ردات فعل متفاوتة حول إعلان النقاد “موت” القصة القصيرة

لم تعد بأهمية الرواية
01:08 صباحا
قراءة 12 دقيقة

هل ماتت القصة القصيرة في الوطن العربي، أم تراجع دورها، وتغيرت وظيفتها الفكرية والفنية والاجتماعية، وهل فقد هذا الجنس الأدبي مكانته، بعد أن اعتبر أحد انجازات الإبداع الحديث في القرن العشرين، عندما فرضت كتابات موباسان وتشيخوف وادجار الن بو، ومن قبلهم قصص جوجول، وجودها على النقاد وجنس الرواية في زمنها المكثف وشخصياتها القليلة ومكانها المحدد اللامتناهي.

لقد حاول النقاد وقتذاك تقنين هذا الجنس الأدبي الذي ظهر في منتصف القرن التاسع عشر وتحديداً مع بدايات العام (1850)، من خلال مقارنتها بجنس الرواية، ومن خلال محاولات النقاد تعرفنا إلى خصوصية فنيات القص، والتي ظلت مسيطرة على مسيرة القصة القصيرة على مدار قرن من الزمان لتبرز الثورة الثانية في جنس القصة ومن خلال كتابات ناتالي ساروت وآلان روب جرييه وجيرارد رينيه في فرنسا واوروبا، حيث تمردت هذه الكتابات على ما اتفق عليه من فنيات القص، وواكبت متغيرات العصر وتحولاته، فابتدعت ادواتها الفنية الجديدة التي اضافت ما يسمى بكسر التسلسل المنطقي للحدث وتوظيف المكان لابراز مضمون الحدث، بعد أن عمدوا للاستفادة من الفنون القولية كالشعر، وحيث وظفوا الجملة الشعرية القصيرة الموحية والمكثفة والمرمزة والمعبرة، الى جانب الاستفادة من الفنون التشكيلية والسينمائية، وخصوصاً السيناريو، في محاولة منهم لإبراز البعد الحركي في مستويات السرد البصري عبر اللقطات والمشاهد، مع التركيز على المونولوج الداخلي لسبر اغوار الذات من الداخل.

واستمرت القصة القصية تثبت معايشتها للواقع واستحواذها على اهتمام الكتاب والنقاد والقراء وبرزت على المستوى العربي اسماء لقصاصين، نجحوا في إعادة انتاج الخطاب السردي بشكل أكثر فاعلية من خلال تعميق الاشارات والدلالات والايماءات مع الاحتفاظ بالبنية الداخلية للنص القصصي، ومنهم محمد برادة المغرب زكريا تامر وحيدر حيدر سوريا ادوار خراط ومحمد المخزنجي مصر واسيني الاعرج الجزائر وغيرهم. ما زاد من قيمة القصة أدبياً وتأثيرها في كتاب الأدباء والجمهور.

وفي الآونة الأخيرة، يبدو أن النقاد لهم رأي آخر فيما وصلت اليه القصة القصيرة عربياً من مكانة أدبية، فأشاروا إلى جملة من الأسئلة على هامش المؤتمر النقدي العربي، الذي اقامته رابطة الكتاب الاردنيين حول القصة القصيرة في الوطن العربي، وتناولوا من خلال محاور المؤتمر، النتاج القصصي لنخبة من القصاصين الاردنيين والعرب.

وكانت اغلب المداخلات تتحفظ على المستوى الفني المتواضع الذي وصلت اليه القصة القصيرة وسطحية ما تطرحه في مضامينها الفكرية، حتى أعلن بعض هؤلاء النقاد عن موت القصة القصيرة عربياً، وثلاشي دورها مقارنة بجنس الرواية وفي هذا التحقيق نلقي الضوء على ردود فعل الأدباء والكتاب العرب في القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد في محاولة لرصد ردود افعالهم على مقولة موت القصة القصيرة عربياً، والتي كانت محور النقاش والحوار بين النقاد والقصاصين في مؤتمر عمان.

