تظل قضية الاحتكار هي الشغل الشاغل للأوساط الفنية، فشهر العسل بين شركات الإنتاج والفنانين سرعان ما ينتهي بمشاكل لا حصر لها، وطفت هذه الظاهرة على السطح مؤخرا في الدارما التلفزيونية التي تقدم دائما عددا من الوجوه الجديدة يرتبط بعضهم بعقود احتكارية لمدة زمنية محددة يلتزمون فيها بشروط معينة تؤثر بالسلب والإيجاب في مسيرتهم. هذا ما نستعرضه من خلال التحقيق التالي الذي يستطلع آراء المواهب الصاعدة ورؤية المهتمين والمتخصصين.
الفنانة الشابة آيتن عامر ترى أنها ليست متضررة من عقد الاحتكار الذي وقعته مع المنتج محمد فوزي الذي رفض مشاركتها في بعض الأعمال التي عرضت عليها مؤخرا مثل جدار في القلب مع سميرة أحمد. وتقول عن ذلك: رأى المنتج أن تواجدي في أكثر من عمل في رمضان المقبل سيجعلني أحرق نفسي خاصة أنني متواجدة في الجزء الثاني من مسلسل الدالي وأنا مقتنعة بأن الاحتكار في هذه المرحلة سيفيدني، وسعيدة بتعاقدي مع محمد فوزي لمدة خمس سنوات وأثق في رؤيته لمسألة الترتيب الزمني لظهوري في الأعمال الفنية لأنه يريد مصلحتي. وعن تقييمها لإيجابيات وسلبيات الاحتكار في ضوء خوضها للتجربة الاحتكارية تقول آيتن: هناك مئات الشباب الموهوبين لا يجدون فرصة للظهور ولابد من إيجاد أكثر من وسيلة تدعم اكتشاف قدراتهم الفنية، ولا أرى في الاحتكار القائم على الاحترام أية سلبيات بمعنى أن المنتج الواعي لا يهدر حقوق المتعاقدين معه وهذه الحقوق إما أن تكون مادية أو أدبية، وكذلك لابد من دعمهم إعلاميا لأن وصولهم لمرحلة النجومية سيرفع من كفاءة الأعمال التي ينتجها.
وترفض الفنانة نسرين إمام الاحتكار شكلا ومضمونا، وترى أن دخولها العمل الفني كان بناء على اقتناع منها وليس رغبة في الشهرة أو جمع المال. وتتابع: كثير من شركات الإنتاج فاتحتني في موضوع احتكاري كممثلة لبعض سنوات ورفضت لأنني وجدت في ذلك قتلا لحريتي وإبداعي، كما أنني أرفض العمل تحت ضغوط، والاحتكار يمثل عقبة حقيقية في مشوار أي فنان ولابد أن تكون بنود العقود الفنية غير مرتبطة بمدة زمنية أو عدد من الأعمال.
وتتفق الفنانة نيفين محمد مع نسرين في رفضها للاحتكار وتقول: صحيح أن الاحتكار قد يضمن للفنان الصاعد تقديمه لعدد من الأعمال الفنية في عدة سنوات لكنه يقتل الطموح بداخله ثم إنه بعد مرور فترة من القيام بأول عمل فني وتحقيقه للجماهيرية يفاجأ بشروط قاسية في تعاقده مع شركة الإنتاج تجعله غير متواجد باستمرار على الساحة، وتفقده العديد من الفرص الجيدة التي تدعم خبراته، وأعتقد أن النجاح ليست له علاقة بالاحتكار فأنا حققت وجودا ملحوظا من خلال مسلسل راجل وست ستات لأني عملت في حرية، ومن حقي أن أشارك في أي عمل فني أراه مناسبا وداعما لقدراتي.
