من المعروف أن الروايات الإماراتية التي اهتمت بعالم المدينة، وكانت لها رؤية واضحة منها قليلة نسبياً . وهو أمر يعود إلى الحداثة النسبية لتجلي المظاهر المدينية والتحديث في المجتمع الإماراتي، ولانشغال بعض الروائيين بالموضوعية الروائية وشخصياتها والحبكة على حساب انضاج رؤية ما محددة تجاه المدينة أو المجتمع أو العالم المحيط بتلك الشخصيات .
تنتسب رواية حلم كزرقة البحر (1) لأمنيات سالم إلى النوع المعروف بالنوفيلا أو الرواية القصيرة . وليس الحجم وحده ما ينسبها إلى هذا اللون، بل طريقة المعالجة المحدودة غير البانورامية (أفقياً وعمودياً)، فضلاً عن اعتمادها على تقنية الصوت الواحد وأسلوب استرجاع الشخصية لذكريات الماضي ما يقربها من نوع ما يعرف بالرواية السيرية، أو السيرة الروائية . لكننا لا يمكننا نسبتها إلى هذا اللون الأخير، لعدم النص على ذلك أو التصريح به من قبل الكاتبة، وهو ما يعد شرطاً من شروط المواضعة على هذا النوع لدى النقاد الغربيين .
تقوم الرواية على شخصية واحدة، تستبد بالسرد والمنظور السردي، بدءاً وانتهاء، إذ تنطلق من خلال سرد ذكريات امرأة في مرحلتي صباها وشبابها، وانشطار حياتها بين المجتمع القديم الذي عاشته وترعرعت فيه، والمجتمع المديني المفارق الذي انتقلت إليه، لتنتهي وهي في حالة أشبه ما تكون بالفصام، حالمة بعالم غير عالمها . . . زماناً ومكاناً، فضاء وبشراً وعلاقات .
لقد عاشت الشخصية طفولتها في حي فريج قديم في إمارة رأس الخيمة، ينتمي إلى علاقات اجتماعية تقليدية، أبرز ما يميزها معرفة السكان، بعضهم لبعض ومساعدتهم للآخر، وتقاربهم في المباني والقلوب والأفكار: الجزيرة التي شهدت طفولتي وشباب أبي . . . كانت بيوتها صغيرة ومتراصة ومتآلفة (2) .
لم تكن تلك البيوت المتضامة المتآلفة هي أبرز ما يميز عالم البيت القديم في الشرق لدى طفلة الأمس التي كبرت، بل كانت ثمة مفردات ومظاهر وذكريات ومشاعر لا سبيل إلى طمسها أو نسيانها أو مقارنتها بأي من مظاهر أو مفردات أخرى، مهما بلغت من النضارة والحداثة والتقدم . لقد كان الفضاء المفتوح الذي يحيط بعالم الفريج، ممثلاً في فضاء الشاطئ وفضاء الصحراء، وأفقهما المترامي، إلى جانب الطيور التي هي علامة من علامات ذلك الفضاء المضيّع .
