بدأت بعض الدول العربية حديثاً في تطبيق فكرة جديدة من نوعها وهي عبارة عن إقامة مساجد متنقلة يطلق عليها مصلى الدليفري عبارة عن سيارات متنقلة مجهزة بكل ما يلزم المصلي من ماء للوضوء وسجاد ومكبرات صوت ومصاحف توضع في أماكن تجمعات الشباب البعيدة عن المساجد مثل الملاعب الرياضية والشواطئ والصحراء وغير ذلك من الأماكن التي تخلو من المساجد الثابتة .
ولاقت الفكرة استحسان البعض لأنه رأى أنها تشجع على المواظبة على الصلاة في أوقاتها وذكر الله في أماكن اللهو المعتادة لدى الشباب، بالإضافة إلى تجميع المسلمين لأداء الصلاة جماعة . . بينما عارض البعض الآخر الفكرة، معللا بأنها إهدار للمال العام وتشوه صورة الدعوة إلى الله، فالأصل هو الصلاة في المساجد ما دامت متوافرة كما أن أرض الله واسعة وتصح الصلاة في كل مكان .
يقول د . نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق: إن بلادنا المسلمة تعج بالكثير من المساجد والزوايا فلا تكاد تخلو منطقة أو حي من مسجد، كما أن إسلامنا دين يسر جعل الأرض كلها مسجدا وطهورا تصلح للصلاة استناداً إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا . . وبالتالي فأينما وجدنا سواء في حديقة أو شاطئ أو نادٍ أو حتى صحراء فإنه يمكننا استقبال القبلة والصلاة على الأرض ما دامت طاهرة . . والمسلمون يؤدون صلاة الجماعة على الشواطئ أو في الشوارع والميادين على الأرصفة حرصا على الصلاة في أوقاتها .
كما أن الذهاب إلى المسجد له أعظم الجزاء لاسيما إذا كانت المسافة بعيدة، فكل خطوة في الطريق إلى المسجد ترفع درجة وتحط خطيئة كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وكما كان يفعل، حيث كان يختار الطريق الأبعد المؤدي إلى المسجد ويسير فيه والطريق الذي يذهب منه يختلف عن طريق العودة . . فلماذا نختصر الطريق ونحضر المساجد تحت أقدامنا؟
أما بخصوص الوضوء، فيلفت د . واصل إلى أن ديننا يسمح لمن لا يجد الماء بالتيمم، وبالتالي فلا داعي لمثل هذه الحافلات التي تعتبر نوعا من الترف والتبذير .
ويضيف: لقد سمعت من قبل عن مثل هذا المسجد المتنقل في ألمانيا، حيث كانت مهمته ليس إقامة الصلوات فقط، وإنما تزويد الألمان بمعلومات عن الإسلام ووضعهم في أجواء إسلامية شبيهة بأجواء المسجد، وكان عبارة عن تصميم وتجهيز سيارة نقل في شكل مسجد تضم ما يمكن أن يحتويه المسجد بما في ذلك المنارة، كما زودت بشاشات عرض وملصقات ولوحات تقدم معلومات مختصرة عن أسس وقواعد الإسلام ونبذة تاريخية عنه، كذلك تحتوي على صالة خلفية للجلوس ومتابعة فيلم تسجيلي عن المساجد وعن الإسلام على شاشة عرض فاتحة أبوابها للزوار من مختلف الديانات .
يعتقد د . واصل أن الفكرة طيبة في بلاد غير المسلمين لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبحت كلمة مسلم مرادفة لإرهابي وألصقت بالدين الحنيف صفات التطرف والعنف وغيرها من الصفات السلبية فكان لزاما على المسلمين العمل على تصحيح صورة الإسلام والتعريف بحقيقة الدين الحق كما هو في الكتاب والسنة لا كما تصوره وسائل الإعلام الغربية أو كما تعبر عنه الجماعات المتطرفة المحسوبة على الإسلام .
بدعة مستحدثة
الدكتور أحمد محمود كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر يؤكد أنه من المعلوم شرعا أن المساجد بيوت الله في أرضه، ولفظ مسجد يعني موضع السجود سواء كان في بنيان أو في غير بنيان وسواء كان للجميع أو لإنسان خاص، فمثلا هناك مسجد للقبيلة ومسجد للمرأة في بيتها لكن العرف جرى على تشييد مساجد على أرض موقوفة لله عز وجل، لها عمارة متعارف عليها قال الله تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار .
وفكرة المساجد المتنقلة من البدع المستحدثة المنكرة التي تمنع السعي إلى المساجد، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، وفيها مناهضة ومناقضة لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة الخطى إلى المساجد، أي إن إقامة ما يسمى بالمساجد المتنقلة لا تتوافق مع النصوص .
كما أن المساجد المتنقلة فيها استهانة بشعائر الإسلام وإعانة للكسالى والمرفهين على ألا يبذلوا أدنى عناء أو مشقة في السعي إلى المساجد .
ويتساءل د . كريمة: هل الشواطئ والأسواق وملاعب الكرة لا توجد بها مساحات من الأرض لتبنى عليها مساجد تليق بالمجتمع المسلم أم أن المساجد صارت عبارة عن سيارات متنقلة فاليوم في منطقة وغدا في أخرى؟ وفي الغد القريب لا نستبعد أن يكون شيخ هذه المساجد إلكترونيا يعظ ويؤم الناس بالكمبيوتر، وهذا بالطبع لا يجوز شرعا . . فكل هذه الأفكار التي نسمعها بين الحين والآخر نابعة من تأثير العولمة في حياة المسلمين بصفة عامة .
مس بهيبة المسجد
ويرى د . عبد الحكم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر أن مفهوم المسجد هو المكان المعد للصلاة والسجود ويشترط فيه أن يكون طاهرا وعاما لكل من يقصده . . ففكرة المسجد يشترط فيها الثبات . . وربما يروج أصحاب هذه الفكرة أنهم يهيئون للناس أمثال هذه المساجد المتنقلة تيسيرا عليهم أو حفزا لهممهم على أداء الصلاة، لكننا لا نؤيد هذه الفكرة لأنها تشبه الملاهي والمسارح وفيها تكلفة زائدة ولا داعي لها . . فإذا كان الأمر ضرورياً، خاصة على الشواطئ وفي الصحراء والكورنيش وغير ذلك وجب على المسؤولين أن يعملوا على إقامة مساجد دائمة فيها وبطبيعة الحال ستعمل هذه المساجد بكامل طاقتها في فصل الصيف حينما يكثر الرواد في هذه الأماكن .
وقال د . الصعيدي: إن هذه المساجد فيها افتئات على هيبة المسجد وقدسيته وثباته فالمسجد مركز مهم لالتفاف الناس حوله ولو كان الأمر كذلك لفكر بعض السلف في هذه المسألة وكان يمكن أن يتمثل ذلك في إعداد مجموعة من البسط التي يمكن نقلها وتهيئتها للصلاة ثم طيها مرة ثانية، لكن على أية حال فهذه فكرة يبتكرها العقل الحديث ظنا منه أنه يقدم خدمة للدين ولكن أمثال هذه الأمور لا تقوم على العواطف وحدها، وإنما لها أسس وقواعد يجب أن تؤسس عليها .
إهدار للمال العام
يقول د . محمد المختار المهدي الأستاذ بجامعة الأزهر ورئيس مجلس إدارة الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة بمصر إن الذي يريد أن يصلي في مكان لا يشترط مسجدا ليصلي فيه بل يصلي في أي مكان على ظهر الأرض فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا، فالصلاة في المسجد الثابت لها فضل كبير وثواب عظيم، أما الصلاة في أي مكان خارج المسجد، فتجوز على أي أرض بشرط أن تكون طاهرة، ومن هنا فإن هذه السيارات المتنقلة على شكل مساجد لها عيوبها، لأن المصلين سوف ينشغلون بها ويخرجون عن الخشوع في الصلاة بالإضافة إلى أنها سوف تتكلف أموالا طائلة أولى بها الجمعيات الخيرية ودور الأيتام وغير ذلك من المشاريع التي تعود بالنفع والثواب العظيم .
ويضيف: إن مثل هذا المسجد يعد إهدارا للمال العام فمن يريد الصلاة لن يبحث عن مكان خاص يصلي فيه، بل إنه سيصلي في أي مكان إذا كان يريد الصلاة فأرض الله واسعة واتجاه القبلة معروف ولذلك فإن التصميم على هذه الفكرة يعتبر بدعة تشوه صورة الدعوة إلى الله .
فكرة مبتكرة
ومن الآراء المؤيدة لهذه الفكرة الدكتور محمد رأفت عثمان العميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، حيث يرى أنها فكرة مبتكرة تحتاج إلى تشجيع من كل دولة إسلامية فهي أشبه بالمكتبات المتنقلة وكما يستفيد الناس من المكتبات المتنقلة فإن فكرة المسجد المتنقل تشجع الذين يسكنون المناطق البعيدة النائية على أن يرتادوا المسجد المتنقل المقام في منطقتهم، فمن الواضح أن المسجد المتنقل لن يكون إلا في المناطق النائية التي لا توجد بها مساجد أو مسجد صغير .
