رحلة إلى الحبشة

مشاهدات محمد الكيلاني في الصومال الفرنسي 1934م
12:27 مساء
قراءة 12 دقيقة

محمد الكيلاني كاتب وصحافي دمشقي معروف، ورحلاته في أنحاء شتى دوّنها ونشرها في صحافة عصره، في العشرينات ارتبط بصداقات مهمة مع عدد من أدباء وكتاب عصره، وخلال الفترة ما بين الحربين قام برحلات عدة في معظم البلدان العربية، الواقعة تحت الانتدابات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، وزار الحجاز، والتقى الأمير شكيب أرسلان، وفي النصف الأول من الثلاثينات قام برحلة إلى الحبشة، بتشجيع من الأمير أرسلان، ليقف هناك على أحوال مسلميها، وأتيحت له بهذه المناسبة زيارة الصومال الفرنسي وإرتيريا واليمن وعدن، ودَوّنَ وقائع رحلته في كتاب أطلق عليه رحلة إلى الحبشة المسلمة.

انتقل بعد استقالته من الجيش إلى التدريس في مدارس فلسطين وشرق الأردن الرسمية ثم انصرف إلى الصحافة إثر وصوله إلى مصر في مطلع العشرينات، بعدها عاد إلى دمشق وأنشأ في دمشق صحيفة الجزيرة، وخلال الفترة ما بين الحربين قام برحلات عدة في معظم البلدان العربية، الواقعة تحت الانتدابات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، وزار الحجاز، وهناك التقى الأمير شكيب أرسلان، وفي النصف الأول من الثلاثينات قام برحلة إلى الحبشة، بتشجيع منه ليقف هناك على أحوال مسلميها، وأتيحت له بهذه المناسبة زيارة الصومال الفرنسي وأرتيريا واليمن وعدن.

كان ضابطاً في الجيش العربي بشرق الأردن، وخريجاً في الكلية الحربية من دمشق.

يقول الرحالة الدمشقي عن حبه للسفر وولعه به:

ولعت منذ نعومة أظفاري بحب الأسفار والتغرب عن الديار، وما إن شببت عن الطوق حتى كانت الحرب الكونية قد اندلعت نارها واستعر أوارها فلم تنفتح عيناي إلا على نيران تشب وعواصف تهب، وأرواح تزهق وأجسام بضة ناعمة ترهق؛ ونفوس بريئة تتطاير إلى السماء تشكو إلى بارئها ظلم الإنسان وعدوان البشرية.

يالها من مناظر بشعة ومآس دامية كلما ذكرتها ارتعدت فرائصي خوفاً وهلعاً وتمزق قلبي حزناً وجزعاً.

وفي تلك الأيام الداجية والظلمات الساجية تحركت في نفسي أول رغبة للسفر فغادرت مسقط رأسي دمشق إلى بيت المقدس لأجل ارتشاف مناهل العلم واستكمال ما يلزمني من المعارف، وقد أسعدني الحظ حينئذ بالانتظام في (الكلية الصلاحية)، التي كان لها الفضل الأوفى في تهذيب عواطفي وتنمية مشاعري وطبعي بطابع إسلامي مجيد، وتعريفي على شيء جديد اسمه (العالم الإسلامي)، فكنت أشعر في قرارة نفسي بأن من أقصى واجباتي الدينية والدنيوية أن أتبسط في معرفة هذا الشيء الجديد، وأن أقف على جميع ما يتعلق به من المعلومات والبيانات.

وإثر عودته من الحبشة دوّن الكيلاني رحلته وطبعها في كتاب قدم له شكيب أرسلان، ومما جاء في تقديمه:

إن كان بعض إخواننا المسلمين يجهلون حقائق أحوال الحبشة فعليهم أن يطالعوا التواريخ العربية والأوروبية المتعلقة بتلك المملكة وتوابعها، وبعد ذلك يحكمون حكمهم في الموضوع أو يستطلعون طلع هذه الأحوال بمراجعة مسلمي الحبشة أنفسهم، الذين عندنا منهم ما يقارب مجلدا من الكتب والتقارير عن أحوالهم السيئة والمظالم الواقعة عليهم، مما أشرنا إلى بعضه في (حاضر العالم الإسلامي) منذ اثنتي عشرة سنة.

