تنتهي التجارب الثقافية العربية والعالمية المختصة بنشر الكتاب في أساسها إلى نتيجة ملخصها «اصنع قارئًا جيدًا وبعدها اطبع كتابك كيفما شئت»، وهي النتيجة التي وصل إليها مشروع «كتاب في جريدة» المتوقف منذ أربعة أعوام على الأقل، نتيجة غياب الدعم المادي.
«كتاب في جريدة» مشروع ثقافي «كبير» أطلقته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو» عام 1995، وهو المشروع الثاني من نوعه في العالم بعد المشروع الناطق بالإسبانية Périolibros ومعناه الكتاب الدوري، أطلقته المنظمة عام 1991 في جميع دول أمريكا اللاتينية وإسبانيا والبرتغال، لكنه توقف بعد ست سنوات من إصداره عند العدد رقم (66) في حين ظل «كتاب في جريدة» يواصل إصداراته طوال أكثر من عشر سنوات وصدر (105) كتب من روائع الأدب العربي قديمه وحديثه.
لا شك أن العالم يسعى نحو تحفيز الشعوب للقراءة بشتى الطرق والوسائل، فمنذ سنوات أطلقت شركة سوني sony اليابانية للإلكترونيات قارئ كتب إلكتروني بحجم الجيب، وزودت الشركة الجهاز بذاكرة تكفي لتحميل قرابة 3500 كتاب، ويمكن للقارئ زيادة عدد الكتب عن طريق استخدام كروت ذاكرة memory cards. كما أضافت بعض شركات المحمول خواص قراءة الكتب الإلكترونية سواء كانت بنظام الورد word أو البي دي أف pdf.
واقع الأمر يؤكد أن العالم في وادٍ ونحن في واد آخر بعيد، وربما سحيق، فالقراءة لا تزال في قاع الأولويات بالنسبة للمجتمع العربي، وهذه الأجهزة غير ملائمة لمجتمع يعاني قرابة نصفه الأمية «الأبجدية»، الأمر الذي تنجو منه بعض الدول عبر مبادرات جادة كدولة الإمارات العربية المتحدة، التي أعلنت أن يكون العام الجاري عام القراءة، تنفيذًا لمبادرة أطلقها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.
وبما أن الكتاب الورقي مازال يمتلك سطوته، في العالم كله تقريبًا، وبما أن إمكانات الفرد العربي، سواء المادية أو غير المادية، غير قادرة على التأقلم مع مثل الأجهزة السابقة الذكر، إذن فعلينا الاهتمام بالكتاب، والعمل على تطويره، مما يجعله أكثر جاذبية، يقرب الناس من القراءة، كونها عملية ضرورية للحياة، لا ترفًا زائدًا عن الحاجة.
تجارب كتاب الجيب
وبالرجوع إلى الماضي، نجد أن «كتاب الجيب» Hand book مثّل أحد الأشكال الطباعية المحفزة للقراءة؛ وأدت كتب الجيب، بشكل عام، إلى ثورة قرائية في العالم خلال العقد السابع من القرن الماضي، رغم ظهورها قبل ذلك بثلاثين عاماً تقريبًا؛ وظهرت كتب الجيب لأول مرة عام 1935 بإنجلترا، عندما أصدرت دار «بنجوين» أول كتاب جيب، وكان ثمنه وقتها ستة بنسات.
إلا أن انتشار هذا النوع لم يتم إلا في الولايات المتحدة عام 1939 من خلال إصدارات الناشر سيمون وشوستر في مشروع كتاب الربع دولار الشهير.
وانضمت فرنسا إلى مثلث «الهاند بوك» عام 1953، لتفتح آفاقاً وأبوابًا جديدة لقطاع عريض في ميدان القراءة، ولم يكن العرب حينذاك بعيدين عن هذا المضمار؛ فعرفت كتبُ الجيب طريقها إلى القارئ المصري أواخر الخمسينات، في مجال الأدب المترجم خاصة، ثم لعبت الشركة العربية للنشر والتوزيع في منتصف الثمانينات دوراً كبيراً في انتشار كتاب الجيب في مصر؛ وأصدرت عام 1984 سلاسل أدبية في طبعة روايات مصرية للجيب، وكتابات رجل المستحيل، التي كانت توزع قرابة المائة ألف نسخة في التسعينات ثم تراجع هذا العدد كثيرًا إلى الوراء في مطلع الألفية الجديدة.
كما اعتمدت بعض التيارات الدينية، كالصوفية مثلا، كتب الجيب كوسيلة في نشر أفكار التيار وتعاليمه، ومن ثم تغلغلت وعرفت طريقها للذيوع والانتشار في نسيج المجتمعات العربية، والمصرية خاصة، عن طريق كتب صغيرة، في حجم الكف، توزع مجانا أو بأسعار زهيدة، لم تتجاوز الثلاثة جنيهات.