ومع بدء بعض أهالي الفريج في الرحيل إلى أماكن أخرى، مودعين الحي القديم، يبدأ افتقاد الصبيّة لهم ولصديقاتها، ليبدأ الإحساس بالخسارة التي سرعان ما تنتهي باستعداد أبيها للانتقال إلى بيئة جديدة، يبتني فيها بيتاً مختلفاً، تبدو فيه غرفة البنت خيالية لا تشبه غرفتها السابقة، وثمة ورق جدران ملون، ومكتب للدراسة، وموكيت أحمر اللون، وملابس زاهية الألوان، وسرير نوم من صنع بريطانيا . لكن لا جيران لهم في هذا الحي سوى بيت صغير فيه بنت صغيرة . وهو ما جعل الصبية التي غادرت البيت الطيني إلى آخر أسمنتي، وودعت المدرسة إلى أخرى، ترى في هذه المظاهر الجديدة ضياعاً واغتراباً، في وقت تبدو فيه مفردات عالم الأمس مصدر سعادة وانتشاء، بما في ذلك الرمال التي ترى أن قدميها الحافيتين لم تلمسا رملاً أجمل ولا أنعم منه (3)، وبأنه كان أكثر حناناً عليها من فرحها حين كانوا يسقطون من الجدران التي يتسلقونها في لهوهم ولعبهم عليها . (4)
لقد بكت الفتاة في ذلك اليوم الذي علمت فيه بعزم أبيها على الانتقال وهربت إلى النوم مبكراً وهي تستشعر وحشة حقيقية . ولم تكن وحدها من يهفو قلبه إلى الفريج وعلاقاته ويتعلق بالبحر وأفقه ومفرداته، بل كان الأب يشاركها الإحساس نفسه مثلما تشاركها الجدة ذلك، حتى إنهما لم يكونا يبدلان غداءهما بالسمك، فهما لا يعرفان للحم أو للدجاج طمعاً . (5)
لقد تعلقت البنت ببيوت الفريج القديمة لأنها عاشت بين جدرانها الطينية التي كان طين جدرانها مصنوعاً من عرق أهلها وتعبهم لا كمدن الأسمنت الجاهزة (6) . لأنها احتفظت بين زواياها وشقوقها بذكريات الطفولة والشقاوة الجميلة والحرية الممنوحة لهم في المرح بين الرمال والشاطئ والفضاء الفسيح . في حين لا نجد أختها الصغيرة تشعر بأي من هذه المشاعر، لأنها لم تكن لها من ذكريات في الحي القديم، بل كانت نبت بيئة مدينية حديثة ونتاج العمارات الأسمنتية الشاهقة التي لم تعرف البحر والرمل واللهو مع الصديقات والأزقة وحب الجدة، ما جعل الأخت الكبرى (الراوي) تنظر إليها بعين الرثاء والشفقة .
لقد كان الفريج كهيكل مادي، بجدرانه وسطوحه وأزقته ورمله وبحره وطيوره وبعلاقاته الإنسانية من محبة وفرح وحزن لموت أي فرد من أفراده باعثاً كبيراً وراء تشكل مشاعر شخصية الفتاة (الراوي) في هذه الرواية، بل كانت العادات والطقوس التي نشأت عليها الفتاة وافتقدتها عبر الكبر سبباً إضافياً لهذا التعلق الكبير بالحي القديم . فقد كانت الجدة تدهنني بدهان له رائحة نفاذة زيت الصندل ربما . . . أتخلص منه أفر هاربة للبحر المقابل لبيتها في الجزيرة التي شهدت طفولتي وشباب أبي . . . . (7)
من هنا فقد أحست الفتاة بالاغتراب والوحشة إثر تجربة الأطفال المفاجئة، حتى وصل الأمر بها إلى حد إنكار صورتها الجديدة التي بدت فيها:
أنظر لنفسي في المرآة مَنْ هذه الفتاة المسرحة الشعر النظيفة جداً ذات الثوب الحريري الفخم . . أين ذهبت تلك الصغيرة، القطة التي تكره الاستحمام لأنه يشغلها عن اللهو فوق جدران البيوت والتسكع بحثاً عن مقلب طريف توقع به إحدى رفيقاتها . (8)
من هنا فقد كان ذلك إيذاناً بنمو وعي تجاوز حدود النفور وعدم الرضا، ليشكل موقفاً كارهاً للمدينة ومساوئها، وإثارة شكوك وأسئلة تجاه حقيقتها ورفاهيتها، متعلقة بما بقي لها من مفردات الزمان القديم (البحر، الجدة، الأب) .
ويذهب الوعي بالفتاة بعيداً، إذ لا ترى أختها وأبناء جيلها ممن لم يعش حياة المجتمع القديم وحدهم من حرموا من متعة الحياة وذكرياتها الحقة التي لا تعوض حسب، بل ترى حتى أولئك الذين سكنوا في حيهم القديم بؤساء أشقياً لا يملكون ذكرى ما في هذه البيوت الغريبة عنهم، وهم يختلفون عنها في كل شيء!
