المتقون في جنات وعيون، ومن صفات هؤلاء المتقين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون، النوم والراحة من محبوبات الإنسان، دفء الفراش في الليالي الشاتية، أو استرخاء الأبدان في ليالي الصيف القصيرة يجعل اليقظة للتهجد بالليل والناس نيام مجاهدة هائلة مع النفس الأكولة النؤومة.
من ضحى بالراحة ومحبوباته في هدأة الليل حيث لا يراه أحد إلا الله أعطى أعظم برهان وأكبر دليل على حبه لربه وشوقه إليه وإخلاصه في العمل.
وقت التجلي. تجلي الله على عباده في الثلث الأخير من الليل كما صح بذلك الحديث حيث ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ويقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من كذا. هل من كذا حتى يطلع الفجر.
* حب الزوجة لزوجها وغيرتها عليه أمر مشروع، وهذه ليلة من ليالي نبينا المشرقة تكشف عنها النقاب زوجته الصديقة بنت الصديق عائشة، كانت تحبه ولمثلها أن يغار على مثله، هذه القصة كما رواها الإمام مسلم في صحيحه: عن عائشة قالت: افتقدت النبي ذات ليلة. فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه. فتحسست ثم رجعت. فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك. لا إله إلا أنت فقلت: بأبي أنت وأمي! إني لفي شأن وإنك لفي آخر وفي رواية: فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
هذه هي هموم نبينا وهذا ما كان يوقظه بالليل، هموم الآخرة أكبر من هموم الدنيا.
* بشرى اليوم لهؤلاء المتهجدين وما أكثرها، منها ما رواه أحمد والترمذي وصححه الإمام السيوطي عن أبي أمامة عن النبي قال: عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد. هذه خمس فوائد ما أحوجنا إليها، أن نتشبه بالصالحين من قبلنا، وأن ننافس فيما نزداد به قربا لربنا، والنور الذي يسكبه الله في القلوب من طول القيام بين يديه يطرد من القلوب حب المعصية أو مجرد التفكير فيها، والقيام فيه صحة الأجسام، كيف لا وصحة الجسم تابعة لطمأنينة النفس وانشراح الصدر وسكينة القلب؟
* ما هو مقدار ما نقوم به حتى نحظى بهذا العطاء؟ الأجر على قدر الهمم وإخلاص النية، ويبدأ القيام من بعد صلاة العشاء، وأفضله جوف الليل وثلثه الأخير، روي أبو داود وابن حبان وابن ماجه عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله: من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آيةٍ كُتب من القانتين، ومن قام بألف آيةٍ كُتب من المقنطرين.
* يا من يريدون دوام الألفة والمحبة في البيوت هذا هو الطريق. أن يجتمع الزوجان على طاعة لله، وهذه أعظم قصة حب يمكن أن توجد بين زوجين، يرويها أبو داود والنسائي عن أبي هريرة عن النبي قال: إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ أهله وصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. وفي حديث آخر عن أبي هريرة أيضا قال، قال رَسُول اللهِ: رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء.
هذه هي البيوت الآمنة المستقرة التي تغمرها رحمات الله، هذه بيوت لا تقربها الشياطين ولا يعربد فيها القلق والهم والحزن، بالله عليكم لو نظر الأولاد في البيت لأبوين هذه حالهما مع الله في الليل كيف تكون الألفة والمحبة في هذه الأسرة؟ هذه هي الأسباب التي أمرنا ربنا أن نأخذ بها طاعة له، وبعد ذلك فالله يفعل ما يشاء ولا معقب لحكمه.
* لما قيل للحسن: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها بالنهار؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره. الوجوه العابدة الطائعة تأنس العيون برؤياها، ففي وجه المتهجد وقار وسكينة وطمأنينة، والله ما أحوجنا إلى النظر في هذه الوجوه البارة التقية، ولم لا نكون منهم؟ بل نعزم إن شاء الله أن نكون منهم.
* كثيرة هي هموم الحياة، وقد لا نجد من يسمع شكوانا ويلبي حوائجنا، وابن آدم يغضب حين تسأله وإن اقتربت منه شبرا ابتعد عنك ميلا، فهل هكذا يعاملنا ربنا؟ لا والله، فماذا نفعل؟ إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، فما هو خير الأوقات عند الله؟ إنها في هدوء الليل والناس نيام، إذا خلا كل حبيب بحبيبه، قام هو من فراشه يناجي ربه بكلامه، وإذا ذكر الله في خلوته هذه ففاضت عيناه من خشية الله أظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.