تقتضي الظروف والضغوط في بعض الأحيان إلى قضاء وقت أطول في مقر العمل، عما يمكن أن يقضيه الإنسان مع أصدقائه المقربين، أو مع أفراد عائلته. فهل هذا معناه أن علاقات العمل يمكن أن تصبح وثيقة يوماً بعد يوم، أو مع مرور الزمن هل تتحول إلى صداقات متينة، وهل يمكن للزملاء أن تجمعهم بعد انتهاء أوقات الدوام هوايات مشتركة أو علاقات أسرية وطيدة، وهل يمكن لزميل العمل أن يتحول إلى خزنة الأسرار الشخصية، التي يرتاح الإنسان وهو يفضي إليها بهمومه ومشاكله، كما يحدث بين الأصدقاء المقربين، أم أن علاقات الزمالة مهما توطدت وامتدت، لا تكون قادرة على التحول لصداقة مستمرة ودائمة، لما يخالجها من منافسات وضغوطات العمل اليومية؟
في هذا التحقيق نتجول بين أروقة المكاتب، لنفتش عن الخيط الفاصل بين الزميل والصديق، وهل يمكن أن يذوب، أم أنه أكثر قوة مما يتخيل الكثيرون؟
تقول سحر شريف، مترجمة بأحد البنوك الخاصة: «أعتقد أن زمالة العمل شيء مختلف عن الصداقة، وهذا لا يعني أن الصفتين لن يجتمعا في البعض أحياناً، ولكنني أعتقد أن زمالة العمل تنطوي دائماً على المنافسة والتحفظ ولعب أدوار مختلفة حسب الموقع الوظيفي. وفي مثل هذه الظروف من الصعب نشأة صداقات متينة ومستقرة، حتى لو كانت علاقات العمل جيدة ومحيط العمل يسمح بوجود روح ودية أو روح الفريق الواحد بين العاملين، ولكن تظل هناك مساحة من التحفظ بين الزملاء تمنعهم من الارتباط بشكل وثيق في صداقة تستمر بشكل دائم. وربما يكون الاستثناء الوحيد هو أن يكون الاثنان صديقين بالفعل ويتصادف أن يعملا في مكان واحد، وبالتالي فإن زمالتهما لم تؤد للصداقة وإنما العكس هو الصحيح، فالصداقة كانت هي السابقة على الزمالة».
ويرى د. محمد توفيق، من دبي، أن الصداقة أصبحت عملة نادرة، يبحث عنها الجميع سواء في أوقات العمل أو خارجها، ولكنه يرى أنه من الصعب أن تنشأ وسط ضغوط العمل والانهماك في متطلباته، وربما تؤدي الزمالة في العمل إلى تدمير الصداقة المستقرة منذ زمن طويل.
يقول توفيق: «كنت شاهداً على حادث من هذا النوع، فكان لدي صديقان على جانب كبير من الارتباط ببعضهما البعض، لدرجة أن أحدهما عندما جاء للعمل في مؤسسة كبرى في دبي، ظل شهوراً يسعى ويحاول أن يجد لصديقه عقداً للعمل في المؤسسة الكبرى نفسها، وبالفعل نجحت مساعيه، وجاء صديقه القديم العزيز، ليعمل معه، ومرت الأشهر الأولى بينهما في وئام شديد، وساعده ليؤثث شقته الجديدة وليحضر زوجته وأبناءه، وكانا يقضيان معظم الوقت معاً، حتى النزهات العائلية كانت تجمعهما، وبحكم صداقتي المشتركة لهما، كنت كثيراً ما أصحبهما في مثل هذه النزهات العائلية، على الرغم من أنني كنت غير متزوج في ذلك الوقت، ولكن هذه الصداقة العميقة بينهما، سرعان ما انهارت فعلياً، وبشكل مأساوي بسبب مشاكل العمل، وتطور الأمر سلبياً، حين ترقى الزميل الأحدث في العمل، وحصل على الترقية التي كان ينتظرها الزميل الأقدم، الذي سعى كثيراً لإحضاره للعمل، وتوترت العلاقات بينهما، ووصلت إلى الخصام والمعاملة السيئة، ثم وصل الأمر بهما إلى الاشتباك بالأيدي داخل المؤسسة، لينهار عملهما، كما انهارت صداقتهما، ويتم فصلهما معاً، بسبب هذا الاشتباك اللفظي والبدني، الذي أساء إلى صورتيهما داخل المؤسسة».