في إطار تطوير شكل الكتاب، تبرز تجربة «كتاب في جريدة»، التي اعتمدت شكل الجريدة في طباعة إصداراتها وتوزيعها مع الصحف العربية مجاناً، وبدأت التجربة بعد نجاح الشاعر العراقي ومستشار العلاقات الثقافية الدولية شوقي عبد الأمير بتكليف من فديريكو مايور المدير العام السابق لمنظمة اليونيسكو، في تأسيس المشروع الكبير ابتداءً من 1 يونيو 1995، بعد أن زار عبد الأمير أقطار العالم العربي تقريباً، وألتقى عددًا من رؤساء تحرير كبريات الصحف العربية، فانعقد مؤتمر غرناطة في نوفمبر 1995، وانتهى المشاركون بالمؤتمر إلى توصيات ونتائج أبرزها اعتبارهم أن «كتاب في جريدة» إصدار فريد من نوعه كأداة لنشر الأدب العربي وتعزيز وحدة اللغة العربية وثقافتها، داعين زملاءهم رؤساء تحرير الصحف العربية الذين لم يستطيعوا المشاركة في اللقاء حينذاك إلى الانضمام للمشروع.
وشارك بالمؤتمر رؤساء تحرير وممثلو الصحف التالية: الأهرام - القاهرة، النهار - بيروت، الاتحاد - أبو ظبي، الدستور - عمّان، الرأي - عمّان، الأيام - المنامة، تشرين - دمشق، الأيام - رام الله، الاتحاد - حيفا، الانقاذ الوطني - الخرطوم، الرأي العام - الكويت، الشرق - الدوحة، عُمان - مسقط، الثورة - صنعاء، الشعب - نواكشوط، الشمس - طرابلس، الصحافة - تونس، الشعب - الجزائر، العلم - الرباط، الاتحاد الاشتراكي - الدار البيضاء، القدس - لندن، الرياض - الرياض. لتنضم بعد ذلك صحف أخرى من بينها «الخليج - الإمارات»، و«البلد - بيروت».
وبعد سنوات من احتضان اليونيسكو للمشروع إثر إطلاقه تحول إلى مؤسسة مستقلة تحت الرعاية والتمويل الكامل لمؤسسة MBI Al Jaber Foundation برئاسة الشيخ محمد بن عيسى الجابر الذي وقع بروتوكولاً مع المنظمة الدولية يرعى بموجبه «المشروع» لتتحوّل المنظمة بعد ذلك إلى شريك ثقافي، يمثلها في كل الندوات والاجتماعات الخاصة ب «كتاب في جريدة» الدكتور أحمد الصياد، نائب المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون، وذلك قبل أن يدخل المشروع إيقافًا قيل أنه مؤقت، لكن يدوم منذ سنوات.
في انتظار الدعم
من جهته، يدعو بين الحين والآخر، المشرف العام للمشروع شوقي عبد الأمير، إلى إنقاذ المشروع الذي لا يزال ينتظر مبادرة من مدينة عربية لدعمه، من أجل أن يواصل مهمته السامية في تعزيز المعرفة عربيًا، وتعزيز المحتوى العربي على الإنترنت، خصوصاً أن المشروع يصدر شهرياً نسختين، ورقية وإلكترونية.
ويرى عبد الأمير أن «كتاب في جريدة» مشروع جامع للعرب، وتمكن من نشر عدد من أمهات الكتب العربية القديمة والحديثة، مرفقاً به رسوم لفنانين من مختلف الدول العربية، وكان يوزع مجاناً مع 21 صحيفة، لمدة 16 عاماً، وبمعدل ثلاثة ملايين نسخة للإصدار الواحد، حتى وصل إلى توزيع نصف مليار نسخة ل160 كتاباً خلال 16 عاماً متواصلة!
المشروع الذي استضافته بيروت، واعتبر العاصمة اللبنانية مقرا رئيسيًا، ضمت قائمة هيئته الاستشارية عدداً من كبار الكتاب العرب، وهم: أدونيس، أحمد الصياد، أحمد بن عثمان التويجري، أحمد ولد عبد القادر، جابر عصفور، سيد ياسين، عبد الله الغذّامي، عبد الله يتيم، عبد العزيز المقالح، عبد الغفار حسين، عبد الوهاب بو حديبة، فريال غزول، محمد ربيع، جودت فخر الدين، مهدي الحافظ، ناصر الظاهري، ناصر العثمان، نهاد إبراهيم باشا، هشام نشّابة، ويمنى العيد.