ناشطة خليجياً

يقول الأديب د.حسن حميد: كنت واحداً من المشاركين في هذا المؤتمر وقد عقد بدعوة من جمعية النقاد الأردنيين التي يترأسها الناقد المعروف فخري صالح وقد اشتملت أعمال المؤتمر على أوراق عدة وشهادات أدبية كثيرة وآراء وجيهة واجتمع في هذا المؤتمر نقاد وأدباء وأكاديميون ومبدعون كان عددهم الكبير لافتاً للانتباه وفي جلسات اليوم الأول كنت أحد كتاب القصة المشاركين في هذه الجلسات وكان من الطرف الآخر من النقاد يشارك الدكتور ابراهيم عبدالله عراقي مقيم في قطر والناقد الأكاديمي المصري محمد بدوي وقد طرح الاثنان فكرة موت القصة القصيرة كجنس أدبي وقد لاقت هذه الفكرة نقاشاً واسعاً ومستفيضاً من قبل الأدباء والكتاب المشاركين.

وبرأيي فإن طرح مثل هذه الفكرة يعد طرحاً جريئاً ذلك لأنني لا أعتقد أن كاتباً أو ناقداً أو مثقفاً يجرؤ على القول بموت جنس أدبي ما، لأن الأجناس الأدبية مثل الأشجار والنباتات الطبيعية ومثل المدن موجودة في حياتنا التي نعيشها عبر بيئتين البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية ولكن قد يضمر هذا الدور وقد تضمر هذه المركزية وقد يضمر هذا الحضور لهذه المدن أو لهذه الطبيعة أو الأشجار تماماً كما يضمر دور القصة القصيرة أو وجودها داخل الدائرة التي تضم الأجناس الأدبية من رواية وشعر ومسرحية وأدب أطفال ومقالة ...الخ.

ويضيف حميد: برأيي الأجناس الأدبية لا تموت وهي في حالة تنافس ومزاحمة فيما بينها وفي حالة استقطاب للأضواء واستقطاب للنقاد والمنابر والصحف والمجلات، ولكنها لا تموت ومثل هذه الفكرة وهذا الرأي جريء وفيه الكثير من الحماسة وأيضاً فيه الكثير من الشطط وعدم المعرفة الحقيقية بواقع القصة القصيرة، ذلك لأن ما من بيئة ثقافية في البلاد العربية إلا ويوجد فيها قصاصون على درجة كبيرة من الأهمية مثلاً المناخ الثقافي في مصر نجد فيه عشرات أو مئات القاصين الذين يكتبون القصة القصيرة وينشرونها ويطبعونها في كتب تصدرها دور النشر ويشتغل عليها النقاد وتأخذ أدوارها في الأهمية والاعتبار ومثل هذا الأمر موجود في سوريا والعراق والمغرب وفي دول الخليج العربي بل إن بيئات ثقافية مثل دول الخليج والمغرب العربيين أشعر بأن القصة القصيرة فيهما ناشطة جداً، صحيح أن الرواية اليوم تستأثر بالأضواء والأهمية وأولويات النقاد ودور النشر وباهتمام الجوائز الثقافية والأدبية لكن القصة القصيرة هي جنس أدبي مهم جداً ولا يزال صالحاً للقراءة وللتعبير عن الحياة الاجتماعية وأحلام الناس وسعادتهم المفقودة، وأيضاً هو جنس أدبي لما ينطوي عليه من سهولة ويسر وحالة إبداعية مهمة قادرة على أن تعبر عما يعتمر داخل الذوات البشرية وداخل المجتمع وتستطيع أن تقدم رسالة اجتماعية أدبية وإبداعية مهمة جداً.

لم تتطور

أما الكاتب وليد إخلاصي فيرى ان السؤال الحقيقي يجب ألا يدور حول موت القصة القصيرة، لكن مدى تأثيرها وتطور وظيفتها الفنية والفكرية وأن محاولة اختراع جنس أدبي جديد اسمه القصة القصيرة هو بدعة لأنه لا يوجد شيء اسمه قصة قصيرة أو قصة طويلة عملياً، وهذا ليس اختراق لمن هو ناقد، هذا الأمر موجود فجر الحكاية العربية، فالحكاية العربية كانت تقال في دقيقة وكانت تقال في سيرة شعبية. ويؤكد ذلك بقوله: في قناعتي لم توجد قصة قصيرة حتى تموت فهذا الأمر موجود منذ فجر الحكاية العربية ولذلك فهذه الضجة التي حدثت تشبه المجادلات السياسية.