وتؤكد منار سالم، الموظفة في شؤون العاملين بإحدى الشركات الخاصة في دبي، أن علاقات العمل يمكن أن تكون بداية لصداقات قوية ومتينة، وتقول: «أنا أقضي وقتاً طويلاً كل يوم مع زميلاتي، وغالباً ما تجمعنا مناسبات اجتماعية مختلفة مثل خطبة إحداهن، أو عيد ميلاد أخرى، ونشعر جميعاً بأننا مثل أسرة واحدة مترابطة، فبعض الزميلات لهن منزلة الأخوات، ورغم أننا نقضي معاً ساعات طويلة كل يوم، فإن ذلك لا يكفي، ونظل على اتصال دائم باقي اليوم، عبر الهاتف، ومواقع التواصل الاجتماعي».
وعن التنافس، وتأثير ذلك في الصداقة التي تنشأ بين زملاء العمل، تقلل منار من هذا العامل كثيراً، وتوضح قائلة: «التنافس يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً ومحفزاً بين الناس، ويمكن أن يكون عاملاً سلبياً يحطم علاقاتهم، وليس بالضرورة أن تنافس العمل بين الزملاء يحطم الصداقة، فعلى سبيل المثال في الدراسة الجامعية، كنا نتنافس على الترتيب والتقديرات والدرجات والأبحاث، وكان هذا التنافس يصب في مصلحتنا، من دون أن يؤثر في العلاقة بيننا، بل إن أفضل الصداقات التي استمرت في حياتي نشأت مع زميلات في الجامعة، ولا أزال على اتصال دائم بهن، رغم أن بعضهن عدن لبلادهن، وتفرقت بهن السبل بين قارات العالم، من شرقها إلى غربها».
أما محمد عبدالقادر، من الشارقة، فيقول: «أملك على موقع فيس بوك صفحتين، إحداهما خاصة بالأصدقاء المقربين والعائلة، والأخرى لزملاء العمل، والعلاقات التي تنشأ عبره، وأعتقد أن هذا في حد ذاته دلالة كافية على أن هذين العالمين لا يلتقيان أبداً في حياتي».
يضيف: «أصدقائي المقربين هم من تربيت معهم ونشأت على حبهم، وجمعتنا ذكريات الدراسة والجامعة، وهؤلاء من أستطيع أن أظهر على حقيقتي معهم، وأن أصارحهم بكل ما في نفسي، وأن ألتمس لديهم النصح والعون والمعونة المادية أو المعنوية، على الجانب الآخر، من المستحيل مثلاً أن أطلب من زميل في العمل قرضاً مالياً، ولكنني أستطيع أن أطلب ذلك بكل أريحية من أصدقائي الذين تربيت معهم، وهم أيضاً يمكنهم الاقتراض مني إذا احتاجوا. فبيئة العمل للعمل، وكما أذهب للعمل مرتدياً زياً رسمياً، وأحافظ على كل كلمة وتصرف يصدر مني، كذلك تصبح علاقات العمل محكومة بضوابط العمل، ولها حدود في التواصل الإنساني، هي تشبه العلاقة التي تنشأ بين شخصين في قطار، يمكن أن يتجاذبا أطراف الحديث ويضحكان ويقضيان وقتاً ممتعاً، وعندما تحين محطة أحدهما، يستأذن ويرحل، ويكتشف الآخر أنه لم يعرف حتى اسمه».
علاقات العمل يمكن أن تختلط أحياناً بالكثير من المشاعر الإنسانية النبيلة، كما تعتقد ميرفت علي، الموظفة بالقطاع الخاص في عجمان. تقول: «عملي في مجال العلاقات العامة، وبالتالي فهو قائم على العلاقات الإنسانية والكثير من العملاء، والزملاء أصبحوا أصدقاء مقربين، وأعترف بأن هذا الأمر يؤدي أحياناً إلى بعض المشاكل، فعندما يحدث سوء تفاهم بيني وبين أحد الزملاء يتسبب ذلك في حالة من التوتر في علاقات العمل بيننا، ولكنني أحاول دائماً أن أعمل على إزالة هذا النوع من سوء التفاهم بشكل سريع، حتى لا تتراكم المشاعر السلبية بيننا، وأذكر أنني عندما حصلت على ترقية في العمل، كنت حريصة على أن أدعو زملائي إلى احتفال صغير بدلاً من انتظار أن يبادروا هم بذلك، حتى أكسر أي مشاعر غيرة سلبية يمكن أن تتسلل إلى أحد الزملاء، الذين يعتقدون أنهم - مثلاً- أحق مني بالترقية، وفي إدارتي للعمل بعد ذلك كنت حريصة أن تستمر علاقة الصداقة التي تجمعني بزملائي، الذين أصبحوا مرؤوسين لي، كما أن معظم الزملاء الذين تركوا العمل والتحقوا بشركات أخرى، ما زالت علاقاتنا قائمة وقوية رغم التنافس القائم بين شركاتنا في العمل، فالصداقة دائماً تنجح في التقليل من متاعب العمل».