وتتسع دائرة عمري . . . لأنسى أن هناك عمراً ملوناً خلفته في ذلك البيت الذي يسكنه غرباء الآن . . . وتلك الأزقة التي يسير فيها صبية لونهم ليس كلوني ولا روحهم كروحي ولا شعرهم كشعري المسدل من غير تسريح . . . صبية لا يعرفون سالم الذي انتهى في البحر يرافقني في رحلات اكتشاف الشارع وجديد دكان مموه . . . غرباء مثل أهلهم لا يعلمون أي ذكريات عاشت بين جدران لا يعرفون منها إلا الأسمنت والتشقق . (9)
وإذا كانت نغمة الشجن هي أبرز ما يميز رواية الذكريات التي نتناولها هنا، فإن ما عمق من هذا الشجن ليس هذا الانتقال المفاجئ في عوالم المرأة طفلة وصبية فحسب، وإنما ما آل إليه حال الحي القديم من خراب وإهمال أعقب الهجر!
يلاحظ على مستوى البنية السردية لرواية حلم كزرقة البحر أنها قامت على جملة من الثنائيات، من مثل: القديم والجديد/ الطين والأسمنت/ البحر والصحراء/ الفضاء الخانق والفضاء المفتوح/ الانتماء والضياع/ الفقر والبحبوحة/ الحميمية والاغتراب/ الجدة والحفيدة/ الأزرق والأسود .
لقد تنازع كل من الصحراء والبحر اهتمام الشخصية الرئيسة وعشقها، لكن البحر خُص باهتمام أوضح، فهو مصدر حب الجميع، الأب والجدة والبنت، كما أنه الوحيد الذي لم يتغير وظل كما هو عليه، يأبى التناغم مع عالم الأسمنت الخانق . (10)
لقد ظللت الزرقة إذاً عالم الرواية بفيضه على مفرداتها وحيوات شخصياتها وأحلامهم . ومن هنا نستطيع أن نفهم دلالة العتبة الرئيسة في الرواية والمتمثلة في عنوانها حلم كزرقة البحر ودلالاتها الرمزية .
في رواية سيح المهب لناصر جبران (11)، تناول آخر لموضوعة المدينة الجديدة والتحولات العمرانية التي يشهدها المجتمع في حاضره الراهن، ولهاثه نحو دخول عالم المجتمع الاستهلاكي بخطى حثيثة . والرواية من الروايات القليلة التي تخلت عن الوقوف عند عتبات الماضي وعوالمه السابقة، مركزة على الظواهر الجديدة محاولة انضاج رؤية فنية حيالها .
واللافت في هذا العمل أنه يكشف بجلاء موقفاً رافضاً لتحولات المجتمع الاستهلاكي، عن وعي بواقع الظاهرة المجتمعية، معبّرة عن توجسها من المستقبل حد التشاؤم وتقديم صورة سوداوية منذ العتبات الروائية في إدانة غير خافية في مقدمتها:
لماذا يجهزون على كل شيء جميل ويعاقبون النقاء ويخنقون الأرض؟! أما آن للإنسان أن يشكم شرور ذاته الدفينة المستفرغة كلما أمسك بخيط نجاته ويقر بضآلته . . . إن البشرية بحاجة لسنة ضوئية كي تصالح فطرتها النبيلة وتطهر جوهرها من قباحة أفعالها . . . وتدنو بضآلة نحو إدراك الأصل من القيم العادلة الخالصة ولسنة أخرى مماثلة كي تمارسها بحق . (12)
في هذه السطور التي يستهل بها الروائي روايته شديد موقف شديد الاشمئزاز والحنق، ورؤية ذهبت صوب السوداوية التي فقدت الإيمان بالإنسان .