ونهض أخيراً الوطني الفاضل الكاتب البارع السيد تيسير ظبيان الكيلاني الدمشقي فقصد إلى بلاد الحبشة بنفسه وجول فيها وشافه المفكرون والعلماء ومختلف الطبقات من مسلميها فعرف عن أحوالهم ما يطابق ما نعلمه نحن من الكتب المؤلفة والمكاتيب الخصوصية وقد أودع معلوماته هذه كتابه هذا الذي طبعنا فيه كلمتنا هذه وخير ما نوصي به بشأن هذا الكتاب هو حث الناس على قراءته إذ بذلك يأخذون صورة صحيحة عن الإسلام في الحبشة ويثنون على مؤلفه خير الثناء بما نصح للإسلام وأهله وخدم العروبة وأبناءها.

هنا ننشر مقطعاً من رحلة الكيلاني عن جيبوتي وبعض ما شاهده فيها بينما هو في طريقه إلى أديس أبابا، يقول الرحالة:

بلغت بنا الباخرة ميناء جيبوتي الساعة الخامسة والنصف من صباح الاثنين، أي أنها قطعت بنا المسافة بين بور سعيد وجيبوتي في أربعة أيام ونصف، ولم نقف في ميناء من موانئ البحر الأحمر. وجيبوتي هي عاصمة الصومال الفرنسي والميناء الطبيعية الوحيدة لمملكة الحبشة وإن لم تكن تابعة لها.

كانت الحكومة الفرنسية اشترت سنة 1836 ميلادية من الرؤساء المحليين موقعاً يسمى (أوبوك)، الواقع شمالي خليج تاجورا على مقربة من مضيق باب المندب، واتخذت الموقع المذكور محطة للزاد والذخائر والفحم اللازم للسفن الحربية الذاهبة إلى الشرق الأقصى أثناء حرب الصين عام 1831 ثم أخذت أهمية هذا الموقع تزداد حتى أصبح ثغراً مهماً لجميع البواخر الذاهبة والقادمة من الهند الصينية، ولكن نقص عمق المياه هناك ووجود جبال شاهقة صعبة المرور بين هذا الثغر والبلاد الداخلية حمل الحكومة الفرنسية على التفتيش على موقع آخر يكون أكثر ملاءمة، ووقع حينئذ الاختيار على جيبوتي الحالية الواقعة أمام (أوبوك)، وبذلك نقل الثغر إليها وبوشر عام 1888 بإنشاء الأرصفة والأبنية على تلك الأرض الجرداء القاحلة وبعد أعوام قليلة أصبحت مدينة كبرى ومرسى مهما للسفن وازدادت أهميتها بعد إنشاء الخط الحديدي، إلى هرر وأديس أبابا من قبل شركة فرنسية.

رسول الفندق: أخذت أستعد للنزول من السفينة، وعانيت كثيراً في جمع أمتعتي لأنَّ الحر كان شديداً جداً مع أن الشمس لم تشرق بعد، وكانت ثيابي مبللة من شدة العرق، وصعد إلى ظهر الباخرة بعض موظفي الأمن العام والصحة، وموظفي شركة مساجيري ماريتيم ومندوبي الفنادق، وقد سألت عن أفضل فندق في المدينة فقيل لي (الكونتننال)، فسلمت أمتعتي حالا إلى رسول هذا الفندق ثم عرضت جواز سفري على الشرطي المختص وهو فرنسي فلم يبد أية معارضة في نزولي وإنما كلفني أن أستلم الجواز من مركز الشرطة، فركبت حالاً الزورق البخاري (اللانش) المختص بالفندق وتوجهت إلى المرفأ وأنا أكاد أطير فرحاً لاعتقادي بأنني اجتزت العقبة الأولى في سفري.

وقد اغتبطت كثيراً إذ سمعت الغلمان السود من الصوماليين الذين أموا الباخرة لنقل الركاب يتكلمون العربية الواضحة بعد أن مضى على انقطاعي عن سماعها والتكلم بها خمسة أيام تقريباً.

