الخروج عن المعتاد وكسر القواعد أسلوب ينتهجه طلبة المدارس والجامعات خلال إجازة نهاية العام الدراسي، وهو المنهج الذي طالما انتظره العديد من الطلبة بفارغ الصبر للجنوح عن الروتين اليومي لحياتهم الدراسية، ابتداءً من الاستيقاظ المبكر والتقيد بمواعيد الحافلات، والالتحاق بالطابور الصباحي مروراً بالانتظام بعدد محدد من الساعات خلال الفصول الدراسية، وانتهاءً بفترات تناول الطعام والخلود إلى النوم خاصة في فترات الاختبارات، روتين جامد متكرر تعجز إجازات نهاية الأسبوع على مدار العام الدراسي عن حجبه أو تخفيفه، ليجد الطلبة أنفسهم خلالها مستيقظين في مواعيد الدراسة رغم الإجازة.
مع إعلان بدء الإجازة الصيفية يطلق الطلبة العنان لأنفسهم لتعويض ما يرونه من حرمان لأخذ قسط أطول من الراحة والاعتياد على ما هو غير اعتيادي كاللعب لساعات دون قيود والخروج في غير أوقات الخروج أو حتى السهر والنوم في مواعيد مختلفة، متخذين من الليل الوقت الأنسب لتنفيذ خططهم لمشاهدة التلفاز أو قضائه في تحطيم الأرقام واجتياز المراحل في الألعاب الإلكترونية، على أن يكون النهار على عكس العادة لأخذ الراحة والخلود إلى النوم، ومع الاستمرارية على تلك الممارسات يعتاد الدماغ البشري على مواعيد ثابتة يصعب تغييرها بصورة مباشرة، محدثاً ما يسمى علمياً بخلل الساعة البيولوجية، أي عدم الانتظام في مواعيد النوم والطعام وغيرها من الأنشطة الطبيعية، وعليه يجد هؤلاء الطلبة صعوبة بعد عودتهم لمباشرة العام الدراسي في الانتظام في المواعيد الدقيقة خاصة في الأسابيع الأولى، وهو ما قد يؤثر على مستوى التحصيل العلمي لديهم وقدرتهم على الاستيعاب، حيث يعتبر ضبط الساعة البيولوجية أولى الخطوات على طريق النجاح.
قواعد أساسية
يقول يحيى مدحت محمد طالب بالمرحلة الثانوية «خلال العام الدراسي هناك مجموعة من القواعد الأساسية التي يمكنني الخروج عنها، كالاستيقاظ والنوم في ساعات محددة، وتحديد مواعيد اللعب ومشاهدة التلفاز وتحديد مواعيد الطعام وغير ذلك، وقد يتضاعف الأمر خاصة في فترات الاختبارات الفصلية والنهائية، لتزداد بذلك ساعات الدراسة، وأخذ القسط الكافي من النوم، استعداداً لليوم التالي من اليوم الدراسي، وتلك القواعد لم أرغم عليها بل إنني أواظب عليها عن قناعة تامة وبمعاونة والدي، وذلك إدراكاً مني بضرورة تنظيم المواعيد وعمل جداول محددة بالوقت والتاريخ خلال فترة الدراسة، للحصول مقدماً على أفضل النتائج الدراسية وهو ما سيعود علي بالنفع في اختيار التخصص الذي طالما طمحت في تحقيقه».
وعلى الرغم من الانتظام الذي أنتهجه خلال فترة الدراسة إلا أنني أجد نفسي أمام متسع من الوقت خلال إجازة الصيف، فتنقلب الآية وينعكس النظام الاعتيادي في مواعيد النوم على وجه التحديد، فلا يوجد اختبار في اليوم التالي ولا تربطني فصول دراسية في الصباح الباكر، لذا تطول فترات السهر واللعب خلال الإجازة الصيفية، فهي المتنفس لتعويض قيود الفترة الدراسية بقواعدها ومواعيدها المحددة.
روتين يومي
أما أحمد أسامة كمال الدين، طالب بالمرحلة الثانوية فيقول: «أعتاد على الاستيقاظ مبكراً للاستعداد لتناول وجبة الإفطار وارتداء الزي المدرسي بعدها أتوجه إلى المدرسة، وأستمر على هذا المنوال طوال أيام العام الدراسي، روتين يومي أحاول خلال إجازات نهاية الأسبوع كسره من خلال الذهاب إلى النادي واللعب مع الأصدقاء وممارسة الأنشطة الرياضية، وما أن تبدأ الإجازة الصيفية حتى أقدم على خوض مرحلة من الخروج عن المألوف والسهر حتى ساعات متأخرة للعب، أعي تماماً أنه ليس بالأمر الصحي ولكن شوقي لقضاء أكبر قدر ممكن بلا قيود فترات الدراسة يجعلني أقدم على تلك الممارسات».
ومع اقتراب حلول العام الدراسي الجديد وفي ظل خرق المواعيد السليمة في النوم، أجد بعض المعاناة في الاستيقاظ المبكر خاصة في الأيام الأولى من الدراسة، لذا أبدأ بمساعدة والدي خلال الأسابيع الأخيرة من الإجازة في تقليص عدد ساعات السهر تدريجياً، وهو ليس بالأمر السهل في هذه المرحلة خاصة أنه ليس لدي ما يجعلني أتقيد بمواعيد محددة خلال فترة الإجازة، لذا تستمر هذه المرحلة لفترة طويلة نوعاً ما ولكنها تساعدني على الاعتياد على الأوقات الدراسية.
الاستيقاظ مبكراً
من جانبه قال محمد أحمد شاكر، طالب بالمرحلة الثانوية: المواظبة على الاستيقاظ مبكراً لأداء صلاة الفجر بشكل يومي، جعلني أعتاد على الاستيقاظ مبكراً حتى في أيام الإجازات الصيفية، يُمضي العديد من أصدقائي أوقات فراغهم أمام شاشات التلفاز إما لمشاهدة الأفلام أو اللعب بالألعاب الإلكترونية، وهو الأمر الذي لا يستهويني على الإطلاق كما أنني لا أجد المتعة في المكوث داخل المنزل لساعات طويلة خلال أوقات الفراغ، بل أستمتع بها في الخارج برفقة الأهل والأصدقاء والتنقل بين الأماكن والمتنزهات.
مع بداية العام الدراسي لا أجد صعوبة في تنظيم مواعيد الاستيقاظ مبكراً لكوني حريصاً على النوم في المواعيد الاعتيادية، فلا يختلف الأمر كثيراً بين الدراسة وبين فترة الإجازة الصيفية.
أسباب وحلول
عرّفت د نور هشام، طبيب عام وماجستير في الصحة العامة الساعة البيولوجية قائلةً «هي ساعة الجسم الداخلية وتعرف بأنها قدرة الجسم على التحول من النوم في ساعات معينة «عادة بالليل»، إلى الاستيقاظ والنشاط في ساعات أخرى «عادة في النهار»، والساعة البيولوجية في جسم الإنسان هي المسؤولة عن تنظيم وقت النوم ووقت الشعور بالجوع والتغيرات في مستوى الهرمونات ودرجة الحرارة في الجسم».
ولعل من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى خلل في الساعة البيولوجية في جسم الإنسان، هو عدم قضاء وقت كافٍ في إضاءة الشمس الطبيعية خلال النهار، وتغيّر أوقات العمل بشكل يومي أو أسبوعي.
وعليه فيمكن التغلب على هذا الخلل وضبط الساعة البيولوجية في جسم الإنسان من خلال العلاج السلوكي.
ساعة داخلية فطرية تسير ذاتياً
تقول د. أمل بالهول مستشار الشؤون المجتمعية بمؤسسة وطني الإمارات «الساعة البيولوجية هي ساعة داخلية فطرية تسير ذاتيًا، تتحكم بدورات النوم والاستيقاظ، فضلًا عن دورها الكبير في كل ما يخص الإنسان، بداية من إفراز الهرمونات حتى درجة حرارة الجسم، وتُضبط بمؤثرات خارجية، والمتمثلة في طول مدة النوم وكفاءته الليلية، ويؤثر خللها على العديد من العمليات الحيوية والصحية للإنسان، وهو الأمر الذي يطرأ على طلبة المدارس بشكل خاص خلال الإجازة الصيفية، حيث يلجأ العديد منهم خلال فترة الإجازات إلى كسر القواعد والخروج عن المألوف خاصة في مواعيد النوم، ويعود الأمر في ذلك للضغط الواقع عليهم بطول اليوم الدراسي وكثافة المناهج، فتحول احترام ورغبة التعلم لرغبة للتمرد وكسر القيود».
وهنا يعود الدور الرئيسي والمهم للأسرة في تهيئة الطالب مجدداً لاستعادة الوضع الطبيعي لمواعيد النوم ويأتي ذلك من خلال التنظيم، وهو أن تبدأ كل أسرة بالتنظيم التدريجي وزيادة ساعات النوم إلى ما بين 6-8 ساعات، بحيث تقل إلى 6 ساعات لدى طلبة المرحلة الثانوية، على أن يبدأ بالنهوض من النوم في الساعة التي توفر الوقت الكافي للصلاة والفطور والاستعداد للخروج، فضلاً عن إمداد الأبناء ممن يقضون وقتاً طويلاً خلال الانتقال بالحافلة المدرسية بوسادات دائرية تخص التنقل، وعليه يتم الاستفادة من زمن رحلة الحافلة المدرسية ما بين المنزل حتى الوصول للمدرسة، وفي الوقت ذاته أثناء العودة لأخذ قسط من النوم ومد الجسم بالراحة.