وعما خرج به المؤتمر النقدي في عمان حول القصة القصيرة بإعلان موت القصة القصيرة وتأبينها واعتبرها أنها لم تعد تقوم بوظيفتها الاجتماعية والفنية وحتى الفكرية قال إخلاصي: السؤال يجب أن يكون هل كانت هذه القصة تقوم بهذه الوظائف؟، هل استحدثت وأعلن وفاتها أم أن هذا المصطلح هو بدعة غير منطقية؟.

وعن الأسباب وراء هذه البدعة قال: إن ميل الناس إلى اختراع اصطلاحات هو السبب، مثلاً النقد التشكيلي في القصة القصيرة ما معنى هذا المصطلح؟ هذه الإضافات يقوم بها بعض الناس الذين يحاولون احتلال مكانة ما أو إثبات وجودهم مع أنهم أشخاص جيدون ولكن هذا الاختراع القصة القصيرة لم أشعر بأي قيمة لوجوده مع أنني لست ناقداً ولكني لم استطع أن أهضم هذا المصطلح لأني أعرف أن هناك شيئاً اسمه القصة القصيرة التي قد تمتد إلى خمسين صفحة وقد تكون نصف صفحة وأضرب مثلاً زكريا تامر كاتب قصص قصيرة منذ خمسين عاماً ويكتب نصف صفحة فقط ولم يدرج اسمه في هذا السجل الأكاديمي لكتّاب القصة القصيرة.

بينما يرى القاص والروائي العراقي رياض الفهد أن النتائج التي خرج بها المؤتمر النقدي الذي عقد في العاصمة الاردنية عمان مؤخرا لم تكن تتماشى مع الواقع الراهن للقصة القصيرة سواء في العراق او الوطن العربي وحتى في العالم. لكون القصة القصيرة من الاجناس الادبية الحية والفعالة والمؤثرة في مجتمعاتنا.

ويضيف موضحاً ان القصة القصيرة ستبقى حية على مدار الزمن رغم اعترافنا ان الرواية بدأت تتفوق عليها بشكل كبير وواضح جدا. لكن تبقى القصة القصيرة محافظة على استمراريتها وديموتها. كونها جنساً فعالاً من الاجناس الادبية ولن يتحول هذا الجنس المهم الى جنس هامشي في الثقافة والادب. وحقيقة استغرب أن يخرج علينا مؤتمر نقدي بوصاية جديدة أو نقول بإصدار شهادة وفاة لجنس ما زال حيا وفعالا ومؤثرا ولم تخل منه الصحف والمجلات والنشرات وحتى القنوات الفضائية. فكيف ماتت القصة القصيرة في نظر هذا المؤتمر وهي ما زالت تؤثر في الاجيال الجديدة؟ ومن هم الذين قاموا بتأبينها؟ ونحن نعرف أن التأبين يحصل بعد عملية الدفن والقصة القصيرة ما زالت تسير وتتحدى ممن أدعوا موتها ودفنها في آن واحد.

وأضاف أن القصة القصيرة اليوم لم تعد تنقل لنا الحكايات المروية عن امهاتنا وجداتنا كما كانت في السابق، بل باتت اليوم تتبنى مواقف فكرية مهمة جدا ولها دور مشهود لها في تثقيف المجتمعات لأنها تتناول مشاكل الشعوب بشكل جميل جدا. حتى بات كتابها يمررون من خلالها كل ما يريدون إيصاله إلى الشعوب متجاوزين كل الخطوط الحمراء التي وضعها الرقيب في مؤسساتنا الثقافية أو من قبل الحكومات.

الرواية أولاً

ومن بيروت يقول الروائي حسن داود تعليقاً على موت القصة القصيرة أو أفولها في المشهد الأدبي العربي: إن الكثير من الآراء التي طُرحت في المؤتمر صحيحة إلى حد كبير، وإن كتابة القصة شهدت تراجعاً متدرجاً أحياناً ودراماتيكياً أحياناً أخرى، لمصلحة الرواية. حتى إن المقارنة تجري عادة بين الشعر- الذي هو فن غير سردي وبين الرواية كفن سردي خالص، حيث تحولت هذه المقارنة إلى سؤال مزمن ومستديم: هل نعيش زمن الرواية أم زمن الشعر؟ بل يذهب البعض بالسؤال أبعد من ذلك، فيتحدثون عن موت الشعر أو أفوله أو تراجعه. هؤلاء باتوا يتجرؤون على القول إن مقولة الشعر ديوان العرب لم تعد تقدم وصفاً صائباً ودقيقاً لما يفضله القراء العرب في العقود الأخيرة. الرواية تحتل المقام الأول، ليس في الانتشار والترجمة فحسب، بل في عدد الكتاب الجدد المقبلين على كتابتها، فلِمَ لا تكون الرواية ديوان العرب؟