فثمة إجهاز على كل جميل، ومعاقبة للنقاء، وخنق للأرض؟! وثمة تساؤل عن زمن شكم الإنسان لشرور ذاته الدفينة وتسليم بضآلة هذا الكائن، بعد أن خرج على فطرته النبيلة ودنس جوهره الطاهر بقبح أفعاله . لذا جاء هذا الصوت ليخبرنا بأننا بحاجة إلى سنتين ضوئيتين كي نتصالح مع فطرتنا ونطهر جوهرنا وندنو بضآلة نحو إدراك القيم العادلة وممارستها من ثم .
والحق فإن هذه الكلمات التي تتلفع بحملة أخلاقية، تبدو كأقسى ما يمكن أن يوجه إلى أفعال الإنسان وأكثرها يأساً وفقداناً للأمل .
وتطلعانا رؤية (حميد) إحدى شخصيات رواية سيح المهب لمظاهر التحول إلى المجتمع الاستهلاكي وموقفه من التطور العمراني، إذ تبدو هذه الرؤية أقل حدة وتشاؤماً من رؤية الروائي، وإن انطلقت من وعي اجتماعي رافض للنهج العشوائي في ظل تحولات العولمة، ما يجعلها تلتقي مع الرؤية السابقة في مستواها العام:
غدت مدن الزجاج وبيوت العناكب المنتشرة من الشقق المفروشة مأواهم وأكثر استيعاباً لهم ولبضاعتهم الرائجة . لقد طفحت الشوارع وغصت بهم الحارات الأجنبية . تذكر مرعوباً قسوة التحولات الجارية وهو يدنو ويتلكأ قليلاً عند مقربة من مفترق السلالم المتحركة، إنهم يقربون خدماتهم في كل مكان على نمطية انتشار الوجبات الأمريكية السريعة وأسلوب تقديمها ومغرياتها الدعائية الترويجية .
إن رؤية حميد هنا وإن كانت تنطلق من فلسفة الروائي إلا أنها تتسع لتتجاوز الحيف الذي ألحقه الإنسان بالطبيعة، لتطول المظاهر السلبية التي تفشت في عالم المدينة من ميديا الترويج المبهرة وانتشار العادات الغذائية للوجبات السريعة، والمشاريع الملوثة، وبما ينذر بأسوأ العواقب وتضييق فرص النجاة .
أما رؤية آدم، فتلتقي مع رؤية الروائي في تركيزها على الموقف من المدينة والصحراء وبما يعيد إنتاج الرؤية، على الرغم من أن آدم شخصية غريبة عن البيئة ومختلفة في ثقافتها وطبيعة وعيها:
كانت الصحراء بتلال براريها الصفراء تتهادى مترامية على الجانبين في امتدادات خيالية ساحرة يتراقص في أفقها السراب . (13)/ الصحراء جسد ترابي مهول تتنوع كثبانها كلما سفت الريح بعويلها فاستشاطت حراكاً مثل أنثى ضجرة ذات بطن هيول جبار ( . .) لا شيء غير بهاء الرمل . . ما أروع أن تشاهد أعراس الصحراء وفنون رقصها الناري على أوتار الطبيعة النافرة . رجعت لأحضان التراب المترامي والفضاء الذي لم تتوغل إليه (كذا) مخالب المدينة (14)/ خرجت من هناك أسيح بشوارع المدينة الأخطبوطية التي كبرت سريعاً وترامت مساكنها الرائعة الجميلة محصورة بين شواهق بنايات ضخمة ارتفعت قاضمة بانتهاكاتها الأسمنتية عفاف الفلاة امتداداتها الصحراوية البكر . (15)
إن ما يميز قليلاً بين رؤية الراوي في مقدمته ورؤية آدم هنا أن هذه الرؤية الأخيرة تتخلى عن الإدانة واللغة المعرّية للإنسان، إلى حيث التغزل بجمال الصحراء ورمالها الساحرة، في مقابل تلك المباني الأسمنتية الشاهقة التي انتهكت جماليات المدينة بقضمها عفاف الفلاة وامتداداتها الصحراوية البكر . وهو ما يعيد بعض مفردات المعجم اللغوي لرؤية الراوي .
وإذا كانت رواية حلم كزرقة البحر جاءت ممثلة لرؤية الشخصية الوحيدة ومنظورها، بوصفها رواية استعادة شخصية لذكريات ماضي الطفولة والفتوة قد عبّرت عن موقف واحد منسجم تجاه المدينة، فإن رواية سيح المهب التي اعتمدت أسلوب تقديم شخصياتها بطريقة تتابعية والتنقل في ما بينها لتقديم ما يشبه ما أسماه (اوسبنسكي) بالمسح التتابعي للمشهد بآلة التصوير . وهو تتابع غير متوال، بل مقدم من خلال شريط الذكريات، تأخراً وتقدماً في زمنها .
لقد قدمت رواية سيح المهب عدداً من الأصوات المعبّرة عن شخصياتها، لكننا لحظنا أن هذه الأصوات لم تراع المبدع الحواري الذي ينطلق منه فن الرواية ويميزه من سائر الفنون السردية الأخرى، والقائم على فكرة إطلاق الحرية للشخصيات في التعبير عن الرؤى والأفكار، بما يتناسب مع طبيعة كل شخصية . فقد أحسسنا بما يشبه طغيان صوت الروائي على سائر الشخصيات، وإقصاء أصواتها لمصلحة الصوت الرئيس .
أما رواية رائحة الزنجبيل لصالحة غابش، التي صدرت في أعقاب صدور الروايتين السابقتين، فقد عالجت الثيمة السابقة نفسها التي عالجتها الروايتان موضع المقاربة والفترة الزمنية نفسها أيضاً .
لقد توقفت الرواية عند ماضي مدينة الشارقة ولا سيما بيت أسرة عبدالله الغافي في منطقة الحيرة في الجهة الغربية للشارقة، عن طريق التداعيات والارتدادات التي بدت من خلال وعي علياء، الشخصية المحورية في الرواية .
ومثلما رجحت الروايتان السابقتان عوالم الماضي، بفضائه الطبيعي البكر وعلاقاته وقيمه، كان ترجيح رواية رائحة الزنجبيل واضحاً لتلك العوالم وإن لم تكن متغيرات المدينة وانتهاكاتها وآثارها المنفرة لم تحتل الاهتمام الذي احتلته في الروايتين السابقتين عليها . لكن هذه الرواية لم تقتصر شأن رواية حلم كزرقة البحر، على الطبيعة الجامدة والمتحركة وإنما تجاوزتها إلى الإنسان نفسه، بمختلف انتماءاته الاجتماعية والطبقية التي لم تخضع بعد لقوانين الجشع والاستغلال والصراع الطبقي:
الناس آنذاك كانوا جميلين حتى أرباب المال منهم . . دافئون يشبهون بيئتهم . هم بشر لا ملائكة لكنهم خلق تحب أن تستظل بروحهم وتشعر بالأمان طالما هم حولك أو قريباً من دارك، يسهل اللقاء بهم لدرجة أنك تعتاد على رؤية وجوههم كل يوم، أبي كان من هؤلاء . . لا لأنني أقول ذلك ولا لأن الناس يقولون ذلك، ولكن لأني رأيت ذلك . (16)
أما الطبيعة في منطقة الحيرة، بما حوته من ماء وسماء وطيور وأشجار ومبان متلاحمة، فقد اكتسبت من العناية والنمذجة والاحتفاء، ما جعلها لا تبدو في موضع المقارنة وإن لم يحضر طرف التفاضل الآخر .