الصداقة التدريجية أفضل
د. رشا عبد الله، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة عجمان، تفسر لنا طبيعة علاقات العمل والصداقة من وجهة نظر متخصص، قائلة: «حظيت الصداقة بنصيب وافر من اهتمامات الأدباء والمفكرين والمثقفين والفلاسفة وعلماء النفس، بوصفها جسراً يمر عبره البشر في علاقاتهم اليومية، ويبنون من خلاله أدق الجماليات، من خلال التواصل النفسي والفكري والأخلاقي والروحي لمشوار حياة طويل. والصداقة بين الناس فطرية في أساسها، فالمجتمع لا يستطيع العيش والاستمرار إلا بوجود علاقات المحبة والتفاهم بين أفراده، وفي هذا الصدد يجري تناول مفهوم الصداقة، في كثير من الأدبيات وتحدث عنها الفلاسفة والأدباء، وظهرت في حِكَم وأمثال وحكايات وقصص وشواهد، عبّرت عن هذه القيمة الاجتماعية والروحية، فعرّف أرسطو الصديق بأنه: (من يعيش معك، والذي تسره مسراتك وتحزنه أحزانك). وبذلك تقوم الصداقة على المعاشرة والتشابه والمشاركة الوجدانية، كما خصص ابن المقفع في كتاب «الأدب الكبير» باباً بعنوان (معاملة الصديق)، ركز فيه على آداب التعامل مع الصديق وأهمية الصداقة والأصدقاء».
وترى عبد الله أن هذا ما تعبر عنه الصداقة في الحياة بشكل عام، ولكن علاقة الصداقة في بيئة العمل، تخضع لمجموعة من المؤثرات في مقدمتها الرغبة في الحفاظ على مصدر الرزق، والرغبة في التفوق على الزملاء، وتحقيق الذات، إلى جانب ضغوط العمل ومشكلات الحياة الخاصة بكل فرد. وتضيف: «التعامل اليومي والإلزامي في بيئة العمل، يكسب الفرد شكلاً من أشكال التعود، وعليه يجب أن يمتلك الحد الأدنى من القدرة على التكيف مع الآخرين، ثم يحدد نوع العلاقة التي يريد أن يقيمها معهم، وتتنوع بين العلاقة المهنية التي تهدف إلى إنجاز العمل فقط، وتنتهي بانتهائه، أو علاقة شخصية يحكمها حب وتكافؤ بين الطرفين وقبول في التعامل».
وتؤكد عبد الله حقيقة الأمر، وأن من أهم النقاط التي تسهم في وجود بيئة عمل ناجحة، هي الترابط والشراكة والتعاون، ولكن نمط التنشئة الاجتماعية في المجتمعات العربية، خلّد في نفوس البشر ودواخلهم مفهوم التنافس وليس التعاون، مضيفة: «ما تعانيه المجتمعات من ضغوط مالية ونسبة بطالة عالية، وضعف في وجود فرص العمل، أسهم في أن تظهر هذه الروح التنافسية بشراسة، لتهدد أي علاقة صداقة في بيئة العمل، فنرى من الناس من يلجأ إلى الكيد لزملائه أو الوشاية بهم، متى شعر بأن نجاحهم يهدده عوضاً عن تعزيز قدراته وتحسين أدائه، أي في لحظة يمكن أن يمحو تماماً تاريخاً وعمراً بينهما».
وتشير عبد الله إلى أن المدير يلعب دوراً مهماً في تحديد صيغة العلاقة بين الموظفين، فهو قادر على تعزيز النجاحات الفردية، وفي الوقت نفسه إذكاء روح الفريق لدى المرؤوسين، مع الحفاظ على أجواء التنافس النزيه والمقبول، حيث إن العلاقات الإنسانية الطيبة بين الزملاء تسهم إلى حد بعيد في تحسين الأداء. وتوضح قائلة: «هذا لا يعني عدم وجود فرصة لتطور علاقة العمل إلى صداقة، فيمكن أن يحدث توافق في العادات والتقاليد والطباع بين زميلين، فلا مانع من تحويلها إلى صداقة، شرط أن تكون تدريجية على مدى وقت كافٍ، وأن يكون هناك أساس وقواعد واضحة لهذه العلاقة، مع الأخذ في الاعتبار أن الاقتراب الزائد والسريع بين زملاء العمل يأتي بالإشكاليات، في حين أن التدرج يحمي كلا الطرفين من المشكلات والأزمات التي تنشأ لاحقاً، سواء في حالة عدم توافق الطباع، أو إذا وجد طرفا العلاقة نفسيهما في موضع تنافس مباشر في العمل».