وإذا عدنا إلى القصة القصيرة، يتابع داود: سنرى أنها كانت مزدهرة في الخمسينات والستينات والسبعينات، قبل أن تتراجع لمصلحة الرواية. وعلينا أن ننتبه إلى أن رواج القصة القصيرة في تلك العقود لم يكن سائداً في كل العالم العربي. كانت مزدهرة في مصر وسوريا والعراق أكثر من الدول العربية الأخرى. ولا بدّ من أن هناك أسباباً اجتماعية وسياسية وثقافية لهذا. وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالذكر، وهي عدم وجود كتّاب عرب منصرفين إلى كتابة القصة القصيرة فقط. لم تأت أسماء وتجارب تنسج على منوال يوسف إدريس وزكريا تامر ويوسف الشاروني وسعيد حورانية ومحمد خضير... إلخ. هؤلاء كانوا قاصين أولاً. بعد ذلك، ظهرت تجارب تكتب القصة القصيرة وعينها على الرواية، فبعد مجموعتين أو ثلاث مجموعات، يُصدر هؤلاء رواياتهم الأولى. في ذلك الوقت، كان القاصون يتهيبون الرواية، وكان ثمة عرفٌ سائد يفتي بأن من يطرق باب الرواية عليه أن يتمرن بالقصة ويكتسب الخبرة اللازمة قبل الدخول في ميدان الرواية. اليوم ينشر الشبان الجدد رواياتهم الأولى من دون المرور بالقصة القصيرة. لم تعد القصة شرطاً ينبغي توافره لكي ينتقل الكاتب إلى الرواية. الرواية فقدت هيبتها وصارت سهلة أكثر.

ماذا لو تحدثنا عن القصة القصيرة في لبنان؟ نسأل صاحب مجموعة نزهة الملاك، فيجيب: في التاريخ الأدبي اللبناني، لم تكن للقصة القصيرة الصدارة يوماً. لا أحد يعرف بدقة لم حدث هذا. أغلب الظن أن الأمر يسير على منوال الاحتذاء. لم تكن لدينا سوق رائجة للقصة بعكس الشعر ثم الرواية لاحقاً. أستطيع أن أعدد أعمالاً قصصية في غاية التميز والجمال: مثل أشياء لا تموت لمحمد عيتاني، وقرف ويا ولد يا أزعر يا لذيذ لفؤاد كنعان. وهناك قصص كتبها جورج شامي واميلي نصر الله... وآخرون. كانت هذه الأعمال جيدة، لكن أصحابها انتقلوا إلى الرواية ولم يعودوا إلى كتابتها بالغزارة نفسها. كأن هناك حقبة انتهت عندها القصة في لبنان، وبدأت حقبة الرواية. ربما لعبت الحرب الأهلية في السبعينات من القرن الماضي، في توسيع مجال الرؤيا وتكثير طبقات ما يمكن أن يُرى من الأحداث والشخصيات، فبات من الممكن أن تُكتب رواية بمشاهد وعناصر متعددة ومتعاقبة، في الوقت الذي تقوم القصة القصيرة على مشهد واحد أو مشهدين أحدهما تأسيسي والآخر تعقيبي. الآن نجد كتاب نصوص حرة في لبنان، وفي بلدان عربية أخرى بالطبع، ويُلاحظ أن هذه النصوص قادمة من نسل الشعر أكثر من نسل القصة أو السرد. عموماً فن القصة يكاد يكون غير موجود في لبنان اليوم. لا يخلو الأمر من كتّاب فرادى يكتبون قصصاً قصيرة هنا وهناك. وبصرف النظر عن التحليلات الأدبية القائمة على ربط الانتاج الأدبي بأزمنة وظروف ظهوره، يبدو أن القصة القصيرة لا تجد مكاناً لها في الازدهار الساحق الذي تعيشه الرواية في العالم كله. عندما نتحدث اليوم عن الكتابة وأنواعها، فإن المتحدثين معنيون بالرواية أولاً، ثم يأتي الشعر لاحقاً. الشبان الجدد يكتبون الرواية لأنها تضعهم في قلب المشهد الأدبي مباشرة. في السابق كانت كتابة رواية مسألة شاقة. اليوم، ومع رواج روايات السيرة الذاتية والتي تحضر الأنا فيها على شكل يوميات أو مذكرات، مبطنة أو واضحة، صارت الرواية فناً مستهدفاً كخيار أول.

