تنافس على برنامج البرازيل الفضائي

04:17 صباحا
قراءة 6 دقائق
د. محمد بهي الدين عرجون

تقع استراتيجيات الفضاء في الدول المتوسطة والنامية موقع التنافس الاستراتيجي بين الدول المتقدمة فضائياً في محاولة لاستقطاب تلك الدول إلى صفها، والدول الكبرى التي تنافس على استقطاب برامج الفضاء للدول النامية والمتوسطة هي الولايات المتحدة وروسيا والصين، وموضع التنافس هذه المرة هو برنامج الفضاء البرازيلي.

أهمية الفضاء للبرازيل وأهمية البرازيل للدول الفضائية الكبرى:

ترجع أهمية البرازيل وبرنامجها الفضائي إلى أربعة عوامل أولها وزنها الاقتصادي الكبير وثانيها مساحتها الشاسعة وحجم الموارد الهائل المتاح فيها التي تحتاج إلى تكنولوجيات الفضاء للكشف عنها واستغلالها، وهي تماثل في هذا الصدد قارة إفريقيا والتي تمتلك أيضا موارد هائلة تتنافس عليها الدول الكبرى بقوة، وثالثها موقعها الجغرافي والذي يعطيها أهمية خاصة بالنسبة لإطلاق الأقمار الصناعية خاصة تلك التي تطلق إلى المدار الجغرافي الثابت، والعامل الرابع هو تقدم البرازيل في مجال القاذفات الفضائية والذي تهدف من خلاله إلى المزاحمة على أحد الأماكن المتقدمة بين الدول الفضائية.
وحين نتحدث عن مكانة البرازيل الاقتصادية فنحن نتحدث عن سادس قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي واليابان والهند وقبل روسيا وبمعدل للناتج القومي يصل إلى حوالي تريليوني دولار سنويا.

وأما من حيث المساحة فإن البرازيل تقع خامس دولة من حيث المساحة وتبلغ مساحتها 8500 ألف كيلو متر مربع وهي إحدى سبع دول عملاقة يبلغ إجمالي مساحتها 65 مليون كيلومتر مربع وتمثل في مجموعها 44% من مساحة العالم، وتبلغ مساحة البرازيل وحدها 5.7% من مساحة العالم.
وهذه المساحة الشاسعة زاخرة بالموارد الطبيعية المتنوعة التي لا يمكن لدولة ضخمة ومتسعة بهذا الشكل أن تسبر أغوارها دون الاستعانة بتكنولوجيا قادرة على مسح الموارد بنظرة كلية مثل تكنولوجيا الأقمار الصناعية. ومن هنا جاء اهتمام البرازيل المتزايد بتكنولوجيا الفضاء وجاء اهتمام الدول الكبرى بالتعاون مع ومراقبة برنامج البرازيل الفضائي.

يتكون برنامج البرازيل الفضائي من ثلاثة عناصر رئيسية أبرزها وجود قاعدة إطلاق للقاذفات الفضائية على المحيط الأطلنطي الجنوبي قرب خط الاستواء، والعنصر الثاني هو صناعة الصواريخ وقاذفات الإطلاق والتي تحاول البرازيل منذ فجر عصر الفضاء أن تأخذ فيها موطئ قدم بين الدول الفضائية المنافسة.
والعنصر الثالث هو صناعة الأقمار الصناعية ومكوناتها والتي تمتلك البرازيل فيها قدرة ليست بمستوى طموحها، كما أنها تقتصر على مجالات الأرصاد المناخية والاستشعار من البعد. ولعل سبب عدم تقدم البرازيل بالدرجة المتوقعة من دولة كبيرة بدأت نشاطها الفضائي منذ بدء عصر الفضاء في الستينات من القرن الماضي هو تركيزها على مجال الصواريخ والقاذفات بما لها من تطبيقات وتداعيات استراتيجية وعسكرية كانت الدول الكبرى ترمقها بحذر ولم تقدم للبرازيل يد المساعدة حتى تخلت البرازيل عن هذا التوجه ونقلت تركيزها إلى الجانب المدني في عام 1994.
وليست لدى البرازيل طموحات في المشاركة في غزو الفضاء خارج محيط كوكب الأرض، بل تركز حالياً بشكل مكثف على استخدامات الأقمار الصناعية في مراقبة الأرض واستغلال مواردها وعلى بناء قدرتها على وضع أقمار صناعية في مداراتها بقدرتها الذاتية.