إنه الوقوف عند عتبات الماضي الآفل والانبهار به والإعلاء من زمنه، يقترب من موقف الفتاة في رواية حلم كزرقة البحر، مع فارق أن الشخصية الرئيسة في رواية غابش كانت منخرطة في زمن اللحظة الراهنة ومعايشة له، وساعية إلى إيجاد نموذج آخر لمدينة فاضلة تجمع بين الفضاءين، في حين بدت فتاة رواية أمنيات سالم مستغرقة في ذكريات الماضي وغير قادرة على التصالح مع زمنها الجديد ومتغيراته .
إن الذي يشوب تصوير مشاهد الماضي المستعادة في رواية رائحة الزنجبيل انسحاب دينامية السرد لمصلحة لغة الوصف، ومجيء الوصف في شكل خطاب وصفي مباشر، يبدو الراوي فيه متغزلاً بالمنظر الجاهز، وهو ما تسبب في إضعاف الطاقة السردية:
ما أجملك يا خورفكان! وأنت تتجسدين صورة أخرى للربيع والحب والجمال . . تروين الخيال من أحلامك الممتدة في أعالي جبالك منسابة نحو شواطئك المبتلة بالظمأ فيه إليك . . تبدين مشهداً مقبولاً في أذهان المتعبين ليضعوا على أكتافك مشكلاتهم ويركضوا بعيداً نحوك لا عنك . نبدو - نحن القادمين من المدن - وكأننا نزاحم عائلاتها . . ونخص أنفسنا بمواقع على شطآنها قد يكون أولوية حقها لأهاليه، إلا أنهم مؤمنون بما لبحر مدينتهم من جاذبية . . يعذرون عشاقها المتيمين بطبيعتها المرسومة بيد الخالق المبدع الذي أبدع كل شيء . . . فيجعلون من قلوبهم الطيبة خورفكان أخرى تحبهم وترحب بهم، وتفسح لهم المجالس . (17)
لا شك في أن وصفاً أدبياً مطولاً كهذا من شأنه أن يعوق نمو النسيج السردي، لأنه يتخذ من لوحة الوصف غاية بذاتها، لا وسيلة من وسائل تطور الأحداث ونموها . لكن الذي يميز رواية رائحة الزنجبيل عن الروايتين السابقتين أنها أفسحت المجال لظهور حوار يمثله طرف آخر، يحاول التعبير عن وجهة نظر على قدر من الاختلاف، وإن لم تتقاطع الرؤيتان إلى حد التضاد .
كما أن مما يحسب للرواية أنها لم تذهب في نمذجتها لعالم الأمس وزمن الماضي القريب إلى نفي كل ما هو سلبي من مظاهرها، أو تبرئتها من الوقائع الحياتية التي لا يخلو مجتمع منها، وهو ما لم يتضح بجلاء في الروايتين السابقتين . يتضح ذلك منذ المشهد الاستهلاكي الذي تفتتح به الروائية مشهدها عبر أسلوب الفلاش باك، إلى حيث حدث المقاومة البطولية الذي نهض به شباب الأمس ضد الانتداب الإنجليزي قبيل بزوغ فجر ذلك اليوم، وما أوحى به من سلوك الشباب الآخر، الأقل سناً، قبيل ساعات من بدء ذلك الحدث في المكان نفسه .
الهوامش والإحالات
1- ينظر أمنيات سالم، حلم كزرقة البحر، ط،1 منشورات الجمل - ألمانيا، 2000
2- الرواية نفسها: 12
3- ينظر الرواية: 17
4- ينظر الرواية: 89
5- ينظر الرواية: 47
6- الرواية: 40
7- الرواية: 12
8- الرواية: 44
9- الرواية: 71
10- ينظر الرواية: 54
11- ناصر جبران، سيح المهب، ط،1 الشارقة- وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، دولة الإمارات العربية المتحدة، 20009
12- الرواية نفسها: 5
13- الرواية: 52
14- الرواية: 93
15- الرواية: 95 - 6_
16- صالحة غابش، رائحة الزنجبيل، ط،1 دائرة الثقافة والإعلام - الشارقة، دولة الإمارات، 2008
17- الرواية: 78-79