الروائي محمد البساطي يقول: ليس موتًا، إنه تراجع، ولهذا التراجع أسبابه، فالعالم العربي راج فيه نوع من الكتابة، يمكن أن نطلق عليه الرواية القصيرة، وهي تجمع ما بين تقنيات الرواية وفنيات القصة القصيرة، وبذلك يتأثر الإقبال على القصة القصيرة.

يمكن أن تضيف إلى ذلك السبب أسباباً أخرى، فالأضواء ملقاة على فن الرواية بكثافة، سواء كان ذلك عن طريق الجوائز الكثيرة، فلا تمنح الجوائز للقصة القصيرة، أيضا هناك الترجمة، حيث يهتم الغرب بترجمة الرواية على نحو أكبر من اهتمامه بالقصة القصيرة.

ألازدهار

ويتطرق البساطي الى ازدهار النص في الستينات فيقول: عندما بدأنا مشوار الكتابة، وأنا أعني جيل الستينات، كانت القصة القصيرة مزدهرة وكان يوسف إدريس لا يزال يكتب القصة، قبل أن يتوقف عن كتابتها، ولم يكن لدينا تخطيط لكتابة الرواية، جاءت المسألة بعد ذلك بشكل عفوي، رغم أن الأضواء لم تكن مسلطة عليها بعد.

ولا يزال أبناء جيلي يكتبون الآن القصة القصيرة، بحكم العادة، فبيننا وبينها روابط عاطفية، فأنا على سبيل المثال دائما أحن إلى كتابة القصة القصيرة من آن لآخر، كذلك يفعل الآخرون بعكس الجيل الحالي، الذي أقبل على كتابة الرواية، في توقيت تمنح فيه الجوائز وتسلط الأضواء على فن الرواية. وفي خارج العالم العربي يبدو أن تشيخوف وهيمنجواي قد سدا باب الاجتهاد أمام كتاب القصة القصيرة حتى إن ماركيز الذي جدد وطور هذا الفن الصعب، لكنه لم يواصل هذا الطريق، رغم أنه أصدر مجموعات قصصية قصيرة عبقرية.

المعطف

القاص يوسف أبو رية يتحدث عن ما يسمى لعبة السوق والنشر موضحاً: موت القصة القصيرة، يذكرني بما كنا ندرسه في كلية الإعلام، فدائما كان يقال: كلما ظهرت وسيلة إعلامية جديدة ألغت ما قبلها، فقد قيل إن السينما ستقضي على المسرح، والتلفزيون سيلغي دور المذياع، لكن هذا لم يحدث، فالفنون كافة تتجاور، وتتقدم، فلا يوجد بيت يخلو من الصحف الورقية، رغم الكلام الكثير عن تراجع الصحف أمام النشر الالكتروني.

حال القصة القصيرة الآن مقرون بوضع عام وخاص، فلا كتّاب القصة القصيرة توقفوا عن كتابتها، ولا الرواية قضت عليها، لكن المسألة تتدخل فيها لعبة السوق والناشرين، فالناشر يصنع مزاجًا إبداعيًا عامًا يليق بفن الرواية بما أننا في زمن التلقي السهل، والكتابة السهلة، الآن تلقي الأعمال الأدبية التي تقوم على شقاء الإبداع، وتمثل قيمة في تاريخ الآداب، أصبح أمرًا صعبًا، ومع ذلك ما من ناشر في مصر إلا ويصدر مجموعات قصصية، لكنه لا يضعها على قوائم البيست سيلر فرأسمالية سوق الكتاب تقول إن الناشر لن يكسب شيئا إذا ما وضع في اعتباره القيمة الأدبية.