وبعد أن أتممنا معاملة الجمرك توجهت إلى الفندق، وهو بالنسبة لفنادق جيبوتي يعتبر أفخمها وأعظمها، ولكنه بالنسبة لفنادق مصر وسوريا لا يمتاز عن فنادق الدرجة الثانية أو الثالثة، ويديره يونانيون عاشوا في مصر مدة من الزمن فتعلموا قليلا من العربية؛ وهو يدر عليهم الأرباح الطائلة لكثرة من يقصده من المسافرين، وله مطعم خاص؛ ومقهى خاص؛ ومكان خاص لشرب الخمور والمشروبات الروحية. وأجرة الغرفة فيه عن الليلة الواحدة خمسون فرنكاً (مع الطعام).

البشر والحيوان: وجيبوتي ميناء صغير واقع على خليج عدن، ويبلغ سكان هذه المدينة خمسين ألفا بينهم عشرة آلاف أوروبي فرنسي وإيطالي ويوناني وإنجليزي وهندي.... الخ وهي عاصمة الصومال الفرنسي، ولم يكن لها في الأيام الخالية أهمية تذكر، ولكن عندما تم تمديد الخط الحديدي إلى أديس أبابا انتعشت حركة الميناء انتعاشاً كبيراً.

ومعظم أبنيتها أوروبية وأكثر تجارها أوروبيون وهنود، وقليل من الصوماليين واليمانيين؛ وهي مقسمة إلى قسمين: الحي الأوروبي، والحي الوطني. ففي القسم الأول تقوم الفنادق والمطاعم والمتاجر، والقسم الثاني هو الحي الذي يقيم فيه أبناء البلاد من الصوماليين، وكلهم مسلمون وهو يتألف من عدة أكواخ من القصب أو الطين أو صفائح الزنك، تمتد إلى مسافات بعيدة، وفيها يعيش البشر إلى جانب المواشي والأبقار، التي ترد بكثرة من مختلف الجهات.

موت الأوروبيين: ويظهر أن الأشغال التجارية في هذه المدينة ناجحة تماماً، ولكن الأرباح الطائلة التي يجنيها أفراد الجاليات لا يغبطون عليها، فهم يعيشون عيشة متعبة جداً، ويعانون الأمريْن بسبب اشتداد الحر وقيل لي إن درجة الحرارة لا تهبط في الشتاء عن (30) بميزان سنتغراد.

ولكي يدرك القارئ أثر الحر في هذه المدينة أقول له إننا بلغناها في وقت كان الحر لا يزال فيها معتدلاً (لأننا في شهر مايو)، وكانت درجة الحرارة في غرف النوم (حتى في جوف الليل) لا تهبط عن (36) برغم وسائل التبريد الموجودة من مراوح كهربائية ومثلجات... الخ، وكانت في الشمس لا تقل عن خمسين.

وقد أخبرني بعضهم أنه لا ينقضي أسبوع إلا ويموت فيه شخص أو اثنان من الأوروبيين بتأثير ضربة الشمس.

ولكنني دهشت كثيراً حينما رأيت الصوماليين يسيرون في الشوارع المرصوفة بالإسفلت عند الظهيرة تحت أشعة الشمس المحرقة حفاة عراة، إلا من خرق بالية تستر عوراتهم، حاسري الرؤوس كأنهم يطوفون بين الرياض والغياض؛ وقد رأيت بعيني رأسي شيخاً مسناً لا يقل عمره عن السبعين يهرول في شوارع المدينة حافي القدمين، وعلى ظهره حمل كبير لا يقل وزنه عن ستين كيلو غراما، وكان منظر رأسه الأصلع ولحيته البيضاء وظهره المتقوس وشيخوخته المتهدمة يحز القلوب والنفوس، إنه يسير بهذا الحمل الثقيل من المحطة إلى المدينة والمسافة لا تقل عن ساعة كاملة لقاء أجرة لا تزيد على فرنك واحد يقتات به وعياله.

فما أكثر البؤساء والمعذبين في هذه الدنيا لقد سلخت نهاراً مزعجاً في جيبوتي خيل إلي انه سنة كاملة، وصرت ارتقب هجوم الليل بفارغ الصبر لعلي أجد فيه برداً وسلاماً ولكن ما عتمت أن غابت الغزالة فإذا بحر الليل أشد وطأة من حر النهار، فلم تكن المراوح الكهربائية ولا المراوح الصغيرة اليدوية ولا المياه المثلجة لتسري عني فاضطررت أن أهجر الفندق واستأجرت عربة، ويسمونها في تلك البلاد بالجارية، وكلفت السائق أن يطوف بي في الحي العربي الإسلامي.

