يستخدم اصطلاح الركود الاقتصادي لتوصيف التقلبات والاضطرابات التي يتعرض لها النظام الرأسمالي خلال فترات محددة، وتتجلى هذه التقلبات في انخفاض الناتج، مقارنة مع فترات سابقة أو بالمقارنة مع الطاقات الإنتاجية المتوفرة أو الكامنة، وبكساد يشمل جميع أو بعض قطاعات الاقتصاد الوطني، ويعاني رأس المال خلال ذلك من تدني معدل العائد وتفلس أو تغلق المنشآت الصغيرة والهامشية في الاقتصاد الوطني، ويؤدي ضعف مستوى الطلب الكلي والتراجع في القدرة الشرائية إلى تسريح أعداد متزايدة من العمال وإلى اتساع نطاق البطالة وتدني سوية الأجور في المجتمع ككل.
الظواهر التي يتجلى فيها الركود، هي نفسها التي تتجلى فيها الأزمات الدورية مع فارق أساسي في العمق والاتساع والديمومة؛ حيث تكون الأزمات الدورية أكثر عمقاً وشمولاً وتمتد لفترة زمنية أطول؛ وغالباً ما تكون الأزمة ذات صفة عالمية في حين أن الركود يمكن أن يكون محدوداً في بلد معين أو في مجموعة من البلدان.
إن التخفيف من حدة الركود وديمومته، لا يلغي الأزمة الكامنة في النظام الرأسمالي، حيث لا تأتي الأزمات الدورية وفترات الركود طارئة وخارجة عن النظام الرأسمالي بل هي جوهرية فيه (أي أنها داخلة في بنيته)؛ فقوى السوق ومن خلال التجربة التاريخية للرأسمالية، لم تكن قادرة على تحقيق التوازنات الأساسية في النظام، ولم تستطع اليد الخفية تجنيب السوق أزماتها المتكررة، وفي المرحلة الحالية من التطور الرأسمالي، والذي أطلقت فيه الحرية كاملة لرأس المال، تزايد التراكم في أسواق المال للمضاربات والانتقال السريع من سوق لآخر دون المجازفة في الدخول في قطاعات ومجالات الإنتاج، الأمر الذي يتهدد النظام النقدي والمالي العالمي؛ ما يتهدد النظام ككل بأزمة عميقة وشاملة.
استثمار إنتاجي
والثابت أن العالم لم يعرف نظاماً اقتصادياً مثل النظام الإسلامي في حله لمشكلة تراكم الثروة المعطلة دون أن تستثمر في تحسين الأحوال المعاشية للمجتمع، والزكاة تعمل على سرعة دوران رأس المال إذ إنها تشجع صاحب المال بطريق غير مباشر على استثمار أمواله حتى يتحقق فائض يؤدي منه الزكاة، ومن ثم فقد استفاد صاحب المال من استثماره بالربح، وأفاد المجتمع بأداء حق المستحقين للزكاة، وهذا ما يؤدي إلى دوران رأس المال وتحريكه، فالزكاة دافع للأموال نحو الاستثمار، ونظراً لأن الإسلام لا يتعامل بالفائدة، فإن هذه الاستثمارات ستكون في أصول إنتاجية تحتفظ بالقيمة الحقيقية لرأس المال في صورة قوة شرائية حقيقية.
ويتبين أثر فريضة الزكاة في تشغيل رأس المال واستثماره، في أن الشارع أوصى بتثمير المال ليدفع المسلم الزكاة من ربحه، وبذلك يحافظ على رأسماله ويعمل على تنميته، وتتضح هذه الحقيقة من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة استثمار الأموال حتى لا تأكلها الزكاة، فقد قال: من ولي يتيماً له من ماله فيتجر منه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة.
فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر الأوصياء باستثمار أموال اليتامى، فمن باب أولى أن ينمي الإنسان ماله ليدفع الزكاة من ربحه في سهولة ويسر، أما إذا لم يقم باستثماره وتركه عاطلاً كان للمجتمع حقه فيه وهو الزكاة التي تعتبر في هذه الحالة عقوبة على الاكتناز.
تحريم كنز المال
لقد جاء الإسلام ودعا الناس إلى أن يتحرروا من عبودية الدرهم والدينار، وأن يعملوا على تحريك رأس المال واستثماره وإنفاقه بما ينفع المجتمع، وشدد الحملة على كنز المال وتجميده وتعطيله عن أداء رسالته في الحياة الاقتصادية، ونزلت في ذلك آيتان من كتاب الله تهددان بأشد الوعيد للكانزين الأشحاء فقال تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (التوبة: 34 35).
والاكتناز في الفكر الإسلامي يشمل منع الزكاة وحبس المال، فإذا خرج منه الواجب لم يبق كنزاً، والواجب يشمل الزكاة الإنفاق الاستثمار فلا يخرج المال من دائرة الاكتناز إلا إذا تم إخراج الواجب أي الزكاة، العفو، النفقات، الصدقات، مداومة الاستثمار، والإسلام لم يقف في محاربة الكنز عند حد التحريم والوعيد الشديد، بل خطا خطوة عملية لها قيمتها وأثرها في تحريك النقود المكنوزة وإخراجها من مكانها لتقوم بدورها في إنعاش الاقتصاد، وتمثلت هذه الخطوة في فريضة الزكاة، ويتبين أثر فريضة الزكاة في تشغيل رأس المال واستثماره من أن الشارع أوصى بتثمير المال ليدفع المسلم الزكاة من ربحه، وبذلك يحافظ على رأسماله ويعمل على تنميته.
وقد تبين لنا في العصر الحديث مضار الاكتناز وكيف أنه يؤدي إلى الركود الاقتصادي، حيث يحول دون نشاط التداول النقدي، وهو ضروري لإنعاش الحياة الاقتصادية في المجتمع وحبس المال تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين الإنتاج وتهيئة وسائل العمل للعاملين.
مصرف الغارمين
يقول تعالى: إِنمَا الصدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السبِيلِ فَرِيضَةً منَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة: 60).
ومن ضمن مصارف الزكاة مصرف الغارمين، والغارم هو الذي عليه دين، والغارمون هم المدينون الذين لزمتهم ديونهم وعجزوا عن سدادها، ولم يكن دينهم في معصية، وكذلك المدينون الذين استدانوا لأداء خدمة عامة كهؤلاء الذين يصلحون بين الناس وتركهم بعض الديون بسبب ذلك، وتسدد ديونهم في هذه الحال حتى ولو كانوا قادرين تشجيعاً لأعمال البر والمروءة وفعل الخير والصلح بين الناس.
إن هذا المصرف يتسع ليشمل من احترق متجره أو غرقت بضائعه في عرض البحر أو تلف مصنعه وكل من تعرض إلى إملاق وفاقة بعد غنى ويسر يأخذ من سهم الغارمين بقدر ما يعوض خسارته ويقضي به دينه وتذهب ضائقته، من هنا فإن الزكاة بفضل سهم الغارمين تمكن من له حرفة من مزاولة حرفته، أو تجارته أو زراعته، ولقد استفاد الاقتصاد الوطني من وراء استغلال هذه الطاقات العاطلة بتحويلها إلى طاقات منتجة كما أن الدخول التي يحققها الأفراد من مزاولة حرفهم وأعمالهم بفضل سهم الغارمين تخلق طلباً إضافياً أي زيادة في الإنفاق تؤدي إلى زيادة الإنتاج، الأمر الذي يؤدي إلى إنعاش الاقتصاد والحد من الركود الاقتصادي.
وقت إخراج الزكاة
وقد أشار الإمام أبو عبيد إلى انه لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه وقت للزكاة يوماً من الزمان معلوماً، إنما أوجبها في كل عام مرة وذلك أن الناس تختلف عليهم استفادة المال، فيفيد الرجل نصاب المال في الشهر، ويملكه الآخر في الشهر الثاني، ويكون الثالث في الشهر الذي بعدهما، ثم شهور السنة كلها.
ومعنى ذلك أن تأثير الزكاة في الحد من الركود الاقتصادي يستمر على مدار العام بالكامل، ويلاحقه إلى أن تختفي مشكلة الركود الاقتصادي.
وقد تحدث كارثة لمدينة صناعية أو لمجموعة من التجار أو لفئة المزارعين أو تظهر حالات من الفقر المدقع، من هنا جوز الفقهاء صرف الزكاة في صنف واحد من الثمانية أو أكثر حسب الحاجة، فالإمام ابن قدامة يقول: يجوز أن يقتصر على صنف واحد من الأصناف الثمانية ويجوز أن يعطيها شخصاً واحداً، وذهب الإمام ابن رشد إلى أن الإمام مالك والإمام أبا حنيفة قالا بجواز صرف الزكاة من صنف واحد أو أكثر حسب الحاجة، والواقع أن هذا المنهج من شأنه أن يحدث تحسيناً في العلاقة بين قوى العرض الكلي وقوى الطلب الكلي، إذ إن مساندة فئة بأكملها ممن أضيروا جراء الركود الاقتصادي سيؤدي إلى التخفيف من شرور الركود، وستعمل هذه القوى بكامل طاقتها من جديد، الأمر الذي يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة وإنعاش السوق للخروج من أزمة الركود الاقتصادي.
وإذا كانت موارد الزكاة غير قادرة على مجابهة حال الركود الاقتصادي، فإن بعض الفقهاء لا يرى بأساً في أن يخرج المسلم زكاته قبل حلها بثلاث سنوات، لأنه تعجيل لها بعد وجوب النصاب، ويستشهد أبو عبيد بما رواه الحكم بن عتبة الذي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فأتى العباس يسأله صدقة ماله، فقال: قد عجلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدق عمي قد تعجلنا منه صدقة سنتين. ونخرج من ذلك بإمكان تعجيل دفع الزكاة إذا كانت حال المجتمع ماسة إلى الأموال خصوصاً حاجة المضرورين من الأزمات الاقتصادية ولا شك أن ذلك بغرض المحافظة على الاستقرار الاقتصادي وكذلك التخفيف من حدة الركود.
ثم إن فريضة الزكاة تعد وسيلة فعالة من وسائل إعادة توزيع الثروة بين أفراد المجتمع على أساس عادل، فالزكاة تؤخذ من الغني وتعطى للفقير.
نظرية تناقص المنفعة
ولو طبقنا نظرية تناقص المنفعة يمكن القول: إنه كلما زادت وحدات السلع المستهلكة يمكن التدليل على تناقص المنفعة الحدية للدخل، فالغني تكون لديه منفعة الوحدة الحدية للدخل أي الوحدة الأخيرة، أقل من منفعة الوحدة الحدية للدخل لدى الفقير. وعلى ذلك فإن نقل عدد من وحدات دخل الغني عن طريق الزكاة إلى الفقير يسبب كسباً للفقير أكثر من خسارة الغني.
والنتيجة النهائية هي أن النفع الكلي للمجتمع يزيد بإعادة توزيع الدخل عن طريق الزكاة لصالح الفقراء الذين يرتفع لديهم الميل الحدي للاستهلاك عن غيرهم من الأغنياء الأمر الذي ينعكس أثره على زيادة الإنفاق من خلال المضاعف على زيادة الإنتاج، حيث إن المضاعف هو الذي يحدد استجابة الناتج القومي للتغيير في الإنفاق، لأن الفكرة الأساسية للمضاعف هي زيادة الإنفاق التلقائي التي يترتب عليها زيادة الدخل القومي بكمية مضاعفة تتوقف على الميل الحدي للاستهلاك، فتزيد بزيادته وتنخفض بانخفاضه.
ومعنى ذلك أن كلاً من الاستهلاك والاستثمار يسيران معاً، فكلما زاد الاستهلاك زاد الاستثمار، حتى مستوى معين هو ذلك المستوى الذي تمثله العمالة الكاملة، أي أنه كلما تم تحويل قوة شرائية أو دخل من الأغنياء إلى الفقراء كان هناك ضمان لتأمين مستوى من الطلب الفعال يكفي للإغراء بالقيام بإضافة استثمارات وتوسعات جديدة وجذب عدد كبير من العمالة مما يسهم في الحد من الركود الاقتصادي.