حقوق غير المسلمين مضمونة بنصوص القرآن والسنة

دين التسامح
05:40 صباحا
قراءة 5 دقائق

لم تنعم أقلية دينية بالأمن والاستقرار والحقوق الدينية والمدنية كما نعمت الأقليات الدينية غير الإسلامية في ديار الإسلام.. فقد كفل الإسلام لكل من يعيش على أرضه أماناً وحرية وحقوقاً في الوقت الذي يعاني فيه المسلمون التمييز والاضطهاد في كثير من بقاع الأرض.

هذه الحقيقة لا نلمسها فقط في عالمنا المعاصر.. بل هي ثقافة راسخة في سلوك المسلمين وقناعاتهم طوال التاريخ.. ولذا بقيت الأقليات غير المسلمة داخل الدول الإسلامية وزادت أعدادها، وهذا أكبر دليل عملي على سماحة المسلمين التي يستمدونها من تعاليم دينهم، وعلى رغبتهم في التعايش السلمي مع الآخر، فمسيحيو الشرق تنامت أعدادهم في كل البلاد العربية، وحُميت كنائسهم، وتعددت طوائفهم بشكل يؤكد قبول المسلمين للآخر، وحسن تعاملهم معه، وخاصة أتباع المسيح عليه السلام. ولو حدث تجاوز ضد فرد غير مسلم في مجتمع إسلامي، فهو سلوك متطرف يقابل باستنكار الجميع وإدانتهم، وينال فاعله على ذلك ما يستحق من عقاب.

يقول د. عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر: حقائق التاريخ تشهد أننا كنا وما زلنا كراماً في التعامل مع غير المسلمين الذين يعيشون في بلادنا الإسلامية، وكنا وما زلنا نوفر لهم الحماية لأنفسهم وأعراضهم وممتلكاتهم، وفي بعض البلاد الإسلامية يجدون رعاية أكثر من المسلمين.

تسامحنا وتطرفهم

ويضيف: في كثير من بلادنا العربية والإسلامية تتنامى الأقليات غير الإسلامية، ويحرص المجتمع بأغلبيته الإسلامية على حماية حقوق هؤلاء الأمر الذي يؤكد روح المسلمين السمحة، وتقبلهم للمخالفين لهم في العقيدة. وفي واقع العلاقة بين الأغلبية المسلمة والأقلية غير المسلمة في البلاد العربية ما يقدم عشرات الأدلة والبراهين على ثقافة التسامح التي تسيطر على عقول ونفوس المسلمين تجاه شركاء الوطن والمصير.

ويوضح د. العواري أن ثقافة التسامح المترسخة في نفوس المسلمين تجاه من يخالفونهم في العقيدة ويشاركونهم في الوطن ومعظمهم من المسيحيين ليست وليدة العصر.. بل هي ثقافة متوارثة، ففي كل العصور الإسلامية كانت تلك الثقافة سائدة، حيث عاش غير المسلمين وتكاثروا في دول عربية وإسلامية عديدة بفضل روح التسامح التي وجدوها من المسلمين في هذه البلاد.

يحدث هذا- للأسف- في الوقت الذي تتنامى فيه جماعات يمينية في الغرب ترتكب جرائم تستهدف تخويف الأقليات الإسلامية، وطرد المسلمين من تلك البلاد.

ومن المؤسف أن شعارات طرد المسلمين لا تزال تتردد في كثير من البلاد الغربية مع أن المسلمين لا يشكلون خطراً على أي بلد، وهم في كل قارات العالم بناة حقيقيون، ولو كانت هناك عناصر شاردة أو متطرفة ترفع شعارات دينية وتتمسح في الإسلام، فهؤلاء ليسوا حجة على ديننا ولا يمثلون أية نسبة بين المسلمين.. وهناك من يقابلهم من المتطرفين المسيحيين واليهود.. وربما أكثر في كل دول العالم الغربي.

عهود المسلمين

د. عبد المقصود باشا، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر، يؤكد من جانبه أن حماية حقوق غير المسلمين في البلاد الإسلامية لا تأتي نتيجة ضغوط سياسية أو تطبيقاً لمعاهدات ومواثيق دولية كما قد يتوهم البعض.. بل هي تأتي دائماً نتيجة ثقافة رسختها نصوص القرآن والسنة في نفوس المسلمين بأن هؤلاء «إخوة لنا» ولهم حقوقنا كافة، كما أنهم في حمايتنا، انطلاقاً من مبدأ المعايشة الحقيقية مع هؤلاء.

ويضيف: الإسلام منذ بدء رسالته أعلى قيمة المعايشة مع المختلف في العقيدة، وانطلاقاً من إيمان أتباعه بكل الأنبياء والرسل كان تسامح المسلمين تسامحاً حقيقياً، وليس شعاراً للاستهلاك السياسي والخداع الإعلامي، ولذلك نمت الأقليات غير الإسلامية في بلاد المسلمين بعد أن اطمأن أفرادها إلى أنهم في أمان على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم وأموالهم.. وفي واقعنا المعاصر نجد أكثر الأثرياء في بعض الدول العربية من غير المسلمين، وأموالهم وثرواتهم ومشروعاتهم الاستثمارية تجد رواجاً وتحقق أعلى معدلات الربح بفعل إقبال المسلمين عليها.. فهل هناك تسامح وتعايش وتعاون أفضل من ذلك؟

ويشير أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية إلى قيمة مهمة حافظ عليها المسلمون منذ العهد النبوي وحتى اليوم، وهي الوفاء بحقوق غير المسلمين الذين يقيمون في أوطانهم، سواء تم إقرار هذه الحقوق من خلال عهود ومواثيق أو تضمنتها قوانين تطبق على المسلم وغير المسلم.. أو كانت من خلال مبادرات من حكام البلاد الإسلامية، وفي واقعنا المعاصر تحظى الأقليات غير الإسلامية في بعض البلاد العربية بحقوق وامتيازات تتطلع إليها الأغلبية المسلمة.

وفي تاريخنا عهود ومواثيق بدءاً من عهد الرسول مع يهود المدينة أو نصارى نجران أو عهد عمر بن الخطاب في فتح القدس أو فتح مصر تجسد قدراً كبيراً من التسامح مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.. هذا فضلاً عن فتاوى الفقهاء القدامى أو المحدثين التي تؤكد حقوق الأقليات غير الإسلامية، وخاصة أهل الكتاب داخل مجتمعاتنا الإسلامية.

حرية الاختلاف

من جانبه يؤكد د. مجدي عاشور، مستشار مفتي مصر وأستاذ الشريعة الإسلامية، أن حماية حقوق الأقليات الدينية في البلاد الإسلامية كفلتها شريعتنا الغراء، حيث لم تفرق بين مسلم وغير مسلم في الحقوق والواجبات داخل المجتمع الإسلامي، وضمنت لغير المسلم حقوقه كاملة، وواجهت بحزم كل ما يؤدي إلى التباغض والتناحر والتخاصم. بين المسلم وغير المسلم داخل المجتمع الإسلامي.

ويضيف: في ظل أحكام وتعاليم الإسلام لا يمكن أن يضار مواطن بسبب دينه، ولا تمييز لمواطن على مواطن إلا بما يقدم لوطنه من جهد وعطاء متميز.. وبهذا يحمي الإسلام المجتمع من كل آفات العصبية، سواء كانت للأرض أو اللون أو الجنس أو القبيلة، فالجميع من أب واحد وهو آدم عليه السلام.

ويشدد د. عاشور على أن الإسلام كفل للأقليات غير المسلمة في البلاد الإسلامية حقوقها كاملة غير منقوصة، وجاء على رأس هذه الحقوق كفالة حرية الاعتقاد، والتي جسدتها القاعدة القرآنية في قوله تعالى: «لا إكراه في الدين».. موضحاً أن كل حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي منصوص عليها شرعاً، وكل تجاوز في التعامل مع هذه الحقوق يواجه برفض من المجتمع كله، وفي مقدمة من يحرص على حقوق الأقليات غير الإسلامية في المجتمعات الإسلامية هم علماء الإسلام.

ويشير مستشار مفتي مصر إلى أن المواثيق الإسلامية لحقوق الأقليات في المجتمع الإسلامي زاخرة بكل ما يؤكد عظمة الإسلام وعدالة مواقفه، وقد حفظت هذه المواثيق لتلك الأقليات حرية الاختلاف في المعتقد الديني، ونصت على احترام الوجود المؤسسي لها بعدم تغيير أسقف ولا راهب، كما نصت على العدل في القضاء والمساواة في تحمل الأعباء المالية، وكفلت لهم الحرية الدينية، وألزمت الدولة المسلمة برعاية حقوق الأقليات غير المسلمة وحمايتها من أي عدو خارجي، بل إن الإسلام أوجب على المسلمين فك الأسير من المعاهَدين.

تاريخ مجيد

وأكد د. عاشور أن التاريخ الإسلامي حافل بكل صور التسامح في التعامل مع الأقليات الدينية، ولم يعرف إكراهًا في الدين، بل على العكس ترك الناس وما يدينون دونما أي إكراه، والنماذج والبراهين على ذلك كثيرة، وقد شهد بهذا المستشرق الإنجليزي «سير توماس أرنولد» الذي قال: «إنه من الحق أن نقول: إن غير المسلمين قد نعموا- بوجه الإجمال- في ظل الحضارة الإسلامية بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلاً في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة، وإن دوام الطائفة المسيحية في الوسط الإسلامي يدل على أن الاضطهادات التي قاست منها بين الحين والآخر على أيدي المتزمتين والمتعصبين كانت من صنع الظروف المحلية، أكثر مما كانت عاقبة مبادئ التعصب وعدم التسامح».

وينتهي د. عاشور إلى تأكيد أن هذا التسامح الإسلامي الواضح مع الأقليات غير الإسلامية يرجع إلى عاملين رئيسين أولهما ثقافة التسامح المتأصلة بفعل الجذور الفكرية النابعة من العقيدة الإسلامية، وثانيهما طبيعة البيئات العربية الشرقية الأكثر إيماناً وتعددية وقابلية للتعايش مع المخالفين.

وهذا يؤكد أن الإسلام بطبعه يقبل الآخر، واختلاف الأديان في نظر الإسلام لا يعني مصادرة حقوق المخالفين.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"