الحي العربي: مررنا في تجوالنا من أمام أحد مساجد المدينة فنزلت من العربة لأداء فريضة الصلاة، وما كدت أضع قدمي على عتبة المسجد حتى احتشد حولي الرجال والأولاد وأخذوا ينظرون إلي شذراً ويستغربون دخولي لمسجدهم، فهم لم يعتادوا على رؤية البيض من المسلمين، ويعتقد أكثرهم أن المسلم يجب أن يكون ذا بشرة سوداء، ولكنهم ما لبثوا أن اطمأنوا إلي بعد أن شاهدوا وضوئي، وعقيب انتهاء الصلاة قبل علي إمام المسجد وقال:

إن هؤلاء الصوماليين تجمهروا حولك وأخذوا يحدقون بك من فرط سرورهم فهم يغتبطون كثيراً برؤية إخوانهم البيض من المسلمين.

وقد سررت كثيراً لما رأيته من خشوعهم وتقواهم حتى إن الأطفال الصغار كان عددهم لا يقل عن عدد الرجال في المسجد.

وجيه مسلم: بعد أن ودعتهم وانصرفت توجهت إلى الفندق فسألت أحد المستخدمين عن أكبر رجل مسلم في جيبوتي يمكنني زيارته فقال: (علي كبيش) فهو تاجر كبير ومحسن عظيم وقد أنشأ في البلدة مدرسة لتعليم أبناء المسلمين على حسابه، فقلت ما أحوجني إلى التعرف به، وطلبت من المستخدم المذكور أن يرافقني إليه ولكننا لم نجده في منزله فتركت له بطاقة طلبت فيها تحديد موعد للمقابلة وعدت إلى الفندق وبعد قليل وردني منه جواب مكتوب باللغة العربية الفصيحة يقول فيه إنه على استعداد لمقابلتي في مكتبه في صباح اليوم التالي.

وفي الوقت المعين توجهت إلى مكتبه فإذا بي أمام رجل أسمر اللون طويل القامة يرتدي اللباس الإفرنجي، وعلى رأسه طربوش فرحب بي وأجلسني بقربه وأخذ يسألني بلهفة عن أحوال سوريا وفلسطين ومصر ثم سألني عن مهمتي وأسباب مجيئي إلى هذه البلاد، فقلت له إنني صحافي ولديّ جريدة اسمها الجزيرة، وكان يجلس إلى جانبه كاتبه الخاص وهو يماني فقال إنني أعرف جيداً هذه الجريدة وقد كنت أقرأ بعض مقالاتها الرائعة فاستغربت كثيرا من هذه المفاجأة وقلت كيف أمكنكم الاطلاع على هذه الجريدة ونحن لا نرسلها أبدا إلى هذه البلاد؟ فقال إن كثيرا من الصحف الفلسطينية والمصرية التي تصلنا تنقل عن جريدتكم من حين لآخر بعض ما تنشرونه من مقالات ورسائل.

ثم استأنفت حديثي قائلاً:

إنني متوجه إلى أديس أبابا وبعض البلاد الحبشية لدراسة أحوال إخواني المسلمين هناك.

فأخذ السيد كبيش يحدثني عن حال المسلمين في الصومال الفرنسي وذكر لي شيئاً عن المدرسة التي أنشأها مدرسة النجاح الإسلامية، ودعاني لزيارتها فوعدته بهذه الزيارة بعد الظهر.

وفعلاً توجهت للمدرسة المذكورة فسررت كثيراً لما رأيته فيها من بوادر النجاح والتقدم وأعجبت بذكاء الطلاب، ويبلغ عدد التلاميذ فيها (110) وفيها أربعة فصول (صفوف) وأربعة معلمين ويدرس فيها الطلاب القرآن الكريم والتوحيد والسيرة النبوية والفقه الشافعي والتربية والتهذيب والصرف والنحو وأدب اللغة العربية والجغرافيا والحساب والهندسة، وينفق عليها السيد علي كبيش من جيبه الخاص وأرصد لها أوقافاً كثيرة.