عن المشروع الذي استهدف وصول الثقافة لعموم الناس، كذلك الترويج للحوار بين الحضارات عبر توزيع المعرفة ونشرها على أوسع فئة من الناس، تتذكر الروائية السورية سوسن جميل حسن، المقيمة حاليًا في العاصمة الألمانية «برلين»، «اعتدنا في تلك الفترة الرحيمة التي كان فيها مشروع «كتاب في جريدة «الرائد» في توفير المنهل الثقافي لشريحة واسعة من الشعب العربي يبهجنا، أن نحجز نسخة الجريدة المرفقة بالكتاب الشهري، فهو العدد الوحيد الذي كان ينفد من المكتبات أو باعة الجرائد خلال الشهر».
تضيف مؤلفة رواية «خانات الريح» «كان الكتاب بمثابة هدية يفوز بها القارئ، وربما لم يكن يقرأ أكثر من عناوين الجريدة أو يحلّ كلماتها المتقاطعة، في وقت كانت الصحف الموجهة والمضبوطة من قبل النظام السياسي تتصف بخطاب خشبي، ما خلا بعض الومضات المتفرقة خاصة في الصفحات الثقافية».
وتقول «في الواقع كان المشروع واعداً لما توفر عليه من إمكانية الوصول إلى قاعدة واسعة لدى شعوب لا تقرأ، ليس لأنها تنعم بأميتها فقط كما تتهم، بل لأن الشروط التي يمكن أن تنتج ثقافة فاعلة وتساعد أفراد المجتمع في التطور والرقي المعرفي والثقافي لم تكن متوفرة، وهي شروط وظروف معقدة ومتشابكة تتحمل مسؤوليتها جهات عديدة من أصحاب القرار، بالإضافة إلى أن القائمين على المشروع كانوا من القامات الثقافية العالية في الوطن العربي، فكانت الهيئة الاستشارية تضم أسماء لامعة».
ترثي مؤلفة رواية «النباشون» المشروع «ما يحز في النفس هو إجهاض مشروع نحن بأمس الحاجة إليه في الوطن العربي بسبب التمويل، كما جاء على لسان الشاعر شوقي عبد الأمير المشرف على المشروع، علماً بأن كلفة المشروع الذي كان يقدم شهرياً ما يقارب الملايين الثلاثة من النسخ الشعبية للقارئ العربي تكاد أن تكون مهملة قياساً بحجم الإنفاق الحكومي والخاص على نشاطات وفعاليات أخرى، وقياساً بالهدر الخاص والعام الذي تتميز به الحياة في منطقتنا.
المفارقة المؤلمة اليوم هو الإنفاق الهائل على التسليح والحروب التي تزهق أرواح الشعوب بدلاً من إحيائها وإنعاش وعيها ودفعها للمساهمة في صنع واقعها وإنتاج ثقافتها، هل يمكن استعادة المشروع بنموذج رقمي؟ ربما تعترضنا صعوبة الأمية المعلوماتية في هذا المجال والتعقيدات الحكومية والرقابية أيضا، لكن يمكن بهذا تحقيق مستوى من الهدف لو تم».
فكرة مبهرة
الشاعر والصحفي المغربي جمال الموسوي كان أحد المسؤولين عن المشروع في المملكة المغربية، من خلال عمله كصحفي في جريدة العلم المغربية، إحدى الصحف التي تعمل على توزيع الكتاب شهرياً، يقول الموسوي «عند انطلاق كتاب في جريدة كنت أشتغل صحفيا في جريدة العلم، كانت تجربة جديدة لنا في جريدة تصدر بانتظام ملحقًا ثقافيًا أسبوعياً، وبالتالي كانت فكرة نشر كتاب كامل أو مختارات فكرة مبهرة، من زاوية أساسية بالنسبة لي».
ويكشف مؤلف ديوان «أقدام بأثر قليل»، أنه «في وقت موسوم في الظاهر، على الأقل، بتدني مستوى المقروئية في العالم العربي، لأسباب يتداخل فيها الكسل والخمول، وغياب التربية على شراء الكتب وانعدام فضاءات الكتب في البيوت، مع العوامل الاقتصادية التي تجعل من شراء الكتاب عبئًا ماليًا، أعتبر مشروع كتاب في جريدة محاولة لاقتحام القارئ وإجباره على القراءة كممارسة حيوية للمعرفة وتطوير الذات وأيضا للتنوير وتشغيل العقل الذي تم اعتقاله داخل نوع من الثقافة لا يمكنها الإجابة عن أسئلة العصر».