ويضيف: إن وجود مسجد متنقل يشجع على إقامة الجماعات وعلى التواجد للتعبد والقراءة أو التطوع بالصلاة عكس الأرض الفضاء الخالية من أي ملامح للمسجد . . فالمكان الفضاء لا يغري الناس بصلاة الجماعة والجمعة بالقدر نفسه الموجود في هذه المساجد التي ستشجع الناس على ارتيادها .
كما أن الشباب المسلم الغيور على دينه الآن يبحث عن كل جديد وعن الوسائل التي تخدم دينه، وهذا النوع من المساجد قد يشجع غير المداومين على الصلاة على أن يصلوا فيه باعتبار أنه مسجد غير تقليدي أو مسجد نيولوك وهذا ما نسعى إليه وهو تذكير الشباب بالصلاة وحثهم على المداومة عليها .
ويدعو د .عثمان الله بأن يثيب صاحب هذه الفكرة المبتكرة المشجعة للناس على التجمع في العبادات وارتياد المساجد، لأنها بالفعل تستحق الإشادة والتشجيع .
صدقة جارية
ويلفت الشيخ محمد جبريل إمام وخطيب مسجد عمرو بن العاص بالقاهرة النظر إلى أنه إذا لم يكن هناك مكان ثابت كمسجد يصلي فيه المسلمون فهذه فكرة لا غبار عليها ويجب أن يتبناها رجال الأعمال القادرون، لأنها تكون صدقة جارية، فما يحتاجه الناس صدقة للناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة .
ويؤكد الشيخ جبريل أن المسلم القريب من الله يتحمل كل مشكلات الحياة وصعابها، فمن باب أولى أن تكون بيوت الله في مقدمة اهتمامات رجال الأعمال ورجال البر والتقوى ليتولوا أمور مناطقهم ويعمروا فيها المساجد قال تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا . كما أن إعمار مساجد الله، خاصة في المناطق النائية أو الصحراوية يعتبر نوعا من التكافل الاجتماعي وهذا مطلوب بين المسلمين، ولذا نجد أناسا صالحين يتبرعون بأراضٍ لبناء بيت من بيوت الله عليها، والبعض الآخر يتكفل ببناء المسجد، وفريق ثالث يتولى شراء الأثاث والمفروشات، وكل هذه الأعمال تعود على المؤمن بالخير في الدنيا والآخرة، لأن الطاعة تتبعها طاعة ومن شؤم المعصية أن تتبعها معصية . لذلك يشجع الشيخ جبريل مثل هذه الأفكار التي تساعد على خدمة الدين، فأي اقتراح فيه منفعة للمسلمين مقبول ويعمل على نشر الدعوة بطريقة صحيحة، لأن الدعوة يجب ألا تقتصر على مناطق دون غيرها .
توثيق القلوب
ويقول د . فتحي حجازي الأستاذ بجامعة الأزهر: لقد نفذنا هذه الفكرة عام 1973 في سيناء أثناء حرب أكتوبر، حيث أقمنا مسجدا متنقلا عبارة عن حوائط من الشكائر وكلما انتقلنا من منطقة لأخرى نأخذ هذه الشكائر معنا ونقيم المسجد للصلاة فكانت هذه الفكرة تعمل على توثيق القلوب وتجميع النفوس على طاعة الله . . فالمسجد في الصحراء أعطى قوة للجيش المصري آنذاك، حيث كانت تقام فيه الصلاة جماعة وبعد الانتهاء من الصلاة كان الجنود يدعون في صوت واحد خاشع أن ينعم الله عليهم بالنصر، وقد تحقق ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى . أما بالنسبة للمصايف فإن المسجد المتنقل يجمع الناس ويخرجهم من زخرف الدنيا إلى الحياة الروحية الواسعة، حيث الصلاة والحديث وطرح الأفكار والمناقشات ونحو ذلك . . وإن كانت الفكرة يعترضها شيء مثل أن المسجد منذ زمن بعيد يكون ثابتا في الأرض، لكن هذا لا يمنع من إقامة المسجد على أي أرض يكون فيها الإنسان . . كما أن هناك فرقا بين المسجد الذي تقام فيه الصلاة وبين الصلاة في الخلاء . . فالخلاء يعتبر مكانا مؤقتا للصلاة في مناسبات معينة مثل الأعياد، أما المسجد، فهو معد للصلاة أساسا وهذا ما يحدث في المسجد المتنقل.