مدن الأشباح تعبير يثير الذعر في قلب من يسمعه، ويأخذ ذهنه بعيداً محاولاً تخيل ما يحدث داخل هذه الأماكن لمعرفة سر هذه التسمية . سميت هذه المدن بهذا الاسم لأسباب متعددة، ربما تكون الحروب في مقدمتها، وأحياناً تدهور الوضع الاقتصادي، وأحياناً تصبح الحوادث والزلازل والبراكين المتهم الأول، وتارة الأوبئة والتلوث والكوارث، وربما تكون الأسباب مجهولة .
تبقى هذه المدن لغزاً كبيراً، تضاربت التفسيرات لما تعرضت إليه، واختلفت أسباب هجرانها وظروفها وأحوالها، لكن الحقيقة أنها الآن خاوية، لا يسمع فيها إلا صوت الرياح، ولا يرى فيها إنسان، ولا تشم فيها سوى رائحة الخواء، بعد أن كانت يوماً ما مركز حياة، يعيش فيها الناس ويباشرون أعمالهم، يمسون ويصبحون، تراودهم الآمال والطموحات . وهذه بعض من أغرب مدن الأشباح:
** مدينة بودي في كاليفورنيا: تقع المدينة على جبال بودي شرقي جبل سييرا نيفادا في إقليم مونو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية . وترتفع المدينة 2554 متراً عن سطح الأرض .
كانت المدينة مخيماً للتعدين بعد اكتشاف الذهب في العام 1859 بوساطة مجموعة من المنقبين، وتزامن اكتشاف الذهب في المدينة مع اكتشاف الفضة في مدينة فيرجينيا القريبة، وازدهرت المدينتان، بيد أن بودي لم تلق اهتماماً كافياً . وكادت تتعرض للتخريب في الأربعينات، واستأجرت عائلة كين التي كانت تمتلك الأرض التي بنيت فوقها المدينة عدداً من الأشخاص لحمايتها .
وكان تعداد سكان المدينة 10 آلاف نسمة، بيد أن تراجع أرباحهم من عمليات التعدين أجبرتهم جميعاً على هجرانها، فتعرض معظم أرجاء المدينة للخراب ولم يتبق منها سوى جزء صغير . شوارعها خاوية ولكن المناطق الداخلية تحوي مخازن للذهب .
وأدرجت المدينة كملمح تاريخي قومي في العام ،1961 وبعد مرور عام أصبحت المتنزه الوطني التاريخي لولاية كاليفورنيا، وتضم 170 مبنى، وهي مفتوحة أمام الزوار طيلة أيام السنة، ولكن كثافة الثلوج المتساقطة في الشتاء تتسبب في إغلاق الطريق المؤدي إليها، ما يجبر أغلبية السائحين على زيارتها في الصيف . وأقدمت سلطات الولاية على بناء متحف في المدينة وسمحت بجولات سياحية يومية .
وكان من المقرر إغلاق المدينة عام 2009 بشكل دائم لنقص الموارد المالية، بيد أن اللجان التشريعية للولاية تمكنت من التوصل إلى تسوية بخصوص ميزانية للمدينة مكنت لجنة الحدائق بالولاية من الإبقاء عليها مفتوحة .
** جزيرة هاشيما اليابانية: يطلق عليها السكان المحليون اسم جونكانجيما أو جونكاشيما وتعني جزيرة البارجة، وهي ضمن 505 جزر يابانية مهجورة وتقع على بعد 15 كيلومتراً من ناغازاكي . كانت مخيماً للتعدين عامراً بالسكان في الفترة ما بين 1887 و1974 . ومن أهم معالمها مبنى خرساني مهجور يحيط به البحر بكل جوانبه . وأصبحت تتبع إدارياً مدينة ناغازاكي منذ العام 2005 بعد أن كانت تابعة لبلدة تاكاشيما البائدة .
اشتهرت الجزيرة لقرن تقريباً بمناجم الفحم وعمليات التعدين خاصة مع ازدهار عصر الصناعة في اليابان، وابتاعتها شركة ميتسوبيشي في العام 1890 وبدأت فيها مشروعاً هدفت منه إلى استخراج الفحم من المناجم التي غمرتها مياه البحر . وشيدت الشركة في العام 1916 مبنى خرسانياً تكون من 9 طوابق ضم مجموعة من الشقق السكنية سكنها العمال الذين استقدم غالبيتهم من بلاد آسيوية مختلفة، كما كان المبنى حصناً ضد الأعاصير المدمرة . وسكن الجزيرة 500 من الكوريين العاملين في التعدين، وفي العام 1959 وصل تعداد سكانها إلى 259 .5 نسمة على مساحة 15 فدان، بمعدل 835 نسمة لكل هكتار .
وبعد أن أغلقت مناجم الفحم في هاشيما مثلما حدث لكل مناجم الفحم في أرجاء اليابان في الستينات، وتمت الاستعاضة عنها بالبترول، نزح سكانها جماعياً وأعلنت ميتسوبيشي رسمياً إغلاق المنجم في 1974 وتركت الجزيرة خاوية حتى اليوم . وأعيد افتتاح جزء صغير من الجزيرة كوجهة سياحية في الثاني والعشرين من إبريل/ نيسان ،2009 بعد إغلاق دام 35 عاماً، وترى السلطات أن افتتاح الجزيرة بشكل تام يتطلب أموالاً كثيرة لجعل المكان آمناً بسبب مبانيه المتهالكة، وحظيت الجزيرة باهتمام عالمي متنامٍ كمعلم أثري عالمي حديث في المنطقة .
وبعدما أهملت الجزيرة انهارت أغلبية مبانيها، كما أن المباني الباقية وتشمل عدداً من المدارس ومقار شركات على وشك الانهيار هي الأخرى .
وفي الوقت الذي كانت فيه الجزيرة ملكاً لشركة ميتسوبيشي حتى العام 2002 تحولت إلى ما يعرف بمدينة تاكاشيما، وتتبع حالياً مدينة ناغازاكي بعد دخولها نطاق المدينة في العام 2005 .
** سنتراليا في ولاية بنسلفانيا الأمريكية: تقع مدينة الأشباح سنتراليا في مقاطعة كولومبيا في ولاية بنسلفانيا، وانخفض عدد سكانها من ألف نسمة في 1981 إلى 12 شخصاً في العام ،2005 وإلى 9 أشخاص في العام ،2007 ليرتفع إلى 10 أشخاص في العام 2010 بسبب حريق في أحد المناجم القابعة تحت المدينة منذ ،1962 تجاوزت حرارته ألف درجة فهرنهايت، وانبعثت منه سحب مميتة من أول أكسيد الكربون وغازات سامة أخرى .
ولا يعلم أحد على وجه التحديد أسباب اشتعال النيران في المنجم، فافترضت إحدى التغيرات أن المجلس البلدي أوكل إلى إحدى الشركات في العام 1962 تنظيفها من القمامة، فقامت الشركة بإشعال النيران فيها، وحمل الفحم ألسنة اللهب إلى الأنفاق ومناجم الفحم أسفل المدينة، وفشلت كل المحاولات في إطفائها واستمرت مشتعلة طوال عشر سنوات من 1960 إلى ،1970 ما أدى إلى انتشار غازات سامة مثل أول وثاني أكسيد الكربون قضت على الأكسجين بالمنطقة، وتوقعت دراسة هندسية استمرار اشتعال النيران لقرن قادم، وفي العام ،1979 أدرك السكان المحليون خطورة الوضع الصحي في المنطقة عندما اكتشف عمدتها جون كودينجتون أن حرارة وقود سيارته بلغت 8 .77 درجة مئوية .
وزاد اهتمام السكان بالحريق في العام 1981 عندما سقط الطفل تود دومبوسكي في الثانية عشرة من العمر في حفرة عمقها 150 قدماً أثناء سيره في أحد شوارع القرية، وأنقذه ابن عم له، ولفت الحادث انتباه المسؤولين، فبعد فحص الحفرة من قبل خبراء، اكتشف احتواء البخار المنبعث منها على مستويات قاتلة من أول أكسيد الكربون . وفي العام ،1984 خصص الكونغرس الأمريكي أكثر من 42 مليون دولار لإجلاء السكان عن القرية، ونزحوا بالفعل إلى مناطق قريبة بيد أن عدداً من الأسر قرر البقاء ضاربين عرض الحائط بما تلقوه من تحذيرات .
** قلاع مونسيل البحرية في المملكة المتحدة: بنيت هذه الحصون في العام 1942 واستخدمتها البحرية الملكية في إطلاق الذخيرة المضادة للطائرات على الطائرات الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، ويضم كل حصن منها سبعة أبنية تربطها ببعضها بعضاً ممرات مرتفعة للمشاة، ويوجد المدخل عند الدرج السفلي للحصون، وبالرغم من أن أجزاء من الدرج لا تزال موجودة إلى الآن، فان حالتها بالية والدخول إليها يعد مخاطرة غير مأمونة العواقب، وتحولت الحصون إلى مراكز رادارية لمراقبة القراصنة في الفترة ما بين 1960 و ،1970 بعد أن قررت الحكومة البريطانية في 1955 أنها أصبحت عديمة النفع .
** مدينة بيليتز هيلستاتين الألمانية: تجذب المدينة أعداداً كبيرة من السائحين منذ أن هجرها سكانها في العام 2000 . وكانت المدينة منذ أواخر العام 1800 مقراً لمشفى مترامي الأطراف ضم 60 مبنى، حيث عولج ادولف هتلر من جرح في القدم أصابه أثناء الحرب العالمية الأولى .
وبعد انقسام ألمانيا استولت روسيا عليه وحولته إلى مشفى عسكري حتى العام ،1955 وهجر بعد ذلك، وتحول إلى وجهة للرحالة المغامرين، ومكان لتصوير أفلام السينما، وأشهرها فيلم ذا بيانيست أو عازف البيانو .
** قرية أورادور سير جلين الفرنسية: أعلنت السلطات الفرنسية أن القرية أصبحت مزاراً تذكارياً بعد أن هاجمتها القوات الألمانية ودكتها بمدافعها العام ،1944 وأبيد سكانها، حيث أطلق عليهم الألمان النار بدم بارد، ولا تزال هناك أطلال منازل مهدمة، وأقامت فرنسا متحفاً تذكارياً في المكان .
هامبرستون في تشيلي: شيدت بلدة هامبرستون في صحراء أتاكاما في تشيلي 1872 كمركز لتعدين النيترات، حيث كانت تعالج فيه أكبر كميات من النيترات على مستوى العالم . وكان المركز مصدراً مهماً لتصدير المعادن القيمة لدول أمريكا الشمالية وأوروبا التي استخدمتها في صناعة الأسمدة وحفظ الطعام وصناعة المتفجرات، وأدى إنشاء مركز بديل يؤدي مهامه ولكن بتكلفة أقل إلى إهماله وإلى شلل تام في البلدة، التي تضم عدداً كبيراً من المصانع الضخمة، وحوض سباحة، وسوقاً تجارياً، ومسرحاً، وفندقاً، وأدرجتها اليونسكو ضمن المواقع التراثية .
** كولمانسكوب في ناميبيا: بعد اكتشاف قطعة الماس في ناميبيا ،1908 تحولت بلدة كولمانسكوب الصغيرة إلى مركز جذب للمنقبين الألمان . وتقع القرية في صحراء ناميب في ناميبيا، وفيها العديد من المرافق أوروبية الطراز، إضافة إلى تحف معمارية ذات طراز ألماني . وكانت كولمانسكوب أول بلدة افريقية تستخدام آلة أشعة إكس في جنوب القارة السمراء، والترام في القارة بأكملها .
وفي عشرينيات القرن الماضي كانت البلدة مركزاً مهماً للثقافة الألمانية بيد أنه وبعد أن استنفدت كل مناجمها 1954 بقيت خالية، وامتلأت منازلها الفخمة بالرمال بعدما هجرها أصحابها .
** قرية كراكو الإيطالية: مدينة خلابة تنتمي إلى العصور الوسطى، صور فيها عدد من أفلام السينما . شيدت المدينة لأسباب دفاعية منذ القرن السادس فوق تلة ترتفع عن الأرض بمقدار 400 قدم وتطل على وادي نهر كافون، وتعرضت لعدة زلازل أدت إلى انهيارات أرضية متكررة على مستوى القرية بأكملها، فهجرها سكانها 1963 .
وتشمل أطلال المدينة مبنى جامعياً، وقلعة، وعدداً من الساحات العامة والكنائس .
** برايبيات في تشرنوبيل أوكرانيا: أدت كارثة التسرب النووي من مفاعل تشرنوبيل إلى انبعاث كميات كثيفة من الجزيئات المشعة في الهواء، وحملت الرياح التلوث الإشعاعي عبر القارة الأوروبية، ما أوجب إجلاء سكان بلدة برايبيات في أوكرانيا والبالغ عددهم 30 ألف نسمة، بعد أيام معدودة من الانفجار .
شيدت المدينة في العام 1970 كسكن للعاملين في مفاعل تشرنوبيل النووي، وسمح لهم عند النزوح بحمل حقيبة واحدة وضعوا فيها ما اختاروا، تاركين خلفهم كل ممتلكاتهم من الأثاث والكتب والملابس والمتعلقات الشخصية، ما جعلها متحفاً متنوعاً.