"لا دين لمن لا عهد له"

مفهوم واسع للوفاء في الشريعة الإسلامية
12:36 مساء
قراءة 5 دقائق

من القيم الإنسانية الرفيعة التي أولاها الإسلام بأهمية كبيرة قيمة الوفاء وذلك لما لها من أثر عميق ودور كبير في حياة الناس، أفرادا وجماعات وأمما وشعوبا .

وقد احتفى القرآن الكريم بكل ما يعمق من قيمة الوفاء وجاء استعمال هذا المفهوم في آياته على وجوه متعددة، فهناك وفاء بعهد الله، وهناك وفاء بالعهد على نحو مطلق، وهناك وفاء بالعقود، أو وفاء في الكيل والميزان، أو وفاء بالنذر، كما جاء في مفهوم الوفاء في آيات قرآنية كثيرة في مقابل نقض المواثيق .

هذا يدلنا كما يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري على اتساع مساحة الوفاء في منظومتنا الإسلامية، فالأمر لا يتعلق بعلاقة بين صديقين فحسب، وإنما الأمر يشمل جميع العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ويتجاوز الدائرة الضيقة بين فردين إلى دائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها .

الوفاء للماضي

ويدخل في إطار الوفاء المطلوب من المسلم، الوفاء لماضي الأمة وتراثها، وتاريخها فلا يجوز للمسلم أن يتنكر لماضيه، فالذي ليس له ماضٍ لا مستقبل له، والوفاء لماضي الأمة وتراثها لا يعني كما يوضح الدكتور زقزوق تقديس هذا الماضي وتبرئته من كل العيوب، وإنما المقصود ألا يفصل المرء بين يومه وأمسه، فالزمن حلقات متصلة ومن أجل ذلك لا يجوز أن تكون هناك قطيعة مع هذا الماضي لأنه يشتمل على الجذور، وفصل جذور الشجرة عن ساقها يميتها .

إذن الوفاء للماضي يعني الحفاظ على الهوية وتنمية الإيجابيات التي يشتمل عليها الماضي وتجنب السلبيات، بالإضافة إلى مراعاة متغيرات العصر، وهذا ما يطلق عليه البعض الجمع بين الأصالة والمعاصرة .

ويدخل في مفهوم الوفاء أيضا الوفاء لعلماء الأمة ومفكريها وعظمائها ممن قدموا للوطن خدمات جليلة، والوفاء لهم يكون بإحياء ذكراهم والاعتراف بفضلهم، وتعريف الأجيال الجديدة بجهدهم وتضحياتهم وعطائهم، وبذلك نقدم لهذه الأجيال نماذج مشرفة يقتدون بها ويحذون حذوها في البذل والعطاء الأمر الذي يعود بالخير على الوطن وكل من يعيش فيه .

الصدق والتقوى

وترتبط قيمة الوفاء في التصور الإسلامي بالصدق والتقوى، ولذلك جاء حديث القرآن الكريم في وصف الموفين بعهودهم والصابرين بأنهم الذين صدقوا وبأنهم المتقون: أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .

وإذا كان الوفاء بالحقوق والعهود والمواثيق أمر يحتمه الإسلام فإنه لا يفرق في هذا الصدد بين المسلمين وغير المسلمين، فالقيم الإسلامية لا تتجزأ ولا يجوز أن تطبق بطريقة انتقائية . ومن الطبيعي أن يكون الوفاء علاقة تبادلية، فكما تتوقع مني أن أكون وفيا معك يجب أن تكون وفيا معي أيضا، وإلا فمن غير المنطقي ومن غير المعقول أن تطلب من الآخر أن يكون وفيا لعهودك وفي الوقت نفسه لا تفي أنت له بعهد ولا ذمة، وفي ذلك يقول القرآن: وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم .

والوفاء أنواع كثيرة، منها:

الوفاء مع الله: فعلى المسلم أن يكون وفيا بعهده مع الله في أن يعبده وحده لا يشرك به شيئا وأن يبتعد عن طريق الشيطان الذي يدفعه إلى ارتكاب المعاصي .

الوفاء بالعقود والعهد: فالإسلام يوصي باحترام العقود وتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلمون عند شروطهم .

الوفاء بالكيل والميزان: فالمسلم يفي بالوزن فلا ينقصه لأن الله تعالى قال: أوفوا بالمكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم، (هود: 85) .

الوفاء بالنذر: فالمسلم مطالب بالوفاء بنذره وأداء ما عاهد الله عليه، ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول الحق سبحانه وتعالى: يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا .

الوفاء بالوعد: فالمسلم مطالب بأن يفي بوعده ولا يخلفه، والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من الإخلاف بالوعد ويعتبره من أخلاق المنافقين فيقول: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان .

حاجة تربوية

الشيخ فوزي الزفزاف وكيل الأزهر الأسبق يؤكد حاجتنا، نحن المسلمين، الآن إلى استعادة قيمة الوفاء التي اختفت من حياة الكثيرين منا ليحل محلها الغدر والجحود ونكران الجميل ونقض العهود والمواثيق، ويقول: يجب أن نربي أبناءنا على قيمة الوفاء والاعتراف بالجميل والرد على المعروف بمعروف أكثر منه، علينا أن نحررهم وننفرهم من الأنانية وحب الذات وعدم الإحسان الى من أحسن إليهم، واجبنا أن نغرس فيهم فضيلة الوفاء بالعهود والمواثيق وأن نذكرهم دائما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا دين لمن لا عهد له، وعدم الوفاء والغدر والجحود يدمر العلاقات بين الناس، أفرادا كانوا أم جماعات .

والتربية على قيمة الوفاء تحمي الإنسان من كل صور الغدر والخيانة وتجعله عزيزا كريما محبوبا من كل الناس، لأن الوفاء بالعهد من أهم المبادئ التي تحقق التوازن في شخصية الإنسان ونقض العهد يؤدي إلى الضياع والخسران .

ويوضح الشيخ الزفزاف أن العهد نوعان: عهد مع الله، وعهد مع الناس، فأما عهد الله فهو الالتزام بشرعه وما عاهد المسلم ربه عليه، وأما العهد الذي مع الناس فيكون بالتمسك بالالتزامات الصحيحة التي ينبغي التمسك بها بينهم في سائر العلاقات والمعاملات، فالله سبحانه وتعالى يقول: وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون، وأما بالنسبة لما بين الناس فقد قال الحق سبحانه: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود .

ونقض العهد خلق سيئ لا يليق بمسلم، فهو يؤدي الى اهتزاز ثقة الآخرين به وإساءة العلاقات معهم، وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقض العهد من علامات النفاق فقال في الحديث الصحيح: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذ حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر .

قيم سلبية

ويحذر الشيخ الزفزاف من القيم السلبية التي سيطرت على سلوك الشباب الآن حيث اختفت من حياة الكثيرين منهم صفة الوفاء وأصبح كل إنسان يبحث عن مصالحه الشخصية بعيدا عن مصالح وحقوق الآخرين، وهذا السلوك غير السوي من شأنه أن يفسد العلاقة بين الأجيال الجديدة من المسلمين ويضعف الثقة فيهم وهذا ما ينبغي أن نوضحه لأبنائنا من خلال التربية المنزلية ومناهج الثقافة الإسلامية والتربية القومية في المدارس، وهو أيضا ما ينبغي أن يركز عليه الدعاة وخطباء المساجد في كل خطبهم ودروسهم الدينية، فالالتزام السلوكي مهم جدا في حياة الإنسان، ولو تركنا أبناءنا ينساقون وراء النزوات والرغبات الشخصية والأهواء والقيم السلبية التي شاعت في حياتنا فنحن نعرضهم للضياع فالإنسان الوفي هو الذي يعيش سعيدا بين الناس فهم يثقون به ويقبلون على التعامل معه، ولا يرتابون في وعده، ويصدقونه، ويحبونه، ويخلصون له الود، وشخصيته بينهم مرموقة، فهو موضع تقديرهم واحترامهم، ويبادلونه حبا بحب ووفاء بوفاء .

وينتهي الشيخ الزفزاف إلى أن القيم الإسلامية هي التي توفر الحماية والحصانة لشخصية الإنسان من كل ما يغزو مجتمعاتنا الآن من قيم سلبية أفسدت علاقاتنا وحولت كل شيء في حياتنا إلى منافع شخصية وأهواء ذاتية .

والوفاء ليس قيمة فردية مطلوب من الناس أن يتحلوا بها في علاقاتهم ومعاملاتهم اليومية فحسب، بل الوفاء بالعهود مطلوب بين الأمم والشعوب حتى يعم الأمن والسلام والاستقرار العالم كله ويسود الوئام بين كل الناس، وهنا تتجلى عظمة الإسلام وقيمه الحضارية حيث يؤكد ضرورة الوفاء بالعهود والمواثيق بين الدول، ويفرض على المسلمين التزاما أخلاقيا في كل معاملاتهم وعهودهم ومواثيقهم مع الآخرين .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"