تاجر سوري: أول سوري رأيته في هذه المدينة من أسرة الداوودي الفلسطينية، يملك عدة سيارات كبيرة وصغيرة ويشغلها على حسابه في الصومال الفرنسي، وقد رأيته صدفة في مركز البوليس عندما توجهت لاستلام جواز سفري فحدثني عن أحواله الخاصة وارتياحه إلى أشغاله في هذه البلاد.

بيروتي في زيارتي: وأعني به محمد درويش طه فقد زارني في الفندق وأخبرني أنه علم بوصولي من السيد كبيش فجاء للسلام علي والترحيب بي، وقد قال لي إن أصله من بيروت هبط هذه البلاد منذ عام 1925 وتعاطى بعض الأعمال التجارية في أديس أبابا ثم تركها عندما نشبت الحرب الأخيرة، وقد حدثني حديثا طويلاً عن حالة تلك البلاد وزودني بمعلومات مهمة أفادتني كثيراً في رحلتي هذه.

وعرفني على شاب حضرمي اسمه سالم بهارون نجل أحد كبار التجار في أديس أبابا وقال لي إنه يعرف الحبشة تماماً، وبالنظر لما لوالده من العلاقات الكثيرة في الحبشة فسيقدم جميع التسهيلات اللازمة؛ وقد سررت لأن هذا الشاب سيسافر معي في نفس القطار الذي سأتوجه به غداً إلى أديس أبابا.

القنصل الإيطالي: إن أول ما عنيت به أثر وصولي إلى جيبوتي بعد استلامي لجواز السفر، هو إنني توجهت إلى القنصل الإيطالي للتأشير على الجواز وهذا شأن جميع الذين يريدون السفر إلى المناطق الحبشية المحتلة. وعندما راجعته بهذا الصدد قال لي لا أستطيع أن أفعل شيئاً قبل الاستئذان من سعادة القائد العام للجيوش الإيطالية المارشال (غراسياني)، وأنا سأبرق له بهذا الصدد فعليك أن تراجعني غداً لأخذ الجواب ولا أجزم إذا كان الجواب سيكون بالإيجاب، لأن الحالة دقيقة جدا. قلت له: أرجو أن تؤكدوا للمارشال بأنني بعيد جداً عن السياسة، وإن زيارتي للحبشة ليست سوى جزء من الرحلات المتتابعة التي أقوم في بلاد العالم الإسلامي وأن مهمتي ستقتصر فقط على دراسة حال المسلمين الأحباش من الناحيتين الدينية والاجتماعية فلا مجال للشك والحذر. قال: سأبذل جهدي في هذا السبيل، ثم ودعته وانصرفت وفي اليوم التالي قابلته مرة ثانية فقال لي إنني أهنئك فقد جاء الجواب بالموافقة، وهذه فرصة سعيدة قد لا تسنح لغيرك من الصحافيين، ثم أخذ مني الجواز وأشر عليه التأشير اللازم فاستلمته منه شاكراً ومودعاً.

وتوجهت من هناك رأساً إلى محطة السكة الحديدية للاستفسار عن مواعيد القطار المسافر إلى أديس أبابا، فقيل لي أنه غداً صباحاً يوجد قطار إلى العاصمة الحبشية. وقد راجعت إدارة السكة الحديدية بشأن خصم شيء من قيمة التذكرة كصحافي فطلبوا مني إبراز الأوراق المثبتة وبعد أن اطمأنوا إليها صرحوا لي بخصم -25- في المائة.

نحو أديس أبابا: والمسافة بين جيبوتي وأديس أبابا تبلغ (786) كيلومتراً يقطعها القطار في ثلاثة أيام، فهو لا يسير إلا نهاراً وأما في الليل فينتظر في المحطات، وعلى الركاب أن يبيتوا في الفنادق والأجور باهظة جداً فهي تبلغ في الدرجة الأولى -600- فرنك (من جيبوتي إلى أديس أبابا) وفي الثانية (350) أما الثالثة فلا يمكن الركوب فيها فهي أشبه شيء بمراكب الحيوانات وقد خصصت لركوب الوطنيين من الأحباش.

ولكن المرء مضطر أن يدفع هذه الأجرة الفاحشة إذ لا يوجد طريق آخر إلى أديس أبابا غير هذا الطريق وهو مرغم أيضاً على دفع أجرة المبيت ليلتين في الفندق وعلى تناول الطعام في المطاعم المخصصة للركاب.