وأوضح الموسوي من العاصمة المغربية الرباط في حديثه ل«الخليج» «ليست لدي ملاحظات سلبية على المشروع الذي أعتقد أنه توقف في النهاية ككل الأشياء الجميلة في هذه المنطقة من العالم. بالمقابل، تمنيت لو كان هناك انفتاح على الآداب العالمية في مختلف القارات وعدم الاقتصار على إنتاجات الكتاب العربي. أيضاً كان من الممكن ربما بذل مجهود أكبر قليلا ونشر الكتاب في شكل «كراسة» وليس بالشكل الذي كان عليه كملحق للجريدة، ذلك كان سيجعل قراءته أيسر والاحتفاظ به أسهل»، وينهي حديثه قائلاً «كان المشروع فكرة عظيمة في حد ذاتها كطموح أولاً، وبالنظر إلى حجم المؤسسة الداعمة أي اليونيسكو ثانيًا. وما من شك في أن الفكرة أيضاً كانت قابلة للتطوير والاستمرار، هذه القابلية هي ما يجعل إمكانية ابتعاثها ممكنًا، من أجل تمكين الكتاب من الوصول إلى أكبر الشرائح الممكنة مع احتمال زرع رغبة القراءة في الذين لا يقرأون».
بعد تجربة كتاب في جريدة، تأتي تجربة دار المدى والمعروفة باسم «الكتاب للجميع»، وهي سلسلة كتب شهرية، كانت تتيح للقارئ تكوين مكتبة ذات مساحة منفتحة على مختلف فروع المعرفة بتكلفة لا تثقل عليه، وتوزع الإصدارات مجانًا ملحقة بعدد من الصحف العربية، جراء تنازل كافة الأطراف المشاركة عن حقوقها لصالح القارئ، «الكتاب للجميع» وإن لم يمتلك المقدرات المالية كسابقه «كتاب في جريدة»، لكن مبادرة دار المدى تظل محاولة مشكورة وجهدا محمودا من الدار والصحف التي تبنت الفكرة وهي: «صحيفة القاهرة - مصر»، «القبس - الكويتية»، «الأيام - البحرين»، «الحياة - السعودية»، «الثورة - سوريا»، «البيان - الإمارات»، و«السفير - لبنان».
على صعيد أقل تأثيراً، حاولت بعض دور النشر العربية تطوير الكتاب شكلاً مما يساهم في انتشاره، من بينها تجربة مؤسسة منشورات «البيت» التي اهتمت بتطوير شكل دواوين الشعر، ودشنت في 2008 مشروع دواوين شعرية في حجم كتاب الجيب، وهي فكرة سبق المؤسسة إليها الشاعر المغاربي إبراهيم الخياط عام 1989، ونشر ديوانه «تابرات» أي الرسالة باللغة الأمازيغية في طبعة كتاب الجيب.
مميزات
وفي رأينا يكتسب شكل «كتاب في جريدة» مميزات مكنته من الانتشار، وتكمن هذه المزايا في الآتي: أولاً: تفضيل الناس «في المجتمع العربي على الأقل» لشكل الجريدة، وتعودهم على التعامل معها من خلال قراءة الصحف والدوريات والمطبوعات الخبرية. وثانياً: خفة الوزن وسهولة الحمل، وإمكانية قراءة «كتاب في جريدة» في أي مكان؛ فضلًا عن عدم شعور حامله بالثقل أو الإعياء. وثالثاً: العامل النفسي؛ فكلما كان الكتاب صغيراً كلما أعطى إحساسا بسرعة قراءته، وكلما كان في هيئة الجريدة منح المتلقي شعوراً بإمكانية قراءته في وقت أقل، ومن ثم العودة إليه ومناقشته مع الآخرين. ورابعاً: كتاب في جريدة أقل تكلفة ومن ثم أرخص سعراً، وكان يوزع مجانًا مع الصحف. وخامساً: كسر الصورة النمطية للقارئ، والمتظاهر أمام الآخرين حاملاً كتبه تحت إبطه، مما جعله مثالاً للسخرية والتنكيت.
نعترف أننا متحمسون للتجربة، ولإعادة تجربة كتاب في جريدة، وما دام وهب بن منبه يرى «أنه في التوراة أقوام يمشون وأناجيلهم في صدورهم، وأحسبهم الشعراء»، ونحسبهم نحن المبدعين شعراء وروائيين وكتاب قصة وفنانين، فعلينا أن نخرج هذه الكتابات من الصدور ونتيحها للناس ليستفيدوا منها، ملتمسين شكلاً ارتضاه الناس من قبل، وليكن ذلك مشروعًا قوميًا نرفع فيه شعارات «المعرفة للجميع» وشعار جورج حنين «الشعر كالخبز والماء»، بعد تطويره إلى «الثقافة كالخبز والماء»، وأخيراً، نعود إلى البداية التي انطلقنا منها، فليسع الجميع نحو صناعة قارئ جيد، القراءة عنده كالماء أو الهواء، وبعدها فليطبع كل منا كتابه كيفما شاء.