في مقاربة آليات النص الشعري التشكيلي

03:39 صباحا
قراءة 4 دقائق

قديماً قال سقراط الإنسان السامي الأخلاق لا يحمل الضغينة، لأن الروح العظيمة تنسى السيئات، وقال سقراط أيضا أنا لست مواطناً لأثينا أو اليونان، أنا مواطن للعالم، في القولين ثمة تأمل كبير يفتح شهية الكلام عن الشعر، الشعر من حيث هو متعة وحيوية وخيار وحرية، وهو هدف الفنان والمبدع دائماً وأبداً .

الشعر يثري ثقافة الحوار، هو موجود في التشكيل، والأدب، وموجود في الموسيقى، بين الموسيقى والشعر أخوية تجرد الأولى وتقبض على الشعر يقظا ليذكرنا بالبدايات واختراع الأبجدية وتكوّن الحياة .

يقارب النقاد بين النص والتشكيل بقولهم: نص بصري، أو نص سردي بصري، وغالبا ما يكون السرد في التشكيل متقولبا ضمن حركة الصورة، أو بعبارة أدق يكون محكوما لآلية وتفاعلات العلاقة التي ترسمها الصورة على سطح اللوحة ضمن شبكة العلاقات التي تتحرك في فضاء اللون والكتلة والفراغ، وبالتالي هو أقرب إلى الشعر أو النص الشعري الذي يستفيد من الرسم فيشكلان معا نصا سرديا يقيم في مساحة الشعر ويفكر من خلال الصور .

بين الشعر والتشكيل ألفة من نوع خاص، ولأن من طبيعة الشعر أن يكون متغيرا، فهذا يعني أن مفهومه ليس ثابتا، وهو ما يتفق مع طبيعة الزمن والنظم والعلاقات الجديدة، وفي الزمن الحالي الذي تمت ترجمته من خلال الفن في مدارس ومذاهب متنوعة وصولا إلى حركة الفن المعاصر، كان الشعر يعبر عن صورة وفكرة وحركة متناغما تماما مع فكرة وإيقاع التشكيلي .

ينطبق هذا الفهم على مجمل التجربة التشكيلية في العالم وفي الوطن العربي، ومن ذلك التجربة الإماراتية التي استفادت من الحراك العالمي وبرزت بشكل جلي في معارض المؤسسين في هذه التجربة الفنية التي تضم أسماء مهمة مثل: عبد الرحيم سالم، عبد القادرالريس، حسن شريف، د . محمد يوسف، د . نجاة مكي، محمد القصاب، عبد الله السعدي، علي العبدان، إبراهيم العوضي ومحمد كاظم ومن تبعهم من جيل يضم أسماء كثيرة بينها: ابتسام عبد العزيز، خليل عبد الواحد، ليلى راشد، كريمة الشوملي، ناصر نصر الله وغيرهم من الأسماء ذات الشأن والخصوصية في هذه البانوراما الفنية المتحركة .

إذا ما صح أن النص البصري يقع في مساحة الشعر، وهو ما يؤكده عدد غير قليل من النقاد، فهذا يعني أن الشعر يخترق الفنون جميعها، يتجاوز السرد الأدبي المحض ليقيم في اللوحة فيشف ما بين الكتلة والفراغ، وقد يظهر بكامل هيبته كنص أو بيت شعري ساطع في معناه ودلالته، فيظهر متناغما مع لمسة الفنان وحركة الفرشاة، الشعر بهذا المعنى خفة وحيوية ووسيلة لإثارة الجدل وتحقيق المتعة والدهشة .

العلاقة الوطيدة بين الشعر والتشكيل تظهر في تجربة فنانين صاحبي تجربة متقاربة مع اختلاف أسلوب كل منهما عن الآخر وهما د . نجاة مكي وعبد الرحيم سالم، وقد سبق لهما أن قدما تجربة مشتركة ذات ملمح شعري بالإشتغال على اللون، كما في أحد معارضهما قبل سنوات في دبي بعنوان نساء الظل، حيث تابع مشاهدو المعرض أشباح نساء بخطوط لونية تجمع الرمادي مع البني المتدرج والأزرق المتوهج، في بناء جدلي شعري ولوني ضمن فهم خاص لحساسية اللون لدى كل من د . مكي وسالم، وجدل الشعر واللون يمكن قراءته في مساحة الغموض الشفيف، وذلك الإيهام المتعلق بتجريد اللون وإظهار الشخوص داخل العمل الفني، وهو ما ظهر في معرض آخر لمكي ضم 25 لوحة بعنوان روحية اللون بالاشتغال على بنائية مفعمة بالتكوينات والعناصر سواء البيئية أو التراثية .

تظهر تلك الشعرية في ترنيمات محمد يوسف التي تحاكي البيئة وجذوع الأشجار وورق النخل، وفي تشكيلات حسن شريف وتركيباته ونظمه المبعثرة هنا وهناك، ويمكن قراءة مثل هذه الشعرية في كثير من عناوين المعارض التي توحي بقوة الشعر كما في شفافية اللون لفاطمة لوتاه والانفتاح على اللون الأبيض وسيكولوجية الأبيض، وفي تجسيد بعض ملامح التراث الصوفي الشعري على وجه الخصوص كقصائد جلال الدين الرومي ورابعة العدوية، واستخدام مفردات ومواد سبق استخدامها كالقماش والقطن والنحاس والشمع والاستفادة من طاقة الحرف في كثير من المقاطع الشعرية والنثرية .

وتظهر مثل هذه الشعرية في تجربة نحتية لمحمد القصاب يعيد فيها قراءة الألمنيوم كمادة مستعملة، والشعرية في هذه التجربة استغلت مساقط الضوء على المسطحات الخارجية للألمنيوم وهو ما استفز عين المشاهد وبصره ليتأمل في هذه المواد مستقرئا مآلاتها في الواقع اليومي .

في تجربة أخرى لناصر نصرالله وهو من الفنانين الشباب ثمة استقراء لتفاصيل المدينة ومحاولة قراءة الأشياء بمنظور تشكيلي بصري لا يقف عند حدود ثبات العنصر في الحياة بل يمنحه دفقاً صورياً وشعرياً قابلاً لقراءة ثانية وثالثة .

كثيرة هي التجارب التي تؤكد على حوارية الشعر والتشكيل، بل تذكرنا أكثر بتلك الطاقة التي يمنحها الشعر في إثراء ثقافة الحوار، ولعل في ما قاله رسول حمزاتوف يوما الآن وقد ابيض شعري وكبر أولادي، وشاخت كتبي، لا يزال الشعر أكثر أصحابي إخلاصا لي بعضا من الحكمة التي تقرأ الحياة على نحو شعري صرف .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"