أفقت باكراً جداً صباح يوم الأربعاء الواقع في 27 مايو مع العلم بأنني لم أذق طعم النوم إلا ثلاث ساعات فقط بسبب شدة الحر فأعددت حقائبي وتوجهت رأساً إلى المحطة وأخذت مكاني في الدرجة الثانية (وهي لا تختلف عن الدرجة الثالثة في قطاراتنا) وجلس إلى جانبي صديقنا الحضرمي (سالم بهارون) وفي الساعة السابعة تماما تحرك بنا القطار من جيبوتي وكان يتألف من القاطرة وعربتين لركاب الدرجة الأولى والثانية وعربتين لركاب الدرجة الثالثة وبضع عربات للشحن ولم نكد نبتعد عن المدينة قليلاً حتى أخذنا نشعر بتغيير الهواء.

والقطار يجتاز في طريقه إلى أديس أبابا مسافات شاسعة من الصحارى المحرقة والجبال الداكنة ذات الحجارة السوداء ثم ينتقل فجأة إلى غابات وأحراش جميلة تلتف فيها الأشجار التفافاً بعيداً.

ففي المرحلة الأولى يكون الهواء حاراً، ولا يكاد القطار يتسلق جبال الحبشة حتى يعتدل وينقلب فجأة إلى نسيم عليل ينعش النفوس، ولا جرم أن هذا الاختلاف الفجائي في المناظر والأجواء مما يحير العقول.

وقف بنا القطار في المحطة الأولى (شبيلي) وهي تبعد -19- كيلو متراً عن جيبوتي وقد خرج أهالي القرية نساء ورجالاً وأطفالاً كأنهم يستقبلون قادماً جديداً أو زائراً عزيزاً.

قوة إنباتية عجيبة

إن القول إن الحبشة هي سويسرا إفريقيا لا يعدو الحقيقة بل أعتقد بأن هذه البلاد الناشئة تمتاز عن سويسرا بأمور كثيرة سيلحظ القارئ عند ما يتصفح هذا الكتاب.

ففيها جميع مقومات الحياة فهي غنية بمياهها الغزيرة التي تذهب هدراً وهي غنية بمعادنها الكثيرة المنتشرة في مختلف الجهات وأهمها الذهب والبلاتين والبترول، وهي متمتعة بأجمل إقليم فهنالك المناطق الحارة والباردة والمعتدلة.

وأما تربتها فحدث عنها ولا حرج وقد قيل لي إن الأرض تعطي موسمها ثلاث أو أربع مرات في بعض المناطق، وأما العنب فيؤكل مرتين في العام الواحد وقد كنت في طريقي إلى أديس أبابا ألحظ قوة الأرض الإنباتية من الأشجار الباسقة التي كانت تنبت من تلقاء نفسها فأتوهم أنها أشجار المشمش والجوز والحور والصفصاف والتين الخ.

ولا تسل عن كثرة السيول والأمطار والأنهار التي تنهمر في تلك الديار، فقد اجتاز بنا القطار نحو -400- جسر صغير و200- جسر كبير، ولكني لاحظت مع الأسف الشديد أن أبناء تلك البلاد لا يستفيدون من تلك المياه المتدفقة ولا من تلك الأراضي الخصبة، لأن النظام الإقطاعي من جهة والضرائب التي كان يفرضها الرؤساء والزعماء على الفلاحين المساكين من جهة أخرى، وجهل الأهلين وكسلهم من جهة ثالثة، كل هذه الأسباب وغيرها من العوامل التي سآتي على ذكرها في مناسبات أخرى حالت دون استثمار تلك الأراضي والاستفادة من كنوزها.

قال لي سعادة قنصل مصر عوض بك البحراوي عندما قابلته في أديس أبابا: (إن مصر من أخصب بقاع العالم بسبب ما يفيض عليها النيل في كل عام من الأسمدة والخيرات التي يجرفها من جبال الحبشة فهي تعطي الفلاح موسمين في العام الواحد.

فما قولك إذن بهذه الأرض نفسها التي تبعث إلينا بهذا السماد وتصوركم إذن قوتها الانباتية العجيبة؟

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"