لذا فإن القصة القصيرة لم تمت، لكن يصح أن نقول إن الذائقة الفنية قد تميل إلى نوع معين من أنواع الكتابة، وهناك كاتب نَفَسُه روائي، يميل إلى النزعة الملحمية، وهناك من يميل إلى التكثيف فيكون مزاجه قصصيًا، ويحضرني الآن نجيب محفوظ ويوسف إدريس فالأول عندما كان يكتب القصة القصيرة كان يكتبها برؤية ملحمية، أما الثاني فكان يكتب الرواية بروح القصة القصيرة، ولدى نجيب محفوظ قصة الزعبلاوي وهي مكتوبة كأنها رواية مكثفة، وهذه رؤية خاصة للعالم تعتمد على الإيجاز والتكثيف، فالمسألة ليست في عدد الصفحات، فطه حسين كتب رواية الأجيال في شجرة البؤس وهي ذات حجم صغير، وقد أشار نجيب محفوظ إلى أنه كتب الثلاثية أو رواية الأجيال تحت ظل هذه الشجرة فكلما اقتربنا من الكتابة الفنية منح النص الأدبي لنفسه على كل المستويات.

وداخل تجربة الكاتب نفسه يحدث نوع من التعددية، فماركيز كانت له جملة شهيرة تقول: هل كان علي أن أكتب مائة عام من العزلة حتى يعرف العالم ليس لدى الكولونيل من يكاتبه فالرواية الثانية لا تقل قيمة عن الأولى رغم أنها تتناول شخصية واحدة لكنها تملك من القوة والجدارة الشيء الكثير، ولو عدنا إلى الرواية الروسية أحد إنجازات الإنسانية المهمة سنرى أن قصة المعطف لجوجول عبرت عن غنى وثراء تجربة المبدع رغم أعماله الأخرى المهمة، ويكفي أن نردد مقولة: كلنا خرجنا من معطف جوجول.

نحن جئنا على مجد القصة القصيرة لا الرواية، فيوسف إدريس كان أكثر حضورًا لدى جيل الستينات وجيلنا، أكثر من نجيب محفوظ، كان الكل يتعاطى القصة القصيرة، وبالإحصائيات فإن جيل الستينات كله بدأ بالقصة ما عدا اثنين هما صنع الله إبراهيم وعبد الحكيم قاسم، وكان جيلنا أقرب إلى مزاج القصة، وإذا نظرنا إلى الجيل الحالي فإن الشكل العام يمنح مقولة موت القصة مصداقية ما، فهذا الجيل تجرأ على كتابة الرواية، لأن الفترات الانتقالية والواقع المطروح والتحولات الاجتماعية والفكرية والجوائز التي تمنح للرواية وتأثيرات أدب أمريكا اللاتينية، كل هذا أسهم في صنع الحالة، فبدأ هذا الجيل بكتابة الرواية، فالقصة القصيرة نخبوية، وبالتالي أنت لا تبحث من خلالها عن الجماهير، لكن في عصر البيست سيلر بعيدًا عن القيمة الفنية، أنت مطالب بتلبية رغبات الجمهور، ولذلك تنتشر كتابة الرواية، لكن القصة القصيرة لا تزال موجودة.

رأي آخر

في الآونة الأخيرة، يبدو أن النقاد لهم رأي آخر فيما وصلت اليه القصة القصيرة عربياً من مكانة أدبية، فأشاروا إلى جملة من الأسئلة على هامش المؤتمر النقدي العربي، الذي اقامته رابطة الكتاب الاردنيين حول القصة القصيرة في الوطن العربي، وتناولوا من خلال محاور المؤتمر، النتاج القصصي لنخبة من القصاصين الاردنيين والعرب.

التراجع

الروائي محمد البساطي يقول: ليس موتًا، إنه تراجع، ولهذا التراجع أسبابه، فالعالم العربي راج فيه نوع من الكتابة، يمكن أن نطلق عليه الرواية القصيرة، وهي تجمع ما بين تقنيات الرواية وفنيات القصة القصيرة، وبذلك يتأثر الإقبال على القصة القصيرة.

الوضع ألآن

هل نعيش زمن الرواية أم زمن الشعر؟ بل يذهب البعض بالسؤال أبعد من ذلك، فيتحدثون عن موت الشعر أو أفوله أو تراجعه. هؤلاء باتوا يتجرؤون على القول إن مقولة الشعر ديوان العرب لم تعد تقدم وصفاً صائباً ودقيقاً لما يفضله القراء العرب في العقود الأخيرة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"