بيروت- سهيلة ناصر:
في صناعة آلة العود حكاية يدرك مفاتيح خزائن أسرارها صانعها وحده،ومع خبايا تلك الأسرار مهما بلغت يبقى الفائز بلقب "الصانع الماهر" من يجيد إنتاج صوت عذب يشجن عند سماعه . جورج بيطار (57 عاماً) المولود في رأس بعلبك أحد صانعيه في الوطن العربي على ندرتهم اليوم،استلم الأمانة من جده المعلم نقولا الحارس وعلى الدرب يسير محافظاً على صناعة تخفي في أوتارها الطربية جذور الموسيقى العربية .
أوصل الجد حفيده إلى برّ الأمان،ورحل مطمئناً إلى حرفة مارسها خلال ستين سنة بلا توقف،لا ينسى الحفيد ما كان يردده صاحب الأمانة أنه "في خشبة العود وموالفتها بين جميع الأجزاء تكمن حلاوة الأنغام وأصالتها" . بكل تقدير يذكره جورج،وهو يحتفظ بعدة الشغل التي كان يستعملها في المعمل وصور منتشرة على موقعه الإلكتروني .
يقول "تأثرت به وتعلمت منه الكثير،نقل تجربته الطويلة إليّ" . يضيف: "بالمثابرة والجهد والعمل الدؤوب سعيت للغوص في بحر أسرار الآلة الجميلة"، لافتاً بأنه منذ عمر الطفولة "كنت أدهش في مراقبة أنامل جدّي وهي تمنح الخشب دقة في الصناعة ومستخرجة منه جمالية في الصوت" .
كان الفتى يلازم مشغل جده في الطابق السفلي من منزله "لأحظى بمساعدته في حف بعض الأخشاب وتنظيف المعمل على أقصى حد،حتى بلوغي ال 17 من العمر حين بدأ بتلقيني بعض أسرار المهنة" .
بحكم انتقال عائلته إلى بيروت ابتعد جورج عن هوايته،مرت سنوات وتطوع خلالها في السلك العسكري . . ذات يوم من عام ،1980قصد جده طالباً منه العزم على تصنيع عود لوحده،فكانت نصيحة من الأخير "خبرتك لم تكتمل بعد" . بعد أسبوع من العمل،يقول "حملت العود وصعدت به لأتفاجأ بقوله لي: "إنه عود بالشكل فقط وموسيقاه تشبه صوت دق الكبّة في الجرن" . وكانت نصيحته "أطعمه لمدفأة الحطب" . لم ييأس أبداً،وإزاء إصراره رضخ الجد وقرر تعليمه التفاصيل التقنية في الحرفة،يقول :"مع اكتمال خبرتي قررت التقاعد من الوظيفة والتفرغ لصناعة الأعواد وكلي اعتزاز باللقب الذي حصلت عليه وهو "عريف هوايته صناعة القلوب الوترية" .
بعد 35 سنة من إتقانه لقواعد صنع آلة العود،ما زال بيطار ينظر إليها بعين "الهاوي المحترف"،كما يقول،حرفة يصفها صانعها ب"الحلوة والمرّة" في آن معاً . حلاوتها تكمن عند النجاح في ذاك التحدي الرئيسي المطلوب من صانع العود بالنسبة لتحديد الأصوات بحيث تصبح المهنة ألذّ عند سماع صوت جميل صادر من الآلة .
صانع العود يعطي من إحساسه فيما يصنعه،وهي تؤثر في أصوات ونغمات العود . . صوت تماماً يشبهه بيطار كصوت المولود معلناً قدومه إلى الحياة . . صحيح أن للعود أنواعاً وأشكالاً متغيّرة،لكن "في كل عود اكتشاف لصوت جديد،ومن المستحيل أن نجد آلتين موسيقيتين تتطابقان تماماً في الصوت" .
يقول بيطار: "أمّا ما نسميه ب"مرّ الحرفة"،فهو ضرورات المهنة من "تركيز،صبر،مزاج جيد،ووقت طويل لأن الانقطاع عن المتابعة يؤدي أحياناً إلى بعض الخلل" . مع الإشارة إلى أن صناعة العود الواحد تستغرق بين أسبوع إلى10 أيام .
ذاعت شهرة بيطار وبراعته بين أهل الفن . أعواده في حوزة كبار الفنانين أمثال الراحل وديع الصافي،راغب علامة،ملحم بركات ووسام الأمير وتطول اللائحة،إضافة إلى أساتذة "الكونسرفاتوار" . مع وديع الصافي حكاية لا ينساها،يقول "منذ 25 عاماً وهو يبتاع أعواداً من صنعي" . يسرد "طلب مني صنع شبيه لعوده الأمّ واسمه "الختيار" (تاريخ صنعه يعود لسبعين سنة) . جئته بالعود المصنّع لكنه طلب مني صنع آخر لعدم التطابق في الصوت مع الأصيل . . في المحاولة الثانية طلب الأمر عينه . . في الثالثة قصدته بعد شهرين، فكان تعليقه بعد العزف عليه "كويس بس بعد بيطلع أحسن" . هنا طرحت عليه سؤالاً عن السرّ في أن أمهات ولدن أولاداً تشبه صوتك لكنها ليست كصوتك تماماً،وأنت تريد أن أصنع لك من الخشب عوداً يشبه صوته عودك؟! وأضفت قائلاً له "عودك ليس صوته جميلاً لكن ذكرياته في رأسك هي الحلوة" . . عندها اقتنع وأخذه .
الخشب هو المادة الأولية الأولى في عدة الشغل،يقول بيطار "نوع الخشب يلعب دوراً أساسياً في العود الناجح" . يستخدم خشب الجوز،الأبنوس،الشوح والورد . . وفي لبنان تتوافر كل أنواع الخشب . يمر العود بمراحل ليأخذ شكله الكامل،من نشر الخشب ولفه قبل أن يوضع في قالب خاص،ثم يتم تنعيم وجه الطاسة، وصناعة الوجه ومن ثم ضبط سماكته على أن يتم بعد ذلك توقيع وجه العود على الطاسة .
تستخدم أدوات يدوية لإنجاز تلك المراحل منها الغراء العربي الذي يذوب على النار لإلصاق الخشب، ويدهن الخشب يدوياً بواسطة القطن . أما الأوتار فتصنع من البلاستيك والكريستال .
يقطع بيطار جازماً أنه "لا يمكن للعود الكهربائي منافسة اليدوي الصنع من حيث النوعية . ومن المستحيل أن يمتلك حنان ورقة نغمة العود اليدوي" . عن أثر التكنولوجيا على الحرفة،يقول للأسف كان تأثيرها سلبياً في عمل الموسيقيين اللبنانيين . ويتساءل: "هل من المعقول أنه في الفرق الموسيقية نرى 50 آلة موسيقية ولا نرى عوداً واحداً . . يجيد بيطار عزف العود "على السمع" كما يقول .
يسرد لنا "أثناء زيارتي لوديع الصافي قبل وفاته بشهر ونصف في المستشفى طلب مني أن أعزف له على العود . . طلبت اعفائي من المهمة ومع إصراره وتلبية ما طلب . . ما كان منه إلا أن علّق "أحمد الله أنك صانع عود فقط ولو كنت عازفاً لمتّ من الجوع" .
قصدنا جورج للقائه، وكنا نخال أن في معمله عشرات العمال لنتفاجأ أن صانع الأعواد يعمل وحيداً، ما استدعى ربط المسألة ب"سر المهنة" أو "بالمستقبل المتردي للحرفة" . أسباب متعددة،منها يقول "أحرص على العمل الفردي لعدم التأثير في نوعية الإنتاج والدقة المطلوبة" .
وفي المتعلق بأسرارها يردّ بيطار: "المتعارف عليه أن سر المهنة يجب ألا يخرج من حدود الجدران العائلية" . لكنه يضيف "الميدان مفتوح أمام من يرغب وأؤمن ألا أحد يأخذ رزق غيره" . ويخبرنا أن شاباً سورياً قصده منذ فترة قصيرة مبدياً رغبته في تعلّم الحرفة وساعده إلى أقصى الحدود .
وإذا كان جورج الذي تعلّم الحرفة من جدّه لأمّه،وحده فقط من بين أشقائه أو أخواله التسعة نجح في جذب أولاده لها؟ يقول "هم يتابعون تحصيلهم الجامعي ولا رغبة لهم بالعمل الحرفي مستقبلاً" .
مثل بقية الحرف اليدوية وما تعانيه من تصنيف "المهن الآيلة إلى الانقراض"، يقول بيطار: "لا مستقبل للحرفة في لبنان،غزت الأسواق اللبنانية الأعواد المصنعة من المعامل السورية والمصرية بأسعار أرخص . مثلاً لا أنتج كميات كبيرة لعدم وجود تصريف للمنتج،لذا أعمل بناء على توصية الزبائن أو عرض لبعض أعمالي في محال موسيقية محددة . وغياب التوجيه والدعم وعدم اهتمام الدولة بالحرف الفنية . . في حين أن في سوريا مثلاً يكاد لا يخلو أي بيت من عود . . إزاء ذلك كيف سنشهد إقبالاً على حرفة لا تؤمن مصدر معيشة للفرد،عدا انصراف الناس عن تعلّم الموسيقى والتلهّي بتأمين مصدر رزقها نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة .
في صناعة آلة العود حكاية يدرك مفاتيح خزائن أسرارها صانعها وحده،ومع خبايا تلك الأسرار مهما بلغت يبقى الفائز بلقب "الصانع الماهر" من يجيد إنتاج صوت عذب يشجن عند سماعه . جورج بيطار (57 عاماً) المولود في رأس بعلبك أحد صانعيه في الوطن العربي على ندرتهم اليوم،استلم الأمانة من جده المعلم نقولا الحارس وعلى الدرب يسير محافظاً على صناعة تخفي في أوتارها الطربية جذور الموسيقى العربية .
أوصل الجد حفيده إلى برّ الأمان،ورحل مطمئناً إلى حرفة مارسها خلال ستين سنة بلا توقف،لا ينسى الحفيد ما كان يردده صاحب الأمانة أنه "في خشبة العود وموالفتها بين جميع الأجزاء تكمن حلاوة الأنغام وأصالتها" . بكل تقدير يذكره جورج،وهو يحتفظ بعدة الشغل التي كان يستعملها في المعمل وصور منتشرة على موقعه الإلكتروني .
يقول "تأثرت به وتعلمت منه الكثير،نقل تجربته الطويلة إليّ" . يضيف: "بالمثابرة والجهد والعمل الدؤوب سعيت للغوص في بحر أسرار الآلة الجميلة"، لافتاً بأنه منذ عمر الطفولة "كنت أدهش في مراقبة أنامل جدّي وهي تمنح الخشب دقة في الصناعة ومستخرجة منه جمالية في الصوت" .
كان الفتى يلازم مشغل جده في الطابق السفلي من منزله "لأحظى بمساعدته في حف بعض الأخشاب وتنظيف المعمل على أقصى حد،حتى بلوغي ال 17 من العمر حين بدأ بتلقيني بعض أسرار المهنة" .
بحكم انتقال عائلته إلى بيروت ابتعد جورج عن هوايته،مرت سنوات وتطوع خلالها في السلك العسكري . . ذات يوم من عام ،1980قصد جده طالباً منه العزم على تصنيع عود لوحده،فكانت نصيحة من الأخير "خبرتك لم تكتمل بعد" . بعد أسبوع من العمل،يقول "حملت العود وصعدت به لأتفاجأ بقوله لي: "إنه عود بالشكل فقط وموسيقاه تشبه صوت دق الكبّة في الجرن" . وكانت نصيحته "أطعمه لمدفأة الحطب" . لم ييأس أبداً،وإزاء إصراره رضخ الجد وقرر تعليمه التفاصيل التقنية في الحرفة،يقول :"مع اكتمال خبرتي قررت التقاعد من الوظيفة والتفرغ لصناعة الأعواد وكلي اعتزاز باللقب الذي حصلت عليه وهو "عريف هوايته صناعة القلوب الوترية" .
بعد 35 سنة من إتقانه لقواعد صنع آلة العود،ما زال بيطار ينظر إليها بعين "الهاوي المحترف"،كما يقول،حرفة يصفها صانعها ب"الحلوة والمرّة" في آن معاً . حلاوتها تكمن عند النجاح في ذاك التحدي الرئيسي المطلوب من صانع العود بالنسبة لتحديد الأصوات بحيث تصبح المهنة ألذّ عند سماع صوت جميل صادر من الآلة .
صانع العود يعطي من إحساسه فيما يصنعه،وهي تؤثر في أصوات ونغمات العود . . صوت تماماً يشبهه بيطار كصوت المولود معلناً قدومه إلى الحياة . . صحيح أن للعود أنواعاً وأشكالاً متغيّرة،لكن "في كل عود اكتشاف لصوت جديد،ومن المستحيل أن نجد آلتين موسيقيتين تتطابقان تماماً في الصوت" .
يقول بيطار: "أمّا ما نسميه ب"مرّ الحرفة"،فهو ضرورات المهنة من "تركيز،صبر،مزاج جيد،ووقت طويل لأن الانقطاع عن المتابعة يؤدي أحياناً إلى بعض الخلل" . مع الإشارة إلى أن صناعة العود الواحد تستغرق بين أسبوع إلى10 أيام .
ذاعت شهرة بيطار وبراعته بين أهل الفن . أعواده في حوزة كبار الفنانين أمثال الراحل وديع الصافي،راغب علامة،ملحم بركات ووسام الأمير وتطول اللائحة،إضافة إلى أساتذة "الكونسرفاتوار" . مع وديع الصافي حكاية لا ينساها،يقول "منذ 25 عاماً وهو يبتاع أعواداً من صنعي" . يسرد "طلب مني صنع شبيه لعوده الأمّ واسمه "الختيار" (تاريخ صنعه يعود لسبعين سنة) . جئته بالعود المصنّع لكنه طلب مني صنع آخر لعدم التطابق في الصوت مع الأصيل . . في المحاولة الثانية طلب الأمر عينه . . في الثالثة قصدته بعد شهرين، فكان تعليقه بعد العزف عليه "كويس بس بعد بيطلع أحسن" . هنا طرحت عليه سؤالاً عن السرّ في أن أمهات ولدن أولاداً تشبه صوتك لكنها ليست كصوتك تماماً،وأنت تريد أن أصنع لك من الخشب عوداً يشبه صوته عودك؟! وأضفت قائلاً له "عودك ليس صوته جميلاً لكن ذكرياته في رأسك هي الحلوة" . . عندها اقتنع وأخذه .
الخشب هو المادة الأولية الأولى في عدة الشغل،يقول بيطار "نوع الخشب يلعب دوراً أساسياً في العود الناجح" . يستخدم خشب الجوز،الأبنوس،الشوح والورد . . وفي لبنان تتوافر كل أنواع الخشب . يمر العود بمراحل ليأخذ شكله الكامل،من نشر الخشب ولفه قبل أن يوضع في قالب خاص،ثم يتم تنعيم وجه الطاسة، وصناعة الوجه ومن ثم ضبط سماكته على أن يتم بعد ذلك توقيع وجه العود على الطاسة .
تستخدم أدوات يدوية لإنجاز تلك المراحل منها الغراء العربي الذي يذوب على النار لإلصاق الخشب، ويدهن الخشب يدوياً بواسطة القطن . أما الأوتار فتصنع من البلاستيك والكريستال .
يقطع بيطار جازماً أنه "لا يمكن للعود الكهربائي منافسة اليدوي الصنع من حيث النوعية . ومن المستحيل أن يمتلك حنان ورقة نغمة العود اليدوي" . عن أثر التكنولوجيا على الحرفة،يقول للأسف كان تأثيرها سلبياً في عمل الموسيقيين اللبنانيين . ويتساءل: "هل من المعقول أنه في الفرق الموسيقية نرى 50 آلة موسيقية ولا نرى عوداً واحداً . . يجيد بيطار عزف العود "على السمع" كما يقول .
يسرد لنا "أثناء زيارتي لوديع الصافي قبل وفاته بشهر ونصف في المستشفى طلب مني أن أعزف له على العود . . طلبت اعفائي من المهمة ومع إصراره وتلبية ما طلب . . ما كان منه إلا أن علّق "أحمد الله أنك صانع عود فقط ولو كنت عازفاً لمتّ من الجوع" .
قصدنا جورج للقائه، وكنا نخال أن في معمله عشرات العمال لنتفاجأ أن صانع الأعواد يعمل وحيداً، ما استدعى ربط المسألة ب"سر المهنة" أو "بالمستقبل المتردي للحرفة" . أسباب متعددة،منها يقول "أحرص على العمل الفردي لعدم التأثير في نوعية الإنتاج والدقة المطلوبة" .
وفي المتعلق بأسرارها يردّ بيطار: "المتعارف عليه أن سر المهنة يجب ألا يخرج من حدود الجدران العائلية" . لكنه يضيف "الميدان مفتوح أمام من يرغب وأؤمن ألا أحد يأخذ رزق غيره" . ويخبرنا أن شاباً سورياً قصده منذ فترة قصيرة مبدياً رغبته في تعلّم الحرفة وساعده إلى أقصى الحدود .
وإذا كان جورج الذي تعلّم الحرفة من جدّه لأمّه،وحده فقط من بين أشقائه أو أخواله التسعة نجح في جذب أولاده لها؟ يقول "هم يتابعون تحصيلهم الجامعي ولا رغبة لهم بالعمل الحرفي مستقبلاً" .
مثل بقية الحرف اليدوية وما تعانيه من تصنيف "المهن الآيلة إلى الانقراض"، يقول بيطار: "لا مستقبل للحرفة في لبنان،غزت الأسواق اللبنانية الأعواد المصنعة من المعامل السورية والمصرية بأسعار أرخص . مثلاً لا أنتج كميات كبيرة لعدم وجود تصريف للمنتج،لذا أعمل بناء على توصية الزبائن أو عرض لبعض أعمالي في محال موسيقية محددة . وغياب التوجيه والدعم وعدم اهتمام الدولة بالحرف الفنية . . في حين أن في سوريا مثلاً يكاد لا يخلو أي بيت من عود . . إزاء ذلك كيف سنشهد إقبالاً على حرفة لا تؤمن مصدر معيشة للفرد،عدا انصراف الناس عن تعلّم الموسيقى والتلهّي بتأمين مصدر رزقها نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة .