يعتبر مرض كروتزفيلد جاكوب أحد الاضطرابات التنكسية التي تصيب الدماغ، ويتطور المرض إلى الإصابة بمشكلة الخرف المزمنة، ومن ثم الوصول إلى حالة وفاة المريض. وتتشابه علامات هذا المرض مع أعراض اضطرابات الدماغ القريبة من الخرف، غير أن كروتزفيلد جاكوب يتطور بشكل سريع للغاية، ويؤثر في القدرات العقلية بصورة كبيرة ويحدث أضراراً بالغة.

أثار هذا المرض الانتباه خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، عندما تطور لدى بعض الأفراد أحد أشكال هذا المرض، وهو كروتزفيلد جاكوب المتنوع، وذلك عقب تناول وجبة لحوم من أبقار مصابة بمرض جنون البقر.

وترجع الإصابة بهذا المرض في حوالى 20% إلى وجود طفرة في الجين المشفر لبروتين البريون، ومن الممكن أن ينتقل المرض من شخص لآخر عند زراعة قرينة، أو استخدام هرمون النمو البشري، أو في حالات انتقال الإلكترودات، التي يمكن أن تزرع على سطح دماغ المصاب، بهدف العلاج أو التشخيص.

ونتناول في هذا الموضوع مرض كروتزفيلد جاكوب بكل جوانبه، مع بيان العوامل والأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث هذه الحالة، وكذلك أعراضها المختلفة والمميزة لها عن الحالات المتشابهة، ونقدم طرق الوقاية الممكنة، والتي ينصح بها الخبراء والعلماء، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

تدهور سريع

نشر موقع «المعهد الأمريكي للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية» أن المصاب بمرض كروتزفيلد جاكوب يعاني تدهوراً عقلياً سريعاً، والذي يحدث في أغلب الحالات خلال بضعة أشهر من حدوث الإصابة.

وتشمل الأعراض الأولية لهذا المرض ظهور تغييرات في شخصية المصاب، حيث يشعر بحالة من القلق والأرق والاكتئاب، وكذلك فقدان الذاكرة، وضعف في قدرات التفكير.

وتؤثر أعراض هذا المرض على وضوح الرؤية، وربما أصيب الشخص بالعمى، كما أن المرض يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بصعوبة في الكلام والبلع، ويعاني المصاب حركات متشنجة ومفاجئة.

ويؤدي تطور هذا المرض إلى حدوث تفاقم في الأعراض النفسية، ومعظم المرضى يصابون في نهاية الأمر بغيبوبة، كما أنه في العادة يصاب بفشل القلب، أو فشل الجهاز التنفسي.

الخرف مرحلة تالية

وأضاف الموقع: تشمل تطورات مرض كروتزفيلد جاكوب أيضاً الإصابة بالالتهاب الرئوي أو حالات العدوى الأخرى التي تتسبب في وفاة المريض، والتي تحدث غالباً خلال عام بعد المرض.

ويمكن أن تكون الأعراض النفسية في البداية أكثر وضوحاً، وذلك بالنسبة لهؤلاء الذين يعانون أحد الأنواع النادرة لمرض داء كروتزفيلد جاكوب.

ويضاف إلى ذلك الإصابة بالخرف في مرحلة تالية من هذا المرض، ويعني الخرف هنا فقدان المريض القدرة على التفكير والإدراك والتذكر، وتضرر القدرات العقلية عموماً بشكل كبير.

ويؤثر هذا المتغير على المصابين في عمر أصغر من الإصابة بهذا المرض، ويكون لديه مدة أطول بشكل قليل من 12 شهراً.

حفر الإسفنج

يعد مرض كروتزفيلد جاكوب أحد الأمراض التي تنتمي إلى مجموعة من الأمراض البشرية والحيوانية، هو والأشكال المختلفة له، وتعرف هذه الأمراض باعتلال الدماغ الإسفنجي المنقول، ويأتي هذا الاسم من أن نسيج مخ المصاب يكون شبيهاً بحفر الإسفنج، وذلك أثناء مشاهدته تحت المجهر، وذلك حسب ما ذكره موقع «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» بأمريكا.

ويبدو أن هذا المرض، والأمراض التي تشبهه، ترجع إلى أحد أنواع البروتينات غير الطبيعية التي تتكون في الدماغ أو تتراكم فيه، والذي يعرف بالبريونات، وهي في أغلب الأحيان لا تكون ضارة، إلا أن هذه البروتينات عندما تكون مشوهة وبها خلل، تصبح معدية، وبالتالي فمن الممكن أن يضر بالعمليات البيولوجية الطبيعية التي تحدث داخل الدماغ.

ويلاحظ الخبراء والباحثون أن هذا المرض لا ينتقل عن طريق السعال أو العطاس أو اللمس أو الاتصال الجنسي، ويمكن أن تحدث الإصابة من خلال 3 طرق.

الإصابة العشوائية

وأضاف الموقع: يصاب معظم المرضي بالنوع التقليدي من داء كروتزفيلد جاكوب. دون معرفة السبب الحقيقي لهذا المرض، ولذلك تسمى بالإصابة العشوائية أو الإصابة العفوية أو الداء الفرادي.

ويعاني أقل من 15% من المصابين بهذا الداء وجود تاريخ عائلي من المرض، أو من تأكدت لديهم الإصابة بطفرة جينية، ويسمى هذا النوع بالداء العائلي.

ويمكن أن تكون الإصابة نتيجة تعرض الشخص لأنسجة بشرية ملوثة، وذلك عند إجراء أي عملية جراحية، مثل جراحة زراعة القرنية أو جراحة في الجلد.

ويلاحظ أن أساليب التعقيم التقليدية لا تقضي على البريونات الشاذة، ولذلك فإن بعض من خضعوا لجراحات الدماغ باستخدام أدوات ملوثة، فإنهم يصابون بداء كروتزفيلد جاكوب.

وتسمى هذه الحالات - والتي ترتبط بالعمليات الجراحية - علاجي المنشأ، كما أن هناك نوعاً آخر متغير يرتبط بصورة أساسية بتناول لحم الأبقار المصابة بجنون البقر.

عوامل الخطر

يمكن لبعض العوامل أن ترتبط بأنواع مختلفة من داء كروتزفيلد جاكوب، ومن ذلك العمر، فالإصابة المتفرقة بهذه الحالة تحدث غالباً في عمر 60 عاماً، في حين أن الإصابة بالنوع العائلي منه تحدث في وقت سابق لهذا العمر بقليل، ويصاب الأشخاص بالنوع المتغير بعمر صغير للغاية، في العادة أواخر العشرينات.

ويتسبب وجود طفرة جينية في الإصابة بهذا المرض، حيث يورث بطريقة صبغية جسدية سائدة، وهو الأمر الذي يعني أن المصاب في حاجة إلى أن يرث نسخة واحدة فقط من جين به طفرة قادم من أحد الأبوين، ويزيد من خطر انتقال الطفرة لمن يعانون منها إلى أطفالهم بما يصل نسبته إلى 50%.

غيبوبة وموت

يمكن أن يزيد خطر الإصابة بداء كروتزفيلد جاكوب بالنسبة لمن يعانون المرض المتغير أو علاجي المنشأ، في حالة التعرض لأنسجة ملوثة.

ويزيد كذلك خطر الإصابة بعلاجي المنشأ بالنسبة لهؤلاء الذين تلقوا هرمون النمو البشري، الذي يستخرج من الغدد النخامية البشرية، أو من لديهم طعوم أنسجة تغطي الأم الجافية.

ويؤثر مرض كروتزفيلد جاكوب بشكل كبير على الدماغ والجسم، وينسحب المصاب عادة من التعامل مع الأصدقاء والعائلة.

ويفقد القدرة في نهاية الأمر على التعرف إليهم أو الارتباط بهم، كما يفقد القدرة على الاعتناء بنفسه، ويدخل غالباً في حالة غيبوبة، ومن ثم الموت.

فحص الأعصاب

يستطيع الأطباء تشخيص الإصابة بداء كروتزفيلد جاكوب. من خلال التاريخ الصحي للمصاب، وكذلك فحص الأعصاب، وبعض الاختبارات التشخيصية، وتتأكد الإصابة بهذا المرض فقط عند أخذ خزعة من المخ عقب الوفاة، أو فحص أنسجته.

ويكشف الفحص في الغالب بعض الأعراض المميزة، مثل تشنجات العضلات والارتجاف والانعكاسات غير المعتادة، كما أن المصاب يعاني تنسيق الحركة العصبي، وربما تعرض بعض المصابين بهذا المرض إلى تغيرات في الإدراك البصري، وإصابة بعض المناطق بالعمى.

ويمكن أن يستعين الطبيب ببعض الاختبارات التي تساعد على اكتشاف الإصابة بهذا المرض، ومن ذلك التخطيط الكهربائي للدماغ.

ويستخدم في هذا الاختبار أقطاباً كهربية يضعها على الجمجمة، من أجل قياس نشاط المخ الكهربي، وفي العادة فإن المصاب يظهر لديه نمط غير طبيعي.

الرنين المغناطيسي

يلجأ الطبيب المختص إلى التصوير بالرنين المغناطيسي، وذلك بهدف إنشاء صور مقطعية للرأس والجسم، وتعتبر هذه الصور مفيدة في تشخيص اضطرابات المخ، حيث تتضح المادة البيضاء والرمادية في المخ.

ويظهر وجود أحد البروتينات في السائل النخاعي، والذي يتم في اختبار البزل القطني، أو الطرقة النخاعية، والذي يعتبر دليلاً على داء كروتزفيلد جاكوب أو الداء المتغير.

ويهدف علاج المصابين بهذا المرض إلى تخفيف الألم والأعراض التي يعانون منها، والتخفيف من حدة الحالة بشكل عام، وذلك لأنه لا يوجد علاج فعال حتى الآن، بالرغم من اختبار عدد من العقاقير التي لم تنجح في علاج المرض بشكل فعال أو نهائي.

وقاية غير متعمدة

يشير الأطباء والباحثون إلى أنه لا تعرف طريقة لمنع الإصابة بمرض كروتزفيلد جاكوب، ولذلك ينصح من لديهم تاريخ عائلي لأمراض الأعصاب باستشارة مختص أمراض وراثية، والذي يساعد في التعرف إلى المخاطر التي تتعلق بهذه الحالة.

ويقول أحد الباحثين: إن كثيراً من المستشفيات والمنشآت الصحية تلتزم بسياسات صارمة للحد من انتشار الإصابة بهذا المرض، وذلك عن غير قصد.

وتشمل هذه السياسات الاقتصار على استخدام هرمون النمو البشري المصنع، بدلاً من الذي يتم استخلاصه من الغدة النخامية البشرية.

ويتم التخلص بصورة تامة من الأدوات الجراحية التي استخدمت في العمليات، وخاصة تلك التي تتعلق بجراحة المخ أو الأنسجة العصبية لأي مريض مصاب بهذا المرض، أو يشتبه في إصابته به.