كلما وقعت حادثةٌ في هذه الأيام، ارتفعت الأصواتُ المطالبةُ بكشف الحقيقة، وسارعت وسائلُ الإعلام (المتطورة) إلى نقل الوقائع وإعداد التقارير. ثم تتسع التحقيقات وتتداخل الأمور، وتبقى الحقيقةُ غائبةً، وتستمر المطالبةُ بالكشف عنها.لنتّخِذْ من لبنان مثالاً في سياق حديثنا هذا. ففي السنوات الثلاث الماضية، حصلت فيه أحداثٌ كثيرة، لم تُعرفْ - على وجه الدقة - حقيقةُ أيّ منها.وآخرها مازال قريباً، لم تمض عليه سوى أيام، وذلك عندما وقع إشكالٌ بين الجيش والمتظاهرين احتجاجاً على انقطاع الكهرباء في إحدى ضواحي بيروت، وأدّى إلى سقوط قتلى وجرحى من المتظاهرين، طالب ذووهم الجيشَ والحكومةَ بمعرفة حقيقة ما جرى، وطالبت بذلك أيضاً قوى سياسية فاعلة على الساحة اللبنانية. وكان مسلسلُ الأحداث الأخيرة الغامضة المعقّدة قد بدأ باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وما زالت التحقيقاتُ جاريةً حول هذه الحادثة، التي أُنشئتْ محكمةٌ دوليةٌ بشأنها. وقد تبعتْ هذه الحادثة اغتيالاتٌ وتفجيراتٌ متعاقبة، وما زال الغموضُ يلفها كلها، فيما يُثارُ حولها الكثيرُ من التكهّنات والتقديرات والاتهامات.الحقائقُ لا تنكشف ولا تُكشف. وإذا عدْنا ثلاثة عقود إلى الوراء في مطالعة لما حصل في لبنان من مشاكل وأزماتٍ وحروب، لوجدْنا أنّ الألغاز والأسئلة المحيّرة لا تُحصى،فيما الحقائقُ أو المعلوماتُ المؤكّدةُ لا تكاد تُذكر.وما نقوله هنا عن لبنان ينطبق على غيره من البلدان، خصوصاً تلك التي تُشبهُهُ في كونه ساحةً للصراعات من كلّ نوع.هل من سبيلٍ إلى معرفة الحقائق؟ وإذا كنا نحتار إزاء الأحداث في الحاضر، فكيف بنا إزاء الأحداث في الماضي؟ وماذا عن وقائع التاريخ؟ وما نسبةُ الحقائق فيها؟ وهل يصح القول إنّ كتابة التاريخ لا تعدو كونها تقديراً أو وجهةَ نظر؟من الطبيعيّ والمنطقيّ أن نسوق هذه التساؤلات، ونحن نشهد تواليَ الأحداث في أيامنا هذه، حيث الإمكانات في التحقيق والتقرير والبحث والمراقبة والتقصّي باتت هائلة، وحيث وسائل الإعلام باتت قادرةً على نقل الوقائع بالصورة والصوت لحظةَ وقوعها. نشهدُ الأحداث، ونشاهدُها أحياناً لحظةً بلحظة، ولكننا نحتار إزاءها، وقد نزدادُ حيْرةً كلما ازداد الكلامُ عليها والتوسعُ في تحليلها. ولما كانت الأحداث أو الحوادث هي العناصر التي يتشكّلُ منها التاريخُ من زمن إلى زمن، كيف لهذا التاريخ أنْ يكون واضحاً أو معلوماً، طالما أنّ أحداثه التي نشهدُها في الحاضر تظل غامضةً أو مجهولة؟ وماذا نقولُ عن كتابة التاريخ؟ وبالأخصّ عمّا كُتِبَ في الماضي، حيث الوسائلُ كانت بدائيةً، والحصولُ على المعلومات كان شاقّاً، ودونه اعتباراتٌ وشكوكٌ من كلّ نوع.هناك مقولةٌ معروفةٌ مفادُها انّ التاريخ يكتبُهُ القويّ. وهي مقولةٌ مفادُها العميق انّ الكتابات التاريخية لا تنطوي على حقائق بقدْر ما تُعبر عن آراء ومصالح. أكثر من ذلك، يمكن القول في ضوء ما تقدم إنّ كتابة التاريخ هي سلاحٌ تستخدمه القوى المتصارعةُ فيما بينها. وهذا السلاح من شأنه أن يكون أخطرَ من غيره من الأسلحة، لأنه لا يكتفي بالعمل على التأثير مؤقتاً في ميزان القوى لجعله يميلُ في هذا الاتجاه أو ذاك، وإنما يعمل أيضاً على التأسيس لمشاكلَ في المستقبل. بكلمة أخرى، يجعلُ المستقبل رهينةً لِما يجري في الحاضر أو لِما جرى في الماضي. وذلك لأنه لا يعترف بوجود الحقائق ( المطلَقة )، ولا ينظرُ إلى الوقائع على نحْو موضوعيّ، بل ينظر إليها من زاوية معيّنة ، منحازة إلى هذه المصلحة أو تلك.إذن، كيف نقرأ التاريخ؟ إنّ المشاكل في كتابته تُحيلُنا على مشاكلَ في قراءته. وإذا كانت كتابتُهُ تخضعُ في الغالب لمنطق القوة، هل يمكن لقراءته أن تنجوَ من هذا المنطق نفسِه؟ وإذا كانت كل كتابة للتاريخ تغليباً لوجهة نظَر معيّنة أو محاولةً في هذا السبيل، أليست كل قراءة للتاريخ تأويلاً لِما تم الإخبارُ عنه من حوادث أو محاولةً في هذا السبيل؟ وهل نقولُ إنّ التاريخ بين كتابته وقراءته يظل مجهولاً؟! جودت فخرالدين[email protected]
حل وترحال ... التاريخ المجهول
18 فبراير 2008
02:21 صباحا
قراءة
3
دقائق