*أولاً: قاعدة الإطلاق الفضائية في الكانترا Alcantara: (القنطرة)

يرجع أحد أسباب أهمية البرازيل استراتيجياً في مجال الفضاء إلى امتلاكها قاعدة إطلاق فضائية تقع على خط الاستواء تقريبا وهي قاعدة «الكانترا- Alcantara».

ويعد امتلاك محطة إطلاق فضائية أحد العناصر الرئيسية المؤهلة لدخول الدولة في عداد الدول الفضائية الكبرى أو ما يعرف بدول نادي الفضاء، وهذه الدول هي التي تمتلك القدرة الذاتية على وضع أقمار صناعية، لها أو لغيرها، في المدار القريب على الأقل. وليست هذه الأهمية عسكرية أو استراتيجية فقط كما قد يتبادر إلى الذهن بل هي اقتصادية بالدرجة الأولى حيث يبلغ حجم سوق إطلاق الأقمار الصناعية نحو 100 مليار دولار سنوياً ويتزايد بنحو 20% سنوياً.
ويذهب الجزء الأكبر من هذه السوق إلى الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا ممثلة في وكالة الفضاء الأوروبية وفرنسا التي تمتلك القاذف أريان الذي يطلق من قاعدة غيانا الاستوائية، بينما تحاول الصين والهند اقتناص جزء من هذه الكعكة الاقتصادية الشهية.
وجزء كبير من هذه السوق يأتي من الإطلاق المنتظم لأقمار للأغراض المدنية المختلفة والمستقرة الآن في مجال الفضاء وهي أقمار الاتصالات والبث التلفزيوني وأقمار الرصد المناخي وتطلق إلى مدار يسمى المدار الجغرافي الثابت على ارتفاع 35,800 كم وأقمار الملاحة وتحديد المواقع وتطلق إلى مدار متوسط يبلغ ارتفاعه حوالي 20,000 كيلومتر وأقمار الاستشعار عن بعد والتصوير ومراقبة الأرض وتطلق بكثافة من دول مختلفة إلى ارتفاعات أقل عادة من 800 كيلومتر، وحتى يمكن تقدير التكلفة للإطلاق فإن إطلاق قمر متوسط الحجم أي نحو 200 كغم إلى مدار قريب قد يتكلف نحو خمسة ملايين دولار بينما يتكلف إطلاق قمر كبير إلى مدار بعيد نحو 80 مليون دولار، ويتغير السعر كثيراً لاعتبارات سياسية واقتصادية ودولية متعددة.
وتقع محطة الإطلاق البرازيلية «الكانترا القنطرة» على ساحل البرازيل الشرقي على المحيط الأطلنطي في تقاطع خط عرض 2.3 درجة جنوب خط الاستواء وخط طول 44.4 درجة غرباً خارج حدود مدينة ساو لويز البرازيلية. ويعطي هذا الموقع القريب من خط الاستواء محطة القنطرة ميزة نسبية في إطلاق القاذفات الفضائية إذ يمكن لهذه القاذفات الاستفادة من دوران الأرض في إعطاء دفعة للصاروخ في اتجاه الدوران من الغرب إلى الشرق مما يقلل الوقود اللازم للصاروخ للوصول إلى مداره أو يجعله يستطيع حمل حمولة أكبر إلى نفس المدار غير أن هذا الوفر قد لا يزيد على 2-3% من حمولة الوقود بالصاروخ.

* ثانياً: القوة الصاروخية للإطلاق:

يمثل طموح البرازيل لامتلاك قدرة مستقلة لإطلاق الأقمار الصناعية ذروة طموحها الفضائي وقلبه، وهي منزلة لم تبلغها من قبل إلا تسع دول تمثل دول نادي الفضاء وهي روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا واليابان والهند و«إسرائيل» وأضيف إليها مؤخراً إيطاليا التي تمتلك أيضا قوة إطلاق مستقلة.
منذ عام 1961 وحتى عام 1994 كان البرنامج البرازيلي الذي كان يملك إمكانات كبيرة في الصواريخ وقواعد الإطلاق ذا طابع عسكري وتحت إشراف جهات عسكرية مما عطل تقدمه نتيجة مخاوف عدد من الدول الكبرى من مخاطر الانتشار النووي. وقد بدأ برنامج الفضاء البرازيلي انطلاقته في صورته المدنية منذ إنشاء وكالة الفضاء البرازيلية في عام 1994 ونقل الإشراف إليها كهيئة مدنية للإشراف على أنشطة الفضاء.
وقد تركز طموح البرازيل على القاذف الأوكراني الصنع«سيكلون-4» والقاذف المحلي المسمى VLS-1 وهي الحروف الأولى من Satellite Launch Vehicle «أو مركبة حمل الأقمار».
والقاذف «سيكلون-4» نسخة مطورة من القاذف «سيكلون-3» والمصنّع بواسطة أوكرانيا بعد إضافة مرحلة صاروخية ثالثة قوية واقتباس غلاف أنف الصاروخ من القاذف الأوروبي إيريان. وقد مر برنامج التعاون البرازيلي الأوكراني بمراحل عديدة من المفاوضات والاتفاقات وبدا أنه على وشك الوصول إلى مرحلة التنفيذ إلا أن الظروف السياسية التي مرت بها أوكرانيا مؤخراً والنقص في التمويل المتاح للبرازيل بعد الأزمة العالمية أديا فيما يبدو إلى تعثر هذه المفاوضات ثم إلى توقف البرنامج كلياً.

* ثالثاً: الأقمار الصناعية في البرنامج البرازيلي:
تمتلك البرازيل مجموعة من الأقمار الصناعية لمختلف الأغراض الفضائية، وبعضها أقمار اتصالات جرى شراؤها من أمريكا وأوروبا، كما يوجد لدى البرازيل أربعة أقمار لرصد البيانات المناخية وهي الأقمار& 3 SCD1, 2, 2A.وقد بدأت هذه الأقمار مبكراً كأقمار تجريبية في برنامج الفضاء البرازيلي لجمع البيانات المناخية وإرسالها إلى نحو 700 محطة منتشرة على مساحة البلاد، وقد أطلق أول هذه الأقمار في 9 فبراير/شباط 1993 والثاني في أكتوبر/تشرين الأول 1998 وظل هذا القمر الثاني في مداره حتى 2012.

التعاون الصيني - البرازيلي في أقمار الاستشعار - برنامج سبيرس (CBERS):

نشأت قاعدة التعاون بين الصين والبرازيل في مجال الفضاء في مايو/أيار 1984 باتفاقية تعاون علمي عامة وفي 1988 وقعت الدولتان اتفاقية المشروع وأتاحت هذه الاتفاقية الفرصة للبرازيل لتدخل في مجال صناعة الأقمار الصناعية المتوسطة بينما كان نشاطها حتى ذلك الحين لا يتعدى الأقمار ذات الوزن أقل من 100 كغم، وقد جددت اتفاقيات للمشروع في 1994 بعد مناقشات مكثفة وزيارات متبادلة لمعامل ومراكز بحوث الطرفين.
خاتمة:

وعلى الجملة فإن البرازيل دولة كبرى في المساحة والموارد والاقتصاد وعدد السكان ولكنها دولة متوسطة في المستوى التكنولوجي الفضائي، ورغم أنها لا يمكن حسابها بين الدول الناشئة أو النامية فضائيا وتكنولوجيا مثل دول عالمنا العربي والإفريقي والتي تكتفي ببرامج فضاء تقوم عادة على سلسلة من أقمار الاستشعار واستخدام بياناتها في التنمية، إلا أنه لا يمكن من الناحية الأخرى القول إنها حققت المكانة التي تصبو إليها. وما زال أمام البرازيل مسافة ليست قليلة لتحقق لنفسها الاستقلال العلمي والتقني وبالتالي تستطيع أن تمتلك مقومات عصر الفضاء بقدرتها الذاتية وتستخدمها في خدمة شعبها وخططه القومية للتنمية.


* أستاذ بكلية الهندسة (جامعة القاهرة) خبير استراتيجيات وتكنولوجيا الفضاء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"