نحن في أمس الحاجة إلى الوقف بصفة عامة، ليقوم بدوره في إقامة صرح الحضارة، وتحقيق النهضة من جديد، وحاجتنا إلى نوع من الوقف غيب كثيراً هو الوقف المؤقت، أشد.
والذي غيب الوقف المؤقت في القرون الماضية هو أن العمل كان يجري في معظم أنحاء الدولة الإسلامية على المذهب الحنفي، والمفتى به في هذا المذهب هو الوقف المؤبد. غير أن عددا من علماء كل مذهب وفقهاء المذهب المالكي يقولون بجواز الوقف المؤقت، أي أن الواقف له بالخيار إما أن يختار صيغة الوقف المؤبد وإما أن يختار صيغة الوقف المؤقت.
فهل جدت ظروف في أيامنا تجعل الوقف المؤقت هو الأنسب والأكثر قدرة على بعث الوقف وتمكينه من أداء الدور الذي قام به في الماضي؟
وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: هل حدثت للناس ظروف جعلتهم لا يقبلون على الوقف في ظل الصورة التقليدية القائمة على تأبيد الوقف، فأصبحنا في حاجة إلى الأخذ بصورة الوقف المؤقت، حتى نعيد إلى الوقف دوره الذي كان له، والذي على أكتافه قامت الحضارة الإسلامية الزاهرة؟ إن الإجابة عن ذلك: نعم.
لقد كانت العقارات هي الشكل المثالي للوقف المؤبد، لأنها الأكثر بقاء، حتى رأينا بعض الفقهاء يقصر محل الوقف على العقار. ورأينا من يبيح وقف المنقول يحصره في صور استثنائية محددة. بسبب أن التأبيد لا يناسب المنقول، الذي هو بطبيعته سريع الزوال قريب الانتهاء. فهل ظروف الناس اليوم تختلف عن ظروفهم يوم أن كانت الثروات تتمثل في العقارات من دور وأرض؟ هل ظهرت ثروات جديدة فاقت في أهميتها العقارات، ومن ثم لم يعد أصحاب المقدرة على الوقف هم مالكو الدور ومالكو الأرض دون غيرهم.
ظروف مختلفة
إن الحقيقة التي نراها رأي العين، وتفرض نفسها على أرض الواقع تقول: إن كل ذلك قد حدث، وأن الظروف المحيطة بالناس اختلفت كثيرا عما كانوا عليه في الماضي، وأن الثروات الضخمة في عالم اليوم، إنما تتمثل في الأرصدة النقدية في البنوك والأسهم والسندات، وأساطيل النقل البري والبحري والجوي، والفنادق العائمة والحاويات الضخمة، وشركات السياحة والاتصالات، وأنشطة المهن الحرة للأطباء والمهندسين ورجال المحاماة ورجال الأعمال. إن أغنياء اليوم هم أصحاب هذه المنقولات، وهم الذين يستطيعون الوقف، وهم الذين ينبغي أن توجه إليهم الدعوة للقيام به وتحقيق أهدافه، فكيف نيسر لهم سبل الوقف؟ وكيف نعينهم على هذه القربة؟ لابد لتحقيق ذلك من تفعيل الوقف المؤقت الذي يقوم على وقف المنقول قبل العقار.
وأيضاً الذين يملكون العقارات من دور وأرضين، قد لا يستطيعون التنازل عنها نهائياً بطريق الوقف المؤبد، وإنما يمكنهم التنازل عنها مؤقتاً ولمدد زمنية معينة، تتجدد بعدها حاجتهم إليها، وإذا اقتصرنا على الوقف المؤبد فقد خرج هؤلاء من عداد القادرين على الوقف. أي أن الوقف المؤبد لا يناسب ظروف الكثيرين ممن ينبغي أن نيسر لهم ونوسع عليهم في تمكينهم من ممارسة التقرب إلى الله تعالى بقربة الوقف. فقد يملك الشخص عقاراً ولا يحتاج إليه إلا في بعض أشهر العام، أي أن حاجته إليه موسمية، كصاحب شقة في مصيف يحتاجها أشهر الصيف، ولا يحتاجها بقية العام، فهو لا يستطيع وقفها وقفاً مؤبداً، لكنه يستطيع وقفها خلال العام الدراسي على طلاب الجامعة، ثم تعود إليه في فصل الصيف وتوقف الدراسة.
إن الوقف المؤقت يفتح الباب واسعاً أمام الذين لا تسمح إمكاناتهم بتقديم عقاراتهم في شكل الوقف المؤبد، ويأتي الوقف المؤقت فيمكنهم من التغلب على عدم تناسب الوقف المؤبد مع ظروفهم، ويفتح لهم طريق القربة والثواب واسعاً، محققاً مصلحة المجتمع، ومصلحة الموقوف عليهم، عندما تستغل إمكانات المجتمع في توليد المنافع للموقوف عليهم وقفاً مؤقتاً، بدلاً من إهدار هذه المنافع.
إطار مؤسسي
بيد أن الوقف المؤقت عندما يعود إلى مالكه بعد نهاية المدة المحددة، يترك بعض الفراغ عندما ينسحب من الميدان في نهاية المدة، فهل يمكن وضع الوقف المؤقت في إطار مؤسسي يكسبه أيضاً الدوام والاستمرار؟
نعم يمكن، وعلينا أن نحاول وضع الوقف المؤقت في صيغة يستجيب فيها لمصالح الناس، ولا يتخلى عمن تعود الاستفادة منه. فقد نرى فرداً يقف وقفاً مؤقتاً لعين من الأعيان أو منفعة من المنافع بصفته الفردية، وعلى أفراد معينين، كصاحب شقة يقفها خلال أشهر الدراسة على طلاب كلية من الكليات الجامعية، وينتهي الوقف بانتهاء الدراسة، وتعود إليه شقته ليستغلها بنفسه في أشهر الصيف، ويعود إلى وقفها في العام التالي أو لا يعود. وليس هناك ما يمنع من هذه الصورة من صور الوقف المؤقت، لكن الوقف المؤقت سيؤدى دوراً أفضل، ويخدم المحتاجين خدمة أعم، إذا ما جعل في شكل مؤسسي يكتب له به الدوام والاستمرار في الجملة، لا في آحاد الواقفين. لكن كيف الطريق إلى ذلك؟ في مثال الشقة السكنية الذي ذكرناه، سيكون من الأفضل أن تتكون جمعية أو هيئة أو مؤسسة تجعل مهمتها تجميع هذه الشقق التي يحب أصحابها أن يقفوها خلال أشهر الدراسة، ونستطيع بذلك أن نوفر للطلاب عشرات الشقق في الجملة، بحيث إن أنهى أحد الواقفين وقف شقته، أو انتهى الأجل الذي حدده لجعلها وقفاً، حل محله شخص آخر يقف شقة أخرى، وهكذا يوجد العديد من الشقق تحت تصرف المؤسسة المشرفة على هذا النوع من الوقف، وتتغير الشقق، ويتغير المستفيدون، ويتغير الواقفون، وتبقى المؤسسة تقدم الخدمة بصورة أفضل من ذي قبل وبصفة مستمرة. وما ينطبق على مثال الشقة الذي مثلنا به، ينطبق على غيرها من المجالات.
وعلى سبيل المثال يمكن إنشاء مؤسسة وقفية لدعم البحث العلمي في مجال من المجالات التي يحتاجها المجتمع، وتطلب من الراغبين وقف المبالغ التي يرغبون في وقفها، مؤبدين وقفهم أو مؤقتين، وتستثمر هذه الأموال وينفق عائدها على الغرض الذي قامت من أجله المؤسسة الوقفية.