وعلى الجانب الآخر تدافع الفنانة ريم هلال عن الاحتكار وتوضح أنها رغم عدم ارتباطها بأي عقود لفترات طويلة مع شركات إنتاج إلا أنها تتمنى ذلك خلال الفترة المقبلة، لأنها مقتنعة بأن الاحتكار يعطي استقرارا معنويا للفنان الذي يبدأ مشواره كممثل ويبحث عن التواصل، بحيث يضمن تقديمه لأدوار قوية في عدة أعمال ذات إمكانات إنتاجية ضخمة، وترى ريم أن هذا الرأي لا يقلل من شأنها كممثلة ناجحة، وتقول: هناك بعض من يفسرون الاحتكار على أنه علاقة بين منتج وممثل كلها مشاكل وخلافات مادية وهذا غير صحيح، فالجميع يبحث عن النجاح، وإذا كان المنتج ساهم في اكتشاف موهبة شابة كانت ستعاني في الحصول على فرصة، فإن من حقه أن يستفيد من ذلك ويحقق مردودا ماديا ومعنويا لشركته، وهناك كثير من الشباب الذين يحلمون بفرصة سواء كانت عن طريق الاحتكار أو غيره.
ولأن المخرج أحمد صقر يعمل الآن في مسلسل جدار في القلب الذي يضم عددا من المواهب الشابة والوجوه الجديدة، فكان لابد من معرفة وجهة نظره في احتكار الممثلين الجدد يقول: أنا ضد هذا تماماً لأنه من الظلم أن نغلق الباب على الوجوه الجديدة ونضعها داخل دائرة من الأعمال المحددة المرتبطة بجهة إنتاج واحدة، لأن تعدد جهات الإنتاج يعطي الممثل قدرة على تقديم أعمال متنوعة سواء في الفكر أو أسلوب الإنتاج، والشباب يحتاجون للدعم المعنوي في بداية مشوارهم، وهذا لا يتأتى من الاحتكار الذي يجعلهم دائما في حالة خوف وعدم استقرار، ويضيف صقر: التمثيل بالذات لا ينفع معه الاحتكار عكس الغناء، فالمطرب مثلا يقدم ألبوما كل عام ويستطيع أن يرتبط بشركة إنتاج واحدة، ولكن الممثل يقدم في العام الواحد عدة أعمال في السينما والتلفزيون وأحيانا المسرح وليس منطقيا أن يرتبط ويلتزم بجهة إنتاج واحدة، فهذا سيحد من انتشاره.
ويؤكد المنتج هشام شعبان صاحب شركة كينج توت أن العلاقات الاحتكارية غير موجودة بصورة مكثفة في الدراما التلفزيونية، وهناك فقط بعض الحالات القليلة التي لا تؤثر في نشاط إنتاج المسلسلات، ويقول: كمنتج أجد أنه بدلا من الارتباط بعدد محدد من الوجوه الجديدة أستطيع كل عام أن أقدم عناصر شبابية أخرى، والجمهور دائما يبحث عن التجديد ويمل من مشاهدة أسماء محددة من الممثلين، ولأنني أنتج لكبار نجوم التلفزيون مثل يحيى الفخراني ونور الشريف أستطيع القول إن الاحتكار لن يفيد كثيرا سواء مع النجوم أو الشباب الصاعد، وما دامت الساحة مملوءة بالممثلين الجيدين فلسنا بحاجة إلى التقيد بأسماء محددة.
ويرى المنتج محمد فوزي أن مسلسل الدالي الذي قدمه في رمضان الماضي ساهم في تقديم مجموعة من الوجوه الجديدة بصورة رائعة لأنهم يعملون مع نجم كبير له جماهيرية عريضة وهو نور الشريف وكانت الأضواء كلها مسلطة عليهم. ويقول: كنت وقعت معهم عقود احتكار مدة كل منها خمس سنوات تلزمني بتقديم عمل فني لهم على الأقل كل عام، ولا أرى في هذا الارتباط ضررا لهم، بالعكس فهم يشعرون حاليا بمعنى النجاح الذي يقوم على تقديم فن جيد، والمسألة تقاس بالكيف وليس بعدد الأعمال التي يشاركون فيها، أرفض ظهورهم المتكرر في عدة أعمال فنية كل عام، لأن ذلك سيؤثر بالسلب عليهم، والفنان نور الشريف يوافقني هذا الرأي ولو أنه يرى في ذلك عيبا لما وافق على أن تكون ابنته مي مثل باقي زملائها.
وتدعم الفنانة دينا فؤاد رأي منتجها ومحتكرها وتقول: أتيحت لنا فرصة العمر وما زال أمامنا الكثير، ولست متسرعة في حصولي على الشهرة والنجومية، لأنه مع الوقت سيحدث ذلك وأنا الآن في مرحلة اكتساب الخبرة، وأتمنى أن يتواصل نجاحنا في الجزء الثاني من مسلسل الدالي الذي يعكف المؤلف وليد يوسف حاليا على كتابته، وأعتبر تواجدنا مع النجم نور الشريف في أعماله فائدة كبيرة ستعود علينا بالنفع في المشوار الفني الطويل والصعب.
الفنان الشاب شادي خلف الذي حقق نجاحا لافتا من خلال مشاركته في مسلسل يتربى في عزو يرى أن الاحتكار هو بداية الفشل ويقول: ما دمت موهوباً إذن أنا مطلوب، ولا داعي للارتباط بعقود إنتاجية طويلة المدة، لأن الأوضاع الفنية في تغير مستمر، والفنان هو إنسان مبدع يبحث دائما عن إشباع موهبته، ولا أستطيع أن أنتظر من العام إلى العام حتى أقدم عملا فنيا واحدا، فالاستمرارية والتواصل يصقلان الموهبة ويزيدان من الخبرة، وبالتالي فالاحتكار كله سلبيات وقد يكون إيجابيا فقط مع فاقدي الثقة في أنفسهم.
الناقد طارق الشناوي يرى أن الاحتكار جزء من العملية الإنتاجية في التاريخ الفني، وهناك أمثلة عدة قديمة وحديثة، فمثلا شركة صوت الفن احتكرت صوتي عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، ولا نستطيع أن نقول إنهما تضررا من ذلك، وأيضا نجلاء فتحي احتكرت من قبل رمسيس نجيب في السبعينات، وهناك أمثلة أخرى، وحاليا وجدنا الاحتكار يتمثل في عدة نماذج مثل شيرين عبد الوهاب ونصر محروس قبل أن ينفصلا، وشريف صبري وروبي اللذين انتهت أيضا علاقتهما الاحتكارية، والمشكلة هنا تكمن في أن كل فنان في بداية مشواره التمثيلي أو الغنائي كان طموحه يتوقف عند حصوله على آلاف، وبالتالي يضعف أمام الجهة المحتكرة، ومع مرور الوقت يصبح نجما ويجد نفسه في مأزق تعاقداته والتزاماته القديمة، لا أستطيع أن أقول رأيا محددا في هذه القضية سواء كمؤيد أو معارض لأن الطرفين يعملان طبقا لقاعدة أفيد وأستفيد، والوجوه الجديدة المرتبطة بعقود احتكار مع شركات الإنتاج وظهرت مؤخرا في المسلسلات التلفزيونية استفادت من الاحتكار لأنها حققت حلمها بالظهور إلى الناس وتحقيق الجماهيرية، وبالتالي فليس من حقها الاعتراض على بنود تعاقدها إلا في حالة تعرضها لظلم مادي أو إخلال شروط التعاقد، كما أن المنتج يجب أن يدرك أن راحة الممثل النفسية تسهم في الارتقاء بمستواه الفني والمشاكل تقلل من مستواه، وبالتالي لابد أن يكون الحب والاحترام متبادلين بين جميع الأطراف.