أو قبرهم في المساجد أو الزوايا، وإنما أبين الحكم الشرعي للنذر للأحياء منهم والأموات، والذين عرفوا النذر من الفقهاء، إنما اعتبروه قربة لله تعالى، وليس قربة لأحد من خلقه، إذ قال الجرجاني إنه: إيجاب امرئ عين الفعل المباح على نفسه، تعظيما لله تعالى، وقال ابن عرفة هو: إيجاب امرئ على نفسه لله تعالى أمرا، وعرفه الشربيني إنه: التزام قربة لم تتعين،، والقربة: هي ما يتقرب به إلى الله تعالى، وعرفه البهوتي بأنه: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع، وهذه التعريفات تفيد أن المكلف يوجبه على نفسه لله تعالى، وأن مرد ذلك الرغبة في القرب إلى الله تعالى بهذا الصنيع الذي لم يوجبه عليه الشارع، وأن النذر إنما هو لتعظيم المنذور له، ومقتضى هذا أن ما يقدم عليه آحاد الناس من النذر للأولياء والصالحين الأموات منهم والأحياء، لا ينطبق عليه مسمي النذر الشرعي، ولا يتفق مع حقيقته الشرعية التي ترتب على الناذر وجوب الوفاء بما ألزم به نفسه بالنذر، وقد أمر الله تعالى مريم بالصمت وعدم الكلام عند سؤال أحد لها عن مولودها عليه السلام، فقال سبحانه: فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا، والمقصود بالصوم الذي نذرته هو الصمت، وقد بينت الآية أن النذر لله تعالى، فنبهت بذلك على أن النذر لا يكون لغيره، وما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، دليل على أن النذر إنما يكون لله تعالى دون غيره، وروي عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة الله، فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله، فلا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين، وحصر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) النذر فيما كان لله تعالى في هذا الحديث، دليل على أن النذر لغيره حرام، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله، دليل على أن النذر محصور فيما كان لله تعالى وابتغي به وجهه، ومن ثم فإن النذر لغيره لا يحل ولا ينعقد، ولا يجب الوفاء به لمن تجشمه، كما أن الفقهاء اعتبروا شروطا لصحة النذر حتى ينعقد ويجب على الناذر الوفاء به، منها: أن يكون النذر بما هو قربة، أي بما يتقرب به إلى الله تعالى، فالنذر لغيره ليس قربة إلى الله تعالى ولا طاعة له، بل هو معصية، ومنها: أن يكون النذر بما هو طاعة لله سبحانه، فإن كان بمعصية فلا يحل إنشاؤه، للنهي عن نذر ما هو معصية في حديث عائشة السابق، يضاف إلى هذا أن النذر تعظيم للمنذور له، ولا يعظم إلا من كان أهلا للتعظيم وهو الخالق سبحانه، وتعظيم غيره بالنذر نوع شرك بالله تعالى، وقد عقد ابن عابدين مطلبا لبيان حكم النذر لأصحاب الأضرحة، فقال: مطلب في النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، من شمع أو زيت أو نحوه .. تقربا إليهم كأن يقول: يا سيدي فلان إن رد غائبى أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب أو الفضة أو الطعام أو الشمع أو الزيت، فذلك باطل وحرام لوجوه، منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق، ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك، ومنها: أنه إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى فاعتقاده ذلك كفر، اللهم إلا إن قال: يا الله إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبى أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة أو الإمام الشافعي أو الإمام الليث، أو أشتري حصرا لمساجدهم أو زيتا لوقودها أو دراهم لمن يقوم بشعائرها، أو نحو ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء، ويكون النذر لله عز وجل، وإنما ذلك محمل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو المسجد فيجوز بهذا الاعتبار، ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني ولا لشريف منصب أو ذي نسب أو علم ما لم يكن فقيرا، ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء، للإجماع على حرمة النذر للمخلوق، ولا ينعقد ولا تشتغل الذمة به، ولأنه حرام بل سحت، ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه، إلا أن يكون فقيرا أو له عيال فقراء عاجزون، فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة، وأخذه أيضا مكروه ما لم يقصد الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء، ويقطع النظر عن نذر الشيخ، ما لم يقصدوا أن تكون صيغة النذر لله تعالى للتقرب إليه، ويكون ذكر الشيخ مرادا به فقراؤه كما مر، ولا يخفى أن له الصرف إلى غيرهم كما مر آنفا، ولا بد أن يكون المنذور مما يصح به النذر، كالصدقة بالدراهم ونحوها، أما لو نذر زيتا لإيقاد قنديل فوق ضريح الشيخ أو في المنارة فهو باطل.
النذر للأولياء والصالحين
قبسات فقهية
17 يوليو 2008
19:01 مساء
قراءة
4
دقائق