غزة في كواليس الحركة الوطنية الفلسطينية

كتاب بالفرنسية لصحافي فلسطيني
12:53 مساء
قراءة 5 دقائق

لا سلام ولا استقرار في منطقة الشرق الأوسط وضفتي البحر الأبيض المتوسط من دون تحقيق الأهداف الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، هذه كانت إحدى أهم الخلاصات التي خرج بها الصحافي الفلسطيني حسان البلعاوي في كتابه غزة : في كواليس الحركة الوطنية الفلسطينية الذي صدر باللغة الفرنسية نهاية العام الماضي في باريس، والذي عرضه مؤخرا في المركز الثقافي الفرنسي الألماني في مدينة رام الله.

امتاز الكتاب بأنه مزيج من التاريخ المختصر والتحليل السياسي من منظور شخصي لمخاطبة الرأي العام الغربي بهدف ايصال فكرة بسيطة تتمحور حول أن لا سلام ولا استقرار في منطقة الشرق الاوسط وضفتي البحر الأبيض المتوسط من دون تحقيق الأهداف الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني المتمثلة في المشروع الوطني الفلسطيني، بما فيها غزه التي تشكل فقط 2% من مساحة فلسطين التاريخية، ومع ذلك شكلت منذ نكبة فلسطين الأولى في العام 1948 الساحة الرئيسية التي تتحدد فيها ملامح المشهد السياسي الفلسطيني الذي يمتد إلى بقية المساحات الفلسطينية سواء داخل الوطن أم في الشتات.

وحرص المؤلف على إهداء كتابه الأول إلى ذكرى والده فتحي البلعاوي الذي عاش في غزة مطلع الخمسينات وشغل منصب نقيب المعلمين الفلسطينيين، وتميزت هذه النقابة بكونها إطاراً جماهيرياً ضم القوى السياسية الرئيسية في ذلك الحين: جماعة الاخوان المسلمين، الحزب الشيوعي الفلسطيني، والتيار القومي في القطاع. وقادت نقابة المعلمين التحركات الجماهرية الكبرى ضد مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في صحراء سيناء.

يتوزع الكتاب الذي وقع في مائتي صفحة من القطع المتوسط وأصدرته دار نشر دونويل المرتبطة بمجموعة غاليمار الشهيرة وهي من كبريات دور النشر الفرنسية، على تسعة فصول تبدأ من تاريخ غزة القديم منذ فترة الكنعانيين وصولاً إلى أعتاب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وقد لاقى رواجا في أبرز المكتبات الفرنسية وتغطية إعلامية واسعة خصوصاً مع بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، وتعتزم دار النشر ترجمة الكتاب الى عدة لغات منها العربية.

وابتعد البلعاوي في تجربته الاولى عن السرد التاريخي محاولاً تقديم وقائع تاريخية ليسقطها على الوضع السياسي الحالي وعرض تفسيراً للاستخدام السياسي لهذه الوقائع اعتماداً على تجربته الشخصية والمهنية في المؤسسة الفلسطينية.

يتناول الكتاب الموقع الاستراتيجي المهم لغزة كمنطقة تواصل بين قارتي آسيا وإفريقيا لموقعها جنوب البحر الابيض المتوسط، والتي قال عنها القائد الفرنسي نابليون بونابرت بأنها بوابة آسيا وجسر لإفريقيا. كانت أول مركز اداري للكنعانيين في فلسطين، وقلعة متقدمة للفراعنة في مصر تصد الغزوات القادمة من آسيا. وغزة من أقدم مدن العالم كما أظهرت حملات تنقيب الآثار الاوروبية التي بدأت العام 1894 بفريق سويسري مروراً بالبعثات البريطانية خلال الانتداب البريطاني، وصولا للبعثات الفرنسية مع انشاء السلطة الوطنية الفلسطينية والتي أشارت إلى وجود مدينة رومانية في مخيم الشاطئ. يستعرض الكتاب سريعا الحقبات التاريخية التي مرت بها غزة من فترة حكم الامبراطور الاسكندر المقدوني وقيام مدارس فلسفية وجامعة، مرورا بالحقبة المسيحية التي تركت عدة كنائس وآثاراً تاريخية مهمة ما تزال قائمة حتى اليوم، وانتهاء بالفتح الاسلامي الذي شيد مساجد غنية بالمستوى المعماري، ومنها مسجد السيد هاشم، جد رسول الله محمد صلى الله عليه واله وسلم والذي اعطى المدينة اسم غزة هاشم، وصولا لحقبة الحروب الصليبية أو حروب الفرنجة التي شهدت صلح الرملة بتوقيع القائد صلاح الدين الأيوبي مع ملك الفرنجة ريتشارد قلب الاسد.

يستعرض الكتاب مرحلة النكبة وأثرها في التغير الجذري لغزة من زيادة سكانية تقدر بنحو 300% نتيجة لتدفق اللاجئين، وما فرضه ذلك من وقائع جديدة، ووقائع عقد أول مجلس وطني فلسطيني برئاسة مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني مطلع اكتوبر/تشرين الأول 1948 في مدرسة الفلاح الذي اعتمد العلم الفلسطيني الحالي، كما دعم انشاء حكومة عموم فلسطين كأول محاولة كيانية فلسطينية، ونالت اعتراف الجامعة العربية آنذاك، وكانت تصدر جواز سفر خاصاً بها ولديها وزراء ومبعوثون تجولوا في العالم لشرح القضية الفلسطينية بما في ذلك الجمعية العامة للامم المتحدة.

تناول البلعاوي الأسباب التي جعلت من جماعة الإخوان المسلمين الأكثر تاثيراً في القطاع، والتي خرجت من رحمها الطلائع الأولى المؤسسة لحركة فتح، كما تناول تأسيس رابطة الطلاب الفلسطينيين في القاهرة مطلع الخمسينات لتشكل إحدى الحاضنات الرئيسية لولادة الفكرة الوطنية الفلسطينية بإسناد التحركات الجماهرية التي قادتها نقابة المعلمين كالتلاقي بين تياري الإخوان المسلمين والحزب الشيوعي وعدد من الشخصيات المستقلة في افشال مخطط التوطين.

كما استعرض مرحلة الاحتلال الإسرائيلي الأول للقطاع اثر العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 مركزا على تجربة المقاومه الشعبية وعلى الرفض الشعبي لتدويل قطاع غزة طبقاً لمشروع طرحه وزير الخارجية الكندي آنذاك، متناولاً بروز الشخصية الوطنية الفلسطينية ببعدها القومي ودعوة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بتأسيس الاتحاد القومي ثم المجلس التشريعي العام 1962 وصولا لانشاء منظمة التحرير الفلسطينية.

قدم الكاتب قراءة لتطور المشروع الوطني الفلسطيني بقيادة حركة فتح عبر مراحل متعددة بدءاً من معركة الكرامة 1968 مروراً بخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان في العام 1982 والذي دفع إلى عودة الثقل النضالي الفلسطيني للداخل المحتل واشتعال الانتفاضة الأولى من مخيم جباليا أواخر العام 1987 وما صاحب ذلك من هجوم السلام الفلسطيني الذي تجسد في دورة الاستقلال في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في العام 1988 وصولا لحرب الخليج الثانية وما نتج عنها من مؤتمر مدريد للسلام الذي قاد إلى اتفاق اوسلو في العام 1993.

يلقي الكتاب الضوء على انشاء السلطة الوطنية كمرحلة جديدة في مسار الحركة الفلسطينية تلخص في محاولة الانتقال من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية، حسب وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس لدى اجتماع المجلس المركزي لمنضمة التحرير في تونس في اكتوبر/تشرين الأول 1993.

ويقدم الكتاب قراءة للمعادلة الصعبة التي حكمت النظام الفلسطيني الوليد بمحاولة الانتقال من حركة تحرر وطني الى بناء مؤسسات دولة في ظل تجربة فريدة من نوعها في تاريخ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال تتمثل في انجاز مهمتين في آن واحد: البناء واستكمال مهام التحرير. ويبرز الكاتب نهج المدرسة العرفاتية نسبة للرئيس الراحل ياسر عرفات في قيادة الشعب الفلسطيني الى بر الامان بكل الطرق والوسائل وضمن خيارات وآليات سياسية يصعب فهمها ضمن منطق معيار الادارة الدولية.

تناول الكتاب اندلاع الانتفاضة الثانية العام 2000 والتغير الجذري الذي فرضته، مروراً بحصار الرئيس ياسر عرفات واستشهاده وأثر ذلك في مجمل النظام الفلسطيني، ثم انتخاب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس رئيساً وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة وصولا الى فوز حركة حماس في انتخابات الدورة الثانية للمجلس التشريعي مطلع العام 2006.

شرح البلعاوي طبيعة وأسباب أول فوز للحركة الاسلامية في المشرق العربي وأبعاده مروراً بالتجربة القصيرة لحكومة الوحدة الوطنية، ثم ما حدث في غزة من تولي حماس السلطة، تبع ذلك إعلان إسرائيل للقطاع ككيان معادٍ وصولا للمرحلة التي سبقت العدوان الإسرائيلي ثم توقعه كنتيجة للوضع القائم.

الكتاب وإن تحدث بوضوح عن المسؤولية الفلسطينية إزاء مأساة غزة، لا يغفل مسؤولية إسرائيل المباشرة الاصلية ومسؤولية المجتمع الدولي تاريخيا وعلى جميع الصعد في استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ويشير بوضوح ان منظمة التحرير الفلسطينية واحدة قوية وموحدة تضم جميع القوى الفلسطينية بما في ذلك حماس والجهاد الاسلامي، هي وحدها القادرة على صنع حل الدولتين طبقا لقرارات الشرعية الدولية، وإلا فكل البدائل مطروحة. ويطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والتاريخية والأخلاقية ليعم السلام والعدالة في منطقة الشرق لتعود غزة مركز التقاء الحضارات كما كانت على مدى العصور.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"