لم يكنْ عادياً، بالنسبة إليّ، أنْ أكون في مدينة تنامُ وتصحو على الثلج، أياماً متتالية. لأن ما شهدتُهُ في الماضي من حوادثَ ثلجيةٍ لا يعدو كونه سقوطاً ظرفياً استثنائياً، لا يلبثُ أنْ يتلاشى في ساعات، وقلّما تبقى آثارُهُ إلى اليوم التالي.لقد مثّلت الأيام الأولى من العام الجديد تجربةً فريدةً بالنسبة إليّ، في مدينة بلومنغتن في ولاية إنديانا الأمريكية. لقد شعرتُ بأنني أكتشف الثلج، أو بالأحرى أكتشف الطبيعة التي يسودها الثلج، وأكتشف تالياً ما يمكن أن تعكسه هذه الطبيعة في النفس من حالاتٍ وانطباعاتٍ ومشاعرَ وصُوَر ورؤىً... وما إلى ذلك. وقد زادتْ في غنى تجربتي هذه تغيراتُ الطقسِ الكثيرةُ في أحضان الطبيعة الثلجية.ففي اليوم الواحد، وبوجود الثلج والصقيع، يمكن للطقس أنْ يتحوّلَ من الغائم إلى المشمس، من الغامض إلى الصافي، من المتجهّم إلى المتألق، من البارد جداً إلى البارد قليلاً إلى المنعش... الخ. وفي هذه التغيرات ما يبعث على تحوّلاتٍ في النفس، تهبط بها وتصعد، تُظلم بها وتُشرق، تنكفئ بها وتنطلق... الخ.الثلج صفحةٌ جديدة، صفحةٌ خالية، يدعوك إلى البدء من جديد، يدعوك إلى التجدّد. وإذا كان يجثم أياماً عديدةً متتالية، فإنه يدعوك إلى التجدّد كل يوم. هذا ما شعرتُ به وخبرتُهُ في بلومنغتن. ومع أنه كذلك، صفحةٌ ناصعةٌ فسيحةٌ فارغة، فهو من جهة ثانية صفحةٌ غنيةٌ بما تنطوي عليه من أسرار وإيحاءاتٍ وأبعاد. إنه صفحةٌ لقراءاتٍ لا تنتهي.الثلجُ معجزةُ اللون. إنه آيةُ البياض الذي ليس لوناً. ليس كالألوانِ ولكنه يحتضنها جميعاً، يغيبُها كلها، ويتألقُ وحدَه كأنه نورُ الغياب.هذه الآيةُ الثلجيةُ البديعةُ تتجلّى خصوصاً في الأيام الباردة المشمسة، كالتي شهدتُها في بلومنغتن. ففي هذه الأيام، يجثمُ الثلجُ على الأرض قوياً كثيفاً متماسكاً، بسبب البرودة الشديدة والتدني في درجة الحرارة، والشمسُ تسطعُ في الصحو الكامل الذي يجعل السماءَ صافيةً خاليةً من الغيوم. وفي مثل هذا الطقس، يحصلُ العناقُ الثري الباهرُ بين الثلج والشمس، وتنطلقُ الألوان في كل اتجاه، جليةً أو خفيةً، واضحةً أو غامضة، قريبةً أو بعيدة، نافرةً أو خجولة... الخ. وإزاء هذا العناق الذي يلعبُ فيه الضوءُ لعبته الساحرة، تشعرُ بأنّ البدايةَ التي أوحى بها الثلجُ أودعاكَ إليها هي بداياتٌ لا تُحْصى. تشعرُ بأنّ الصفحةَ البيضاءَ الناصعةَ التي بسطَها الثلجُ أمامك، ليست سوى دعوة إلى السفر، إلى الاستغراق في قراءاتٍ من كل نوع. وفي مدينة مثل بلومنغتن، يفرضُ عليك الثلجُ طقوساً وعاداتٍ يومية، بعضُها يشق عليك، وبعضُها يروقُك وتأنسُ له. ففي الأيام الغائمة جداً، التي يضيقُ فيها النهارُ وينقبض، يزيدُ الثلجُ من حالة الانقباض، فتشعرُ وكأنّ الجهاتِ قد أطبقتْ عليك. فيكون من الأفضل لك في مثل هذه الحالة أن تتجنّب الخروج من البيت، وبخاصة إذا كانت البرودة شديدةً جداً، فهي أحياناً تجعلُ الخروج متعذراً.وأما في الأيام الصاحية، التي تسمح برؤية واضحة بعيدة، والتي قد تكون غائمةً قليلاً أو مشمسة، فإنّ الثلجَ يدعوك إلى الانطلاق، يوحي لك بحالة من التوثّب. فيحلو لك مثلاً أن تتجوّل من دون هدفٍ على البساط الأبيض المترامي، ماشياً على قدميْك حيث الشوارعُ والأرصفةُ تترامى هي أيضاً مخطوفةً بلا هدفٍ أو اتجاه، أو بالسيارة إذْ يتسنّى لكَ من أمكنة معيّنة أنْ تشملَ -بنظرك- مشاهدَ لا حدودَ لها، ويُشكلُها الثلجُ على نحْو يُتحِفُك دائماً بالمفاجآت.كذلك يمنحُك الثلجُ، إذْ يقيمُ طويلاً، أحاسيسَ خاصةً ومتنوّعةً حيال الزمن، أو بالأحرى حيال المراحل المتعاقبة خلال اليوم الواحد.ففي الليل مثلاً، تشعرُ بهِ مُحيطاً ببيتك، قريباً جداً منك، أليفاً مثل هرّ أليف. تذهب للنوم، وتتركه ساهراً وحدَه. وفي الصباح تنهضُ من نومك، تنظر من نافذتك، فتجدُهُ مُشْرقاً